موقع القمص زكريا بطرس

قراءة فى إنجيل متى (1)_ الى القمص زكريا بطرس

Posted by doctorwaleed في 13/09/2009


إلى القمص المنكوح (الجزء الثانى)

" قراءة فى إنجيل متى (1) "

دراسة نقدية للأناجيل بقلم  د / إبراهيم عوض

_ لم نكن نحب أبداً أن نتعرض لدين أحد لمعرفتنا أن كل إنسان يعتز بدينه أيما اعتزاز ويتألم إذا تعرض له أحد بغض النظر عما إذا كان هذا الدين صواباً أو خطأ ،

بيد أن القوم فى المهجر دأبوا منذ سنين على التباذؤ فى حق الإسلام ونبيه وأتباعه وقلة الأدب مع الله رب العالمين على نحو لم يسبق له مثيل وفتحوا لذات الغرض الخسيس دكانةً للقُمّص المنكوح ، ظانين أن أحداً لن يرد عليهم ومتصورين أن أمريكا ستضرب وتُرهب كل من تسول له نفسه الكريمة الغيرة على دينه ورسوله وأمته ،

إلى أن فاض الكيل وتكرر عتب الناس علينا لسكوتنا عن هذا الإجرام وهذه السفاهة ، فكان لابد من وقفة نُعرّف فيها السفهاء ذوى الأدبار المنتنة التى لا تعرف الطهارة وتراها رجساً من عمل الشيطان حجمهم الحقيقى ونُظهر هشاشة ما يعتقدون ويعتنقون من دين .

والشر بالشر ، والبادئ أظلم ، وعلى نفسها جنت براقش !

وفى هذا المقال نتناول بالدراسة النقدية السريعة الأناجيل كما يؤمن بها هؤلاء وأمثالهم ، متخذين من " إنجيل متى " نموذجاً لها .

وسوف نبدأ دائماً بنقل كل فصل ندرسه بنصه ، ثم نثنِّى بعد ذلك بنقده .

وغايتنا هنا ليست كغاية زيكو العجيب ، هو وأشباهه ممن يلجأون إلى الكذب لنصرة مذهبهم بالباطل ، فتراهم ينتقون أشياء ويهملون عن عمد أشياء ، ويخترعون أشياء ويلوون عنق أشياء … إلى آخر الوسائل المريبة التى يستعملونها فى هذا الغرض ،

بل سنكتفى فى كل مرة بسوق النص كما هو فى الإنجيل دون بتر شىء منه وتركه يتكلم بلسانه هو لا بلساننا ، محترمين المنطق والمنهج العلمى تمام الاحترام ، وكذلك حرية كل إنسان فى الإيمان بما يشاء والكفر بما يشاء .

وسوف يكون اعتمادنا على نسخة الكتاب المقدس التى تقدمها جمعية الكتاب المقدس بلبنان كما هو على المشباك ، أما الشواهد فمن ترجمة سميث وفانديك .

والآن على بركة الله نبدأ :

_ الفصل الأول :

نسب يسوع :

_ " هذا نسَبُ يسوعَ المسيحِ اَبنِ داودَ اَبنِ إبراهيمَ : 2إبراهيمُ ولَدَ إسحق . وإسحق وَلَدَ يَعقوبَ . ويَعقوبُ ولَدَ يَهوذا وإخوتَه . 3ويَهوذا ولَدَ فارِصَ وزارَحَ مِنْ ثاما رَ. وفارِصُ ولَدَ حَصْرونَ . وحَصْرونُ ولَدَ أرامَ . 4وأرامُ ولَدَ عَمَّينادابَ . وعَمَّينادابُ ولَدَ نَحْشونَ . ونَحْشونُ ولَدَ سَلَمونَ . 5وسَلَمونُ ولَدَ بُوعَزَ مِنْ راحابَ . وبُوعَزُ ولَدَ عُوبيدَ مِنْ راعُوثَ. وعُوبيدُ ولَدَ يَسّى . 6ويَسّى ولَدَ داودَ المَلِكَ.
وداودُ ولَدَ سُلَيْمانَ مِن اَمرأةِ أوريَّا. 7وسُلَيْمانُ ولَدَ رَحْبَعامَ. ورَحْبَعامُ ولَدَ أبيّا. وأبيّا ولَدَ آسا. 8وآسا ولَدَ يوشافاطَ. ويوشافاطُ ولَدَ يُورامَ. ويُورامُ ولَدَ عُزَّيّا . 9وعُزَّيّا ولَدَ يُوثامَ . ويُوثامُ ولَدَ أحازَ . وأحازُ ولَدَ .حَزْقِيّا . 10وحَزْقِيّا ولَدَ مَنَسّى . ومَنَسّى ولَدَ آمونَ . وآمونُ ولَدَ يوشِيّا . 11ويوشِيّا ولَدَ يَكُنيّا وإخوَتَه زَمَنَ السبْـيِ إلى بابِلَ .

12وبَعْدَ السّبْـي إلى بابِلَ يَكُنِيّا ولَدَ شَأَلْتَئيلَ . وشَأَلْتيئيلُ ولَدَ زَرُبابِلَ . 13وزَرُبابِلُ ولَدَ أبيهُودَ . وأبيهُودُ ولَدَ ألِياقيمَ . وألِياقيمُ ولَدَ عازُورَ . 14وَعازُورُ ولَدَ صادُوقَ . وصادُوقُ ولَدَ أَخيمَ . وأخيمُ ولَدَ أليُودَ . 15وأليُودُ ولَدَ أليعازَرَ . وأليعازَرُ ولَدَ مَتّانَ . ومَتّانُ ولَدَ يَعقوبَ . 16ويَعقوبُ ولَدَ يوسفَ رَجُلَ مَرْيمَ التي ولَدَتْ يَسوعَ الذي يُدعى المَسيحَ .

17فمَجْموعُ الأجْيالِ مِنْ إبراهيمَ إلى داودَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً . ومِنْ داودَ إلى سَبْـيِ بابِلَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً . ومِنْ سَبْـيِ بابِلَ إلى المَسيحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً .

ميلاد يسوع :

 18وهذِهِ سيرَةُ ميلادِ يَسوعَ المَسيحِ : كانَت أُمٌّهُ مَريَمُ مَخْطوبَةً ليوسفَ ، فَتبيَّنَ قَبْلَ أنْ تَسْكُنَ مَعَهُ أنَّها حُبْلى مِنَ الرٌّوحِ القُدُسِ. 19وكانَ يوسفُ رَجُلاً صالِحًا فَما أرادَ أنْ يكْشِفَ أمْرَها ، فَعزَمَ على أنْ يَترُكَها سِرُا .
20وبَينَما هوَ يُفَكَّرُ في هذا الأمْرِ ، ظَهَرَ لَه مَلاكُ الرَّبَّ . في الحُلُمِ وقالَ لَه : " يا يوسفُ اَبنَ داودَ ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَرْيمَ اَمرأةً لكَ .  فَهيَ حُبْلى مِنَ الروحِ القُدُسِ ، 21وسَتَلِدُ اَبناً تُسمّيهِ يَسوعَ، لأنَّهُ يُخَلَّصُ شعْبَهُ مِنْ خَطاياهُم  ْ" .

22حَدَثَ هذا كُلٌّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبٌّ بلِسانِ النَّبـيَّ : 23 " سَتحْبَلُ العَذْراءُ ، فتَلِدُ اَبْناً يُدْعى " عِمّانوئيلَ " ، أي الله مَعَنا .
24فلمَّا قامَ يوسفُ مِنَ النَّومِ ، عَمِلَ بِما أمَرَهُ مَلاكُ الرَّبَّ . فَجاءَ باَمْرَأتِهِ إلى بَيتِه ، 25ولكِنَّهُ ما عَرَفَها حتى ولَدَتِ اَبْنَها فَسَمّاهُ يَسوع
"

التعليق :

_ أول شىء نلاحظه أن متى (إن كان كاتب هذا الإنجيل هو متى حقاً) يقول عن عيسى عليه السلام إنه " ابن دواد بن إبراهيم " !

ولا يمكن أن يكون عيسى هو ابن داود ولا أن يكون داود هو ابن إبراهيم إلا على المجاز ، إذ بين كل ابن من الابنين وأبيه أجيال وأجيال

ومع ذلك نسمع القوم يتصايحون ويولولون لأن القرآن يقول عن مريم : " ابنة عمران " . فما الفرق بين هذا وذاك ؟ ولماذا يبتلعون تلك ويرفضون هذه ، وهما شىء واحد ؟

وهذا بافتراض أن مريم ليست ابنة عمران حقيقة ، إذ لا يوجد فى أناجيلهم الأربعة التى قبلتها الكنيسة أنها ابنة يواقيم الذى على أساسه يجأرون بتكذيب القرآن ، بل لا يوجد مصدر أكيد يقول إن أبا مريم هو هذا اليواقيم ، بل الذى قال ذلك أحد الأناجيل التى لا تعترف بها الكنيسة !

أليس ذلك أمراً مضحكاً ؟

_ الأمر الثانى أن مؤلف الإصحاح يقول عن داود إنه قد أنجب سليمان من امرأة أوريّا !!

أيدرى القارئ معنى هذه الإشارة ؟

معناها أن جد عيسى وجدته هذين زانيان من الزناة القارحين الذين لا يخجلون :

فداود ، حسبما كتب مؤلفو الكتاب المقدس ، كان ذات يوم يتنزه فوق قصره (أو لا أدرى ماذا كان يفعل هناك ، ولعله كان يتفرج على غِيّة الحمام فوق القصر ، أو يطيّر طيارة ورقية من التى يلعب بها العيال ، يقتل بها الوقت ويتسلى من الملل) ، فتصادف أن وقعت عيناه على بَتْشَبَع امرأة جاره وقائده العسكرى وهى تستحم عارية كما ولدتها أمها فى فناء بيتها المجاور للقصر !

ويبدو أنها كانت تشتغل ممثلة فى هوليود وتقوم بأدوار الإسترِبتيز الساخنة ، وعرفتْ أن داود سوف يصعد إلى سطح القصر بعد قليل فاستعدت له بالطست والكوز والليفة والصابونة والحركات إياها التى تُسِيل لُعَاب الرجال إياهم ، أو ربما اتصلت به هاتفياً أو برسالة فورية على الماسنجر فهرع إليها ليتلذذ بمفاتنها العارية ،

وكانت هى قد اتخذت أسخن الأوضاع وأشدها دفقاً للدم فى العروق ، اللهم إلا إذا أحسنّا بها الظن كما ينبغى للمؤمن أن يفعل ، وقلنا إن غرفة الحمّام كانت تحت الصيانة حينئذ ، وحُبكَ الاستحمام ولم يعد لتأجيله من سبيل ،

وكانت السيدة الجليلة ربة الصون والعفاف مطمئنة إلى جارهم النبى الملك الذى " طلع شُوربة وأى كلام " فلم يكن عند حسن الظن به وصعد إلى السطح غير مراع للجيرة ولا لعِرض قائده .

وكان ما كان مما لا بد أن نذكره ، فظُنّ شراً واسأل كما تحب عن الخبر ، فهو خبر يُخْجل حتى الأوباش ، إذ أرسل داود إليها فجاءته وزنى بها !! ،

ثم لم يكتف بهذا بل تآمر على قتل زوجها ليخلو له وجه المرأة على الدوام ، ثم لما نجحت المؤامرة وقُتل الزوج استلحقها بحريمه ، لكن بطبيعة الحال بعد استيفائها العدة !

يا سلام على قوة الإيمان واحترام الشريعة !

وقد أنجب منها سليمان ، وربما كان سليمان (على كلامهم هم لا كلامنا) هو فَرْخ الزنا ، أستغفر الله !

وهذه هى جدة يسوع , وهذا هو جده ! أنعم وأكرم ! ثم يقولون إن هذا كلام الله ! أستغفر الله !

_ الأمر الثالث أن مؤلف السِّفْر يَصم يسوع وأمه وصمة عار ، لأن نسب المسيح ، حسبما ذكر ، يبدأ من لدن آدم ، وينتهى بيوسف النجار رجل مريم كما يقول !

ولا أظن أن هناك ما يمكن أن يقال من جانبى تعليقاً على هذا ، فهو من الوضوح والشُّنع بحيث لا أستطيع أن أضيف له شيئاً من عندى ، والعياذ بالله .

أى أن المؤلف يردد ما يتهم اليهود به مريم ، عليهم لعنات الله ، إذ يجعلون من عيسى ابناً ليوسف منها .

ولما لم يكن يوسف قد تزوج من مريم ، فلم يبق إلا أن يكون ابناً لهما من الحرام !!

أستغفر الله استغفاراً يوائم هذا الكفر ، الذى نقول نحن (بسببه ولأسباب أخرى مشابهة له فى الشناعة) إن القوم قد حرّفوا كتابهم فيسبّون الرسول الكريم ويَقْذفونه بكل نقيصة غباءً منهم وضلالاً ، إذ المفروض أن الإنسان العاقل يحب من يدافع عنه ومن يفتح له باباً يخرج به من ورطته ،

لكن هؤلاء قد بلغوا فى الغباء مدىً جِدّ بعيد !

_ الأمر الرابع أن مؤلف الإنجيل الآخر الذى يحمل اسم لوقا يقدّم للسيد المسيح نسباً مختلفاً إلى حد بعيد عن سلسلة النسب المذكورة له هنا !

مختلفاً من حيث عدد حلقات السلسلة ، ومختلفاً من حيث سقوط بعض الأجداد هنا وهناك ، ومختلفاً من حيث اختلاف طائفة من الأسماء فى الأولى عنها فى الثانية .

ثم يقولون بكل بجاحة إن هذا كلام الله !

وإلى القارئ الكريم نسب السيد المسيح عليه السلام كما ورد فى الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا ، وأترك له مهمة المقارنة بين النسبين ليتسلى ويضحك ملء أشداقه :

" 23وكانَ يَسوعُ في نحوِ الثلاثينَ مِنَ العُمرِ عِندَما بدَأَ رِسالتَهُ . وكانَ النـاسُ يَحسِبونَهُ اَبنَ يوسُفَ ، بنِ عالي ، 24بنِ مَتْثاثَ ، بنِ لاوِي ، بنِ مَلْكي ، بنِ يَنَّا ، بنِ يوسُفَ ، 25بنِ متَّاثِـيا ، بنِ عاموصَ ، بنِ ناحومَ ، بنِ حَسْلي ، بنِ نَجّايِ ، 26بنِ مآتَ ، بنِ متَّاثيا ، بنِ شَمْعي ، بنِ يوسفَ ، بنِ يَهوذا ، 27بنِ يوحنَّا ، بنِ رِيسا ، بنِ زرُبَّابِلَ ، بنِ شأَلْتيئيلَ ، بنِ نيري ، 28بنِ مَلِكي ، بنِ أدّي ، بنِ قوصَمَ ، بنِ المُودامِ ، بنِ عِيرِ ، 29بنِ يشوعَ ، بنِ أليعازارَ ، بنِ يوريَمَ ، بنِ مَتثاثَ ، بنِ لاوي ، 30بنِ شَمعُونَ ، بنِ يَهوذ ا، بنِ يوسُفَ ، بنِ يونانَ ، بنِ ألياقيم ، 31بنِ مَلَيا، بنِ مَيْنانَ ، بن متَّاثا . بنِ ناثانَ، بنِ داودَ،

32بنِ يسَّى ، بنِ عُوبـيدَ ، بنِ بُوعزَ ، بنِ شالح ، بنِ نَحْشونَ ، 33بنِ عَمِّينادابَ ، بنِ أدمي ، بنِ عرني ، بنِ حَصرونَ ، بنِ فارِصَ ، بنِ يَهوذا ، 34بنِ يَعقوبَ ، بنِ اَسحَقَ ، بنِ إبراهيمَ ، بنِ تارَحَ ، بنِ ناحورَ ، 35بنِ سَروجَ ، بنِ رَعُو ، بنِ فالجَ ، بنِ عابرَ ، بنِ شالحَ ، 36بنِ قَينانَ ، بنِ أرفكْشادَ ، بنِ سامِ ، بنِ نوحِ ، بنِ لامِكَ ، 37بنِ مَتوشالِـحَ ، بنِ أخنوخَ ، بنِ يارِدَ ، بنِ مَهلَلْئيلَ ، بنِ قينانَ ، 38بنِ أنوشَ ، بنِ شيتَ ، بنِ آدمَ ، اَبنِ الله ".

_ الأمر الخامس أن هناك تناقضاً حاداً لا يمكن رَتقه بين ما قاله المؤلف فى الفقرة رقم 18 عن السر الخاص بحمل مريم وما قاله هو نفسه فى الفقرة رقم 20 ،

إذ مرة يقول : لقد تبين أنها حبلى من الروح القدس ،

ومرة يقول إن هاتفاً جاء ليوسف بعد ذلك فى المنام قائلاً له إنها حبلى من الروح القدس ، وينبغى من ثم أن يقف إلى جوارها ويستمر فى خِطْبتها ولا يتركها .

والسؤال هو : لِمَنْ تبيَّن إذن من قبل أنها حبلى من الروح القدس ؟

ليوسف ؟

أبداً ، فها هو ذا يوسف كان يريد تركها بسبب شكه فيها لولا المنام الذى قيل له فيه إنها حُبْلَى من الروح القدس .

للناس إذن ؟ ولا تلك أيضاً ، فها هو ذا لوقا يقول إن الناس كانت تظن أنه ابن يوسف

 أى أنه حتى بعد وقوع الولادة لم يكن الناس يعرفون أنه من الروح القدس ! بل لقد ظلوا يقولون عنه إنه ابن يوسف النجار حتى بعد أن أصبح نبياً :

"ولمّا أتَمَّ يَسوعُ هذِهِ الأمثالَ ، ذهَبَ مِنْ هُناكَ وعادَ إلى بلَدِهِ ، وأخَذَ يُعلَّمُ في مَجمَعِهِم ، فتَعَجَّبوا وتَساءَلوا : " مِنْ أينَ لَه هذِهِ  الحِكمةُ وتِلْكَ المُعْجزاتُ ؟ أما هوَ اَبنُ النجّارِ ؟ أُمٌّهُ تُدعى مَريمَ ، وإِخوتُهُ يَعقوبَ ويوسفَ وسِمْعانَ ويَهوذا ؟ " (13/ 53- 55).

 والآن إلى الفقرتين المضحكتين : " كانَت أُمٌّهُ مَريَمُ مَخْطوبَةً ليوسفَ ، فَتبيَّنَ قَبْلَ أنْ تَسْكُنَ مَعَهُ أنَّها حُبْلى مِنَ الرٌّوحِ القُدُسِ . 19وكانَ يوسفُ رَجُلاً صالِحاً فَما أرادَ أنْ يكْشِفَ أمْرَها ، فَعزَمَ على أنْ يَترُكَها سِراً . 20

وبَينَما هوَ يُفَكَّرُ في هذا الأمْرِ ، ظَهَرَ لَه مَلاكُ الرَّبَّ . في الحُلُمِ وقالَ لَه : " يا يوسفُ اَبنَ داودَ ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَرْيمَ اَمرأةً لكَ . فَهيَ حُبْلى مِنَ الروحِ القُدُس "

_ الأمر السادس أن الكاتب يقول إن هناك نبوءة بأن مريم ستلد ولداً وتسميه : "عمانوئيل " ، ثم ينسى المؤلف المغيَّب الذهن فيقول قبل ذلك مباشرة ، وعقب ذلك مباشرة أيضاً ، إن يوسف سماه : " يسوع " تحقيقا لهذه النبوءة !!

كيف ؟ أفتونى أنتم أيها القراء الكرام ، فقد غُلِبتُ وغُلِبَ حمارى !

إن هذا يذكّرنا بأغنية شادية التى تقول فيها إنها ، من ارتباكها بسبب مشاغلة حبيبها لها ، إذا طلب أبوها أن تُعِدّ له كوباً من القهوة فإنها تعد بدلاً من ذلك كوباً من الشاى وتعطيه لأمها :

" 21 وسَتَلِدُ اَبناً تُسمّيهِ يَسوعَ ، لأنَّهُ يُخَلَّصُ شعْبَهُ مِنْ خَطاياهُمْ ".

22حَدَثَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبٌّ بلِسانِ النَّبـيَّ : 23 " سَتحْبَلُ العَذْراءُ ، فتَلِدُ اَبْناً يُدْعى " عِمّانوئيلَ أي الله مَعَنا.

24فلمَّا قامَ يوسفُ مِنَ النَّومِ ، عَمِلَ بِما أمَرَهُ مَلاكُ الرَّبَّ . فَجاءَ باَمْرَأتِهِ إلى بَيتِه ، 25ولكِنَّهُ ما عَرَفَها حتى ولَدَتِ اَبْنَها فَسَمّاهُ يَسوع "

وبالمناسبة فلم يحدث أن سمى أحد سيدنا عيسى عليه السلام فى يوم من الأيام : " عمانوئيل "

رغم أن كثيراً من النصارى الذين صبياناً وبناتٍ ممن ليسوا أبناءً أو بناتٍ لله يُسَمَّوْن : " عمانوئيل " !

كما أن بقية النبوءة التى تنسب لإشعيا عن حَبَل العذراء وولادتها طفلاً يسمَّى : " عمانوئيل " تقول :

"زبداً وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير ، لأنه قبل أن يعرف الصبى أن يرفض الشر ويختار الخير تُخْلَى الأرض التى أنت خاشٍ من مَلِكَيْها " (إشعيا/ 7/ 15- 16) ،

ولم يرد فى الأناجيل قط أنه ، عليه السلام ، قد أكل زبداً وعسلاً ، فهل نقول ، بناءاً على هذا وطبقاً لما جاء فى النبوءة ، إنه لم يستطع أن يرفض الشر ويختار الخير ؟ يا للداهية الثقيلة !

_ ثم إن الكلام هنا عن طفلٍ بشرى تماماً ، طفلٍ يجرى عليه ما يجرى على كل أطفال البشر ، فهو لم ينزل من بطن أمه عارفاً الخير والشر كما ينبغى لابن الإله أن يكون ، وهذا إن كان من الممكن أو حتى من اللائق أن ينزل ابن الإله من بطن امرأة (وهو الأمر المستحيل بطبيعة الحال) ، بل عليه أن يمر بعدة مراحل حتى يكتسب موهبة التعرف إلى الخير والشر والتمييز بينهما .

ولقد رجعت إلى كتاب " A New Commentary on Holy Scripture " (لندن/ 1929م) لأمحص ما أرى أنه هو التفسير الصحيح أو الأقرب إلى الصحة على الأقل ، فوجدت محرريه : تشارلز جور وهنرى جاودج وألفرد جيوم يقولون إن إشعيا إنما كان يتنبأ بما سيحدث لبنى إسرائيل فى المستقبل القريب ، وإن حَبَل العذراء ليس إلا إشارة إلى الآية التى سيقع عندها ما أخبر به ، إلا أن النصارى قد استغلوا تلك النبوءة فى الكلام عن ميلاد عيسى عليه السلام ، وهو ما لا يوافق عليه اليهود أبداً .

وقد ورد فى شرح المحررين المذكورين أن النبوءة تقول إن التى ستحبل وتلد طفلاً يسمى عمانوئيل هى " damsel "، وليس " virgin " التى تستعمل للعذراء مريم عليها السلام ، وهو ما يعضده استخدام بعض الترجمات الفرنسية عندى لكلمة " la jeune fille "، وإن كنت وجدتها فى بعض الترجمات الفرنسية والإنجليزية الأخرى "vierge, virgin : عذراء ".

وقد انقدح فى ذهنى عندئذ أن السبب فى هذا الاضطراب هو أن الكلمة الأصلية تعنى " damsel " ، التى تعنى أيضاً " غادة ، آنسة ، صبية " ، وأن رغبة النصارى فى تحميلها المعنى الذى يريدون هى المسؤولة عن ترجمتهم لها بــ"عذراء" .

ومرة أخرى لم يكتف العبد لله بذلك ، بل اتخذتُ خطوة أخرى فرجعت إلى مادة " IMMANUEL " فى موسوعة " The International Standard Bible Encyclopedia " لأقرأ تحت هذا العنوان الجانبى : " The Sign of Immanuel " السطور التالية عن النبى إشعيا والعلامة الثانية التى عرضها على الملك أحاز كى يَثْنِيَه عن تحالفه مع مملكة آشور ، هذا التحالف الذى رأى أنه يؤدى إلى التبعية لتلك الدولة :

He then proceeds to give him a sign from God Himself, the sign of " Immanuel " (Isaiah 7:14) . The interpretation of this sign is not clear, even apart from its New Testament application to Christ

The Hebrew word translated " virgin " in English Versions of the Bible means, more correctly, " bride," in the Old English sense of one who is about to become a wife, or is still a young wife. Psalms 68:25 English Versions of the Bible gives "damsels."
Isaiah predicts that a young bride shall conceive and bear a son. The miracle of virgin-conception, therefore, is not implied.

The use of the definite article before "virgin" (ha-`almah) does not of itself indicate that the prophet had any particular young woman in his mind , as the Hebrew idiom often uses the definite article indefinitely. The fact that two other children of the prophet , like Hosea’s, bore prophetic and mysterious names, invites the conjecture that the bride referred to was his own wife .

The hypothesis of some critics that a woman of the harem of Ahaz became the mother of Hezekiah, and that he was the Immanuel of the prophet’s thought is not feasible. Hezekiah was at least 9 years of age when the prophecy was given (2 Kings 16:2).
Immanuel, in the prophetic economy, evidently stands on the same level with Shear-jashub (Isaiah 7:3) as the embodiment of a great idea, to which Isaiah again appeals in Isaiah 8:8 (see ISAIAH, VII).

وفيه ، كما يرى القارئ بنفسه ، أن الكلمة المستخدمة فى الأصل معناها "عروس" أو " شابة على وشك الزواج " أو " زوجة جديدة "، وليس " عذراء " ،

وأن تفسير الآية المذكورة فى النبوءة ليس واضحاً ، وإنْ كان التفسير القائل بالحمل الإعجازىّ مستبعَداً رغم ذلك ،

فضلاً عن أن هناك من يقول إن المقصود بالغادة هو زوجة إشعيا نفسه ، ومن يقول إن المقصود بــ" عمانوئبل" ليس شخصاً بل فكرة من الأفكار العظيمة !

ومرة أخرى غير المرة الأخرى السابقة لا يكتفى العبد لله بهذا ، بل أعود لــ" دائرة المعارف الكتابية " (مادة " عمانوئيل ") فأجد الآتى :

" "عمانوئيل" كلمة عبرية معناها " الله معنا " أو بالحري " معنا الله ". وهو اسم رمزي جاء في نبوة إشعياء لآحاز ملك يهوذا كعلامة على أن الله سينقذ يهوذا من أعدائها (إش 7: 14، 8 و 10) . وقد جاء في إنجيل متى أنها كانت نبوة عن " الرب يسوع المسيح " (مت 1: 23) .

لقد نطق إشعياء بهذه النبوة في حوالي 753 ق. م في أثناء مأزق حرج كان فيه الملك آحاز ، حيث تحالف ضده فقح بن رمليا ملك إسرائيل ورصين ملك أرام ، لأنهما أراداه أن ينضم إليهما في حلف ضد أشور القوة الصاعدة ، لكنه فضَّل الوقوف إلى جانب أشور (انظر 2 مل 16: 5- 9، 2 أخ 28: 16- 21) . ولكن إشعياء النبي أكد لآحاز أنه ليس في حاجة إلى أن يخشى رصين وفقح ، ولا إلى التحالف مع أشور ، وقال له : " اطلب لنفسك آية " ليتأكد من صدق ما قاله النبي .

ولكن آحاز ، بدافع من عدم الإيمان ، وتحت ستار التقوى الكاذبة ، قال له : " لا أطلب ولا أجرِّب الرب " . وعندئذ أعلن إشعياء أن السيد الرب نفسه سيعطيهم آية : " ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل " ، وفي سنواته الباكرة ستنتهي الدولتان اللتان كان يخشاهما (أرام وإسرائيل) .

وهو ما تم على يد تغلث فلاسر الثالث ملك أشور الذي صعد إلى دمشق وفتحها وسبى أهلها وقتل رصين ملكها في 732 ق. م. وبعد ذلك بعشر  سنوات حاصر شلمنأسر ملك أشور السامرة مدة ثلاث سنوات ، وأخيراً سقطت في يد الأشوريين في 722 ق. م .

وتتباين الآراء حول من كان هذا " الابن المدعو عمانوئيل " ،  ومن أمه التي توصف بأنها " عذراء " (" عُلْمة "…) .

ويرى كثيرون من حيث أنها كانت علامة لآحاز ، فلابد أنها كانت تشير أولاً إلى مرمى قريب يستطيع آحاز أن يميزه .

وهناك أربعة آراء تدور حول هذا اللغز : (1) يرى بعض المفسرين أن كلمة "عُلْمة " (العذراء) لا تدل على واحدة بالذات ، بل هي اسم جنس ، فيكون "عمانوئيل" في هذه الحالة رمزاً للجيل الجديد الذي ستتم النبوة في باكر أيامه . ولكن هذا التفسير لا يتفق مع ما جاء بالعهد الجديد ، ويقطع الصلة بين هذه النبوة وسائر النبوات المتعلقة بالمسيا .

(2) إنها نبوة تشير إلى إحدى إمرأتين : إما امرأة إشعياء ، أو امرأة آحاز . وفي الحالة الأولى يكون المقصود " بعمانوئيل " هو " مهير شلال حاش بز " (إش 8 : 1-4) ، وأمه هي زوجة إشعياء الموصوفة بأنها " النبية " (إش 8 : 3) ، التي كان إشعياء على وشك الاقتران بها ، أي أنها كانت مازالت عذراء في وقت النطق بالنبوة ، ويؤيدون هذا الرأي بأن أولاد إشعياء كانوا رموزاً (انظر عب 2: 13 مع إش 8: 18) .

ويرى آخرون أن " العذراء " المقصودة هي إحدى زوجات آحاز ، وأن الابن المقصود هو " حزقيا "، ولكن هذا الرأي تعترضه صعوبات خطيرة ، فحزقيا كان قد وُلد فعلاً منذ نحو تسع سنوات قبل النطق بالنبوة (انظر 2 مل 16: 2 ، 18: 2) ، بينما من الواضح أن النبوة لم تكن عن أمر قد حدث ، بل عن أمر سيحدث .

(3) أن النبوءة تشير إلى المستقبل البعيد، وبخاصة في ضوء ما جاء في إنجيل متى (1: 23) عن العذراء مريم وابنها يسوع الذي " يُدعى اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره الله معنا " لأنه كان هو الله الذي " ظهر في الجسد " (1 تى 3: 16) ، والذي " فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً " (كو 2: 9) .

ومع أنه تفسير سليم بالنسبة لمرمى النبوة البعيد لكنه يتغاضى عن أن النبوة كانت علامة لآحاز .

(4) أن النبوة مزدوجة المرمى ، كالكثير من نبوات العهد القديم ، فعمانوئيل والعذراء رمزان ، فالعذراء يرمز بها في المرمى القريب إلى امرأة إشعياء أو امرأة آحاز ، وفي المرمى البعيد إلى العذراء مريم . و" عمانوئيل " يرمز في المرمى القريب إلى " مهيرشلال حاش بز " أو إلى " حزقيا " ، أما في المرمى البعيد فإلى الرب يسوع .

ولاشك في أن النبوة كانت في مرماها البعيد تتعلق بولادة الرب يسوع المسيح من مريم العذراء ، وهو ما نراه بكل وضوح في إنجيل متى حيث نقرأ : " هذا كله كان ليتم ما قيل من الرب بالنبي القائل : " هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره الله معنا " (مت 1: 21- 23) . وهو الذي يقول عنه إشعياء أيضاً: " لأنه يولد لنا ولد ، ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً ، أباً أبدياً رئيس السلام " (إش 6: 9) ،

فهو وحده الذي يحق أن يقال عنه " الله معنا "، ولم يكن مولده خلاصاً من ضيقة وقتية ، بل خلاصاً أبدياً من الخطية والموت ". انتهى الاقتباس

_ ومن هذه المادة يتضح الأمر كله ، فالقوم يلوون عنق النص كى ينطق بما يريدون رغم أنه لا علاقة له بهذا الذى يريدون ، وذلك على مبدأ : " عنزة ولو طارت " !

_ الفصل الثانى :

المجوس :

" ولمَّا وُلِدَ يَسوعُ في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيَّةِ ، على عَهْدِ المَلِكِ هِيرودُسَ ، جاءَ إلى أُورُشليمَ مَجوسٌ . مِنَ المَشرِقِ 2وقالوا : " أينَ هوَ المَولودُ ، مَلِكُ اليَهودِ ؟ رَأَيْنا نَجْمَهُ في المَشْرِقِ ، فَجِئْنا لِنَسْجُدَ لَه".
3وسَمِعَ المَلِكُ هِيرودُسُ ، فاَضْطَرَبَ هوَ وكُلُّ أُورُشليمَ . 4فجَمَعَ كُلَ رُؤساءِ الكَهَنةِ ومُعَلَّمي الشَّعْبِ وسألَهُم : " أينَ يولَدُ المَسيحُ ؟ " 5فأجابوا : " في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيَّةِ ، لأنَّ هذا ما كَتَبَ النَبِـيٌّ: 6"يا بَيتَ لَحْمُ ، أرضَ يَهوذا ، ما أنتِ الصٌّغْرى في مُدُنِ يَهوذا ، لأنَّ مِنكِ يَخْرُجُ رَئيسٌ يَرعى شَعْبـي إِسرائيلَ " .

7فَدَعا هيرودُسُ المَجوسَ سِرُا وتَحقَّقَ مِنْهُم مَتى ظَهَرَ النَّجْمُ ، 8ثُمَّ أرسَلَهُم إلى بَيتَ لَحْمَ وقالَ لَهُم : " اَذْهَبوا واَبْحَثوا جيَّدًا عَنِ الطَّفلِ . فإذا وجَدْتُموهُ ، فأَخْبِروني حتى أذهَبَ أنا أيضًا وأسْجُدَ لَه " .

9فلمَّا سَمِعوا كلامَ المَلِكِ اَنْصَرَفوا. وبَينَما هُمْ في الطَّريقِ إذا النَّجْمُ الذي رَأَوْهُ في المَشْرقِ ، يَتَقَدَّمُهُمْ حتى بَلَغَ المكانَ الذي فيهِ الطِفلُ فوَقَفَ فَوْقَه . 10فلمَّا رَأوا النَّجْمَ فَرِحوا فَرَحًا عَظيمًا جِدُا ، 11ودَخَلوا البَيتَ فوَجَدوا الطَّفْلَ معَ أُمَّهِ مَرْيَمَ . فرَكَعوا وسَجَدوا لَه ،  ثُمَّ فَتَحوا أَكْياسَهُمْ وأهْدَوْا إلَيهِ ذَهَبًا وبَخورًا ومُرًّا.
12وأنْذَرَهُمُ الله في الحُلُمِ أنْ لا يَرجِعوا إلى هيرودُسَ ، فأخَذوا طَريقًا آخَرَ إلى بِلادِهِم .

الهرب إلى مصر :

13وبَعدَما اَنْصرَفَ المَجوسُ ، ظَهَرَ مَلاكُ الرَّبَّ لِيوسفَ في الحُلُمِ وقالَ لَه : " قُمْ ، خُذِ الطِفْلَ وأُمَّهُ واَهربْ إلى مِصْرَ وأقِمْ فيها ، حتى أقولَ لكَ متى تَعودُ ، لأنَّ هيرودُسَ سيَبحَثُ عَنِ الطَّفْلِ ليَقتُلَهُ " . 14فقامَ يوسفُ وأخذَ الطَّفْلَ وأُمَّهُ ليلاً ورحَلَ إلى مِصْرَ . 15فأقامَ فيها إلى أنْ ماتَ هيرودُسُ ،  ليتِمَّ ما قالَ الربٌّ بِلسانِ النبـيَّ : " مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ اَبني " .

مقتل أولاد بيت لحم :

" 16فَلمَّا رَأى هيرودُسُ أنَّ المَجوسَ اَستهزَأوا بِه ، غَضِبَ جدُا وأمرَ بقَتلِ . كُلٌ طِفْلٍ في بَيتَ لحمَ وجِوارِها ، مِنِ اَبنِ سَنَتَينِ فَما دونَ ذلِكَ ، حسَبَ الوَقتِ الَّذي تحقَّقَهُ مِنَ المَجوسِ ، 17فتَمَ ما قالَ النبـيٌّ إرْمي ا: 18" صُراخٌ سُمِعَفي الرٍامَةِ ،  بُكاءٌ ونَحيبٌ كثيرٌ ، راحيلُ تَبكي على أولادِها ولا تُريدُ أنْ تَــتَعزّى ، لأنَّهُم زالوا عَنِ الوجودِ ".

الرجوع من مصر إلى الناصرة :

" 19ولمَّا ماتَ هِيرودُس ظهَرَ ملاكُ الرَّبَّ ليوسفَ في الحُلمِ، وهوَ في مِصْرَ 20وقالَ لَه : " قُمْ ، خُذِ الطَّفْلَ وأُمَّهُ واَرجِـــعْ إلى أرضِ إِسرائيلَ ، لأنَّ الَّذينَ أرادوا أنْ يَقتُلوهُ ماتوا " . 21فقامَ وأخَذَ الطَّفْلَ وأُمَّهُ ورَجَعَ إلى أرضِ إِسرائيلَ . 22لكِنَّهُ سَمِعَ أنَّ أرخيلاوُسَ يَملِكُ على اليَهودِيَّةِ خلَفًا لأبيهِ هِيرودُسَ ، فخافَ أن يذهَبَ إلَيها . فأَنذَرَهُ الله في الحُلُمِ، فلَجأَ إلى الجَليلِ . 23وجاءَ إلى مدينةٍ اَسمُها النّاصِرَةُ فسكَنَ فيها ، لِيَـتمَّ ما قالَ الأنبياءُ : " يُدعى ناصِريّاً "

التعليق :

_ أول ما يخطر على البال هنا هو أمر أولئك المجوس : من أين لهم العلم بأن هناك مَلِكاً لليهود قد وُلِد ؟

أوقد ذُكِر ذلك فى كتبهم ؟ لكن أين النص عندهم على ذلك ؟

ولماذا يُذكر مثل هذا الأمر لديهم ، وهم ليسوا من بنى إسرائيل ، الذين إنما أُرسِل لهم وحدهم السيد المسيح وليس إلى المجوس بأى حال ؟

وإذا غضضنا النظر عن هذا فإن السؤال سرعان ما يجلجل فى الذهن : فما فائدة عِلْم المجوس بولادة عيسى ؟ هل آمنوا ؟

إنهم لم يقولوا : لقد جئنا لنعلن إيماننا بعيسى ، بل ليسجدوا له . وهل السجود من علامات الإيمان أو مقتضياته ؟

لقد أجاب المسيح ، حسبما سنقرأ بعد قليل ، بأنه قد قيل : للرب إلهك وحده تسجد !

ولا يمكن القول بأنهم كانوا يعتقدون أنه ابن الله أو الله ، إذ كل ما قالوه عنه هو أنه " ملك اليهود " كما مرّ .

كما لا يمكن القول بأنهم أرادوا أن يعظموا هذا الملك ، أولاً لأنه لم يصبح ملكاً بعد (ولن يصبح أبداً طبعاً) ، وثانياً لأنه ليس ملكاً فارسياً ولا مجوسياً ، فلماذا يسجدون له ؟

وعلى أية حال لماذا لم نسمع بهؤلاء المجوس بعد ذلك ؟!

الطبيعى أن يظهروا بعد هذا حين يئين الأوان ويكبر يسوع ويبلغ مبلغ الأنبياء ويعلن دعوته كى يكونوا من حوارييه ما داموا قد تجشموا المجىء من بلادهم وتعرّضوا بسبب ذلك للخطر كما رأينا !

أليس كذلك ؟

واضح أن كاتب هذه التخاريف لا يستطيع أن يَسْبِك التأليف كما ينبغى ، ولذلك ترك فيه ثغرات كثيرة !

ثم من هؤلاء القوم ؟ من أى بلد فى فارس ؟ ما أسماؤهم ؟ ماذا كانوا يعملون فى بلدهم قبل أن يفدوا إلى فلسطين ؟

ثم كيف أَتوْا إلى فلسطين ؟ وماذا صنعوا عند عودتهم إلى بلادهم ؟ ولماذا لم يدعوا الناس إلى الدخول فى دين عيسى ؟

إن فارس تكاد أن تكون هى البلد الوحيد فى الشرق الأوسط الذى لم يعتنق النصرانية رغم أن ذلك النفر المجوسى هم أول البشر معرفةً بميلاد المسيح وإظهاراً لمشاعرهم نحوه وتبجيلهم له ؟

ثم أليس غريباً أن يعتمد هيرودس الذى أهمّه مولد عيسى كل هذا الهم على أولئك المجوس الغرباء فى معرفة المكان الذى وُلِد فيه المسيح ؟

أليس عنده العيون والجواسيس الذين يستطيعون أن يأتوه بهذا الخبر ؟

ألم يكن بمقدوره على الأقل أن يرسل فى أعقابهم من يرقب حركاتهم وسكناتهم حتى يعرف بيت الوليد الجديد بدلاً من أن ينتظر حتى يأتوه هم بالخبر كما قال المؤلف السقيم الخيال ؟

_ ثم هناك حكاية النجم ، وهذه فى حد ذاتها بَلْوَى مُسَيَّحة !

كيف يا ترى يمكن أىَّ إنسان التعرفُ على بيت من البيوت من وقوف أحد النجوم فوقه ؟

إن هذا لهو المستحيل بعينه !

إن الكاتب الجاهل يظن أن النجم المذكور قد ظهر إثر ميلاد عيسى ، غافلاً أن الضوء الذى زعم أن المجوس كانوا يَرَوْنَه آنذاك إنما صدر من النجم قبل ذلك بآلاف السنين ، ولم يأت لتوه كما توهم بجهله !

ولقد كتب لى أحدهم منذ أَشهر رسالةً مشباكيةً يحاول أن يقنعنى فيها بأنه كان من السهل على أولئك المجوس أن يعرفوا أن النجم واقف فوق بيت الطفل الوليد خَبْط لَزْق باستعمال بعض الآلات الفلكية !

يا حلاوة يا أولاد !

معنى ذلك أنهم كانوا علماء فى الفلك والرياضيات (ولعلهم من أحفاد عمر الخيام ، لكن بالمقلوب ! ) ، جاؤوا من بلادهم ومعهم مرصد وضعوه على ظهر حمار مثلاً (تخيلوا مرصداً على ظهر حمار !) ، فنصبوه فى زقاق من أزقة بيت لحم وأخذوا يرصدون ويكتبون ويحسبون ويتجادلون برطانتهم الفارسية ، وفى أيديهم الآلات الحاسبة ومسطرة حرف " تى" لزوم المنظرة ، والناس تنظر إليهم وتتفرج عليهم ..

لينتهوا فى آخر المطاف بعد فشلهم فى حسابات الفلك إلى اللجوء للطريقة التقليدية فى بلادنا التى لا يوجد أحسن منها للشعوب المتخلفة (أما كان من الأول بدلاً من تضييع كل هذا الوقت ؟ ) فينادوا فى الشوارع عن :

" عَيِّل مولود حديثاً يا أولاد الحلال ، ولابس بيجامة كستور مقلّمة وفى فمه بزّازة ، وفى رجله فردة لَكْلُوك واحدة بأبزيم صفيح ، فمن يدلنا على بيته له مكافأة ثمينة ! وشىء لله يا عَدَوِى " !

ثم كيف يا ترى كان النجم يتقدمهم أثناء سفرهم ، والنجوم لا تظهر إلا ليلاً ؟

هل معنى هذا أنهم كانوا ينامون نهاراً ثم يستيقظون ليلاً ليستأنفوا المسير ؟

أم ترى مخترع الإنجيل كان يظن أن المسافة بين فارس وبيت لحم فى فلسطين لا تزيد عن " فَرْكَة كَعْب " وتُقْطَع فى بضع ساعات من الليل ؟

أليس ذلك أمراً يبعث على الاشمئزاز ؟

ثم إذا أردنا أن ننصحهم ونأخذ بيدهم كى ننتشلهم من هذا التخريف لأن حالهم يصعب علينا شتموا نبينا وأقلّوا أدبهم عليه !

_ كما أشار الكاتب فى النصّ الذى بين أيدينا إلى النبوءة الخاصة بولادة المسيح فى بيت لحم : " مِنكِ يَخْرُجُ رَئيسٌ يَرعى شَعْبـي إِسرائيلَ

وهى تعنى (كما هو واضح) أن المسيح سوف يكون راعياً لبنى إسرائيل .

فهل تحقق شىء من هذا ؟

أبداً ، فقد كفر به بنو إسرائيل واتهموا أمه فى شرفها وتآمروا على قتله ، بل إنهم والنصارى يقولون إنهم قد استطاعوا فعلاً أن يقتلوه .

وعلى أية حال فإنه لم تُتحْ له قط الفرصة لرعاية بنى إسرائيل لا روحياً ولا سياسياً !

إنها إذن نبوءةٌ فِشِنْك كمعظم نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد !

ولا ننس ما أبديته قبل قليل من استغرابى اهتمام المجوس بولادة المسيح ، إذ ليسوا من بنى إسرائيل ، الذين إنما أُرْسِل عليه السلام إليهم لا إلى المجوس .

كذلك سمى المجوس سيدنا عيسى : " ملك اليهود " ، وهى أيضاً تسمية كاذبة ، إذ متى كان المسيح ملكاً لليهود ؟

لقد قال يسوع مراراً إن مملكته ليست من هذا العالم ، فما صلته إذن بالملكية والملوك ؟

ثم ألم يجد المجوس من الألطاف ما يتحفونه به عليه السلام إلا الذهب ؟

وهل يحتاج ابن الله إلى مثل هذه الأشياء ، وهو الذى فى يد أبيه كل كنوز الأرض والسماء ؟

إن الكاتب الأبله يقيس أبناء الآلهة على أبناء حكام الدول المتخلفة الذين لا يشبعون من المال والذهب رغم أن ميزانية الدولة كلها فى أيديهم يغرفون منها ما يشاؤون ،

أو على الباباوات المغرمين غراماً مرضيّاً باستعراض أنفسهم فى الإستبرق والسندس والذهب والياقوت وسائر الجواهر الثمينة رغم ما يزعجوننا به من كلام عن الوداعة والتواضع والزهد والرهبانية والتشبه بالمسيح فى الانصراف عن زخارف الحياة الدنيا !

يا له من خيال سقيم ! يا مَتَّى يا ابن الحلال ، الله لا يسيئك ، أولاد الآلهة هؤلاء أولاد عِزّ شَبْعَى لا ينظرون إلى ذهب أو ألماس !

والعجيب ، كما سوف نرى ، أن المسيح يدعو إلى مخاصمة الدنيا خصومة لا هوادة فيها ولا تفاهم بأى حال مما من شأنه أن يوقف دولاب الحياة ويشجع على العدمية والموت ،

فكيف لم يلهم الله سبحانه وتعالى المجوس أن يقدموا لابنه شيئاً يليق به وباهتماماته من أشياء الروح لا من ملذات الدنيا ، وليكن نسخة مصورة من العهد القديم للأطفال مثلاً ؟!

_ وتقول الفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح :

" وبَعدَما اَنْصرَفَ المَجوسُ ، ظَهَرَ مَلاكُ الرَّبَّ لِيوسفَ في الحُلُمِ وقالَ لَه : " قُمْ ، خُذِ الطِفْلَ وأُمَّهُ واَهربْ إلى مِصْرَ وأقِمْ فيها ، حتى أقولَ لكَ متى تَعودُ ، لأنَّ هيرودُسَ سيَبحَثُ عَنِ الطَّفْلِ ليَقتُلَهُ ". 14فقامَ يوسفُ وأخذَ الطَّفْلَ وأُمَّهُ ليلاً ورحَلَ إلى مِصْرَ ".

ونقول نحن بدورنا : ولماذا اهتمام السماء بإنقاذ الطفل يسوع من القتل إذا كان قد أتى إلى العالم كما يزعم القوم ليُقتل تكفيراً عن الخطيئة البشرية ؟

ألم يكن الأفضل أن تتركه السماء يموت فى صغره فتنتهى مهمته سريعاً بدل الانتظار إلى أن يكبر وتضيع كل الجهود التى بذلتها أمه فى تربيته وتعليمه والإنفاق عليه فى الهواء ؟

وخير البر عاجله كما يقولون ، وما دام مقتولاً مقتولاً فالأفضل الآن , والذى تعرف ديته اقتله وانته من أمره سريعاً ، فالوقت من ذهب !

آه ، لكن فاتنا أننا فى منطقة الشرق الأوسط حيث الوقت لا قيمة له ، فهو يُعَدّ بالكوم وليس بالثوانى ولا الدقائق ، فضلاً عن الساعات أو الأيام ، ودعنا من السنين !

_ أما اتخاذ القوم من عبارة " مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابني " دليلاً على أنه ، عليه السلام ، هو ابن الله حقاً ، فالرد عليه بسيط جداً جداً أسهل مما يتصور الإنسان ،

إذ الأناجيل مفعمة بعبارة " أبناء الله " و" أبوك أو أبوكم الذى فى السماوات " على قفا من يشيل ، وكلها من كلام المسيح ذاته :

" هنيئًا لِصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ " (متى/ 5/ 9) ،

" أحِبّوا أَعداءَكُم ، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم ، فتكونوا أبناءَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ " (5/ 44- 45) ،

" فكونوا أنتُم كاملينَ ، كما أنَّ أباكُمُ السَّماويَّ كامِلٌ " (5/ 48) ،

" إيَّاكُمْ أنْ تعمَلوا الخَيرَ أمامَ النَّاسِ ليُشاهِدوكُم ، وإلاَّ فلا أجرَ لكُم عِندَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ " (6/ 1) 

" فإذا صَلَّيتَ فاَدخُلْ غُرفَتَكَ وأغلِقْ بابَها وصَلٌ لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ ، وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ " ،

" لا تكونوا مِثلَهُم ، لأنَّ الله أباكُم يَعرِفُ ما تَحتاجونَ إلَيهِ قَبلَ أنْ تسألوهُ " (6  /  8  )

"فصلّوا أنتُم هذِهِ الصَّلاةَ : أبانا الَّذي في السَّماواتِ ، ليتَقدَّسِ اَسمُكَ " (6/ 9) ،

" فإنْ كُنتُم تَغفِرونَ لِلنّاسِ زَلاّتِهِم ، يَغفِرْ لكُم أبوكُمُ السَّماويٌّ زلاّتِكُم . وإنْ كُنتُم لا تَغفِرونَ لِلنّاسِ زلاّتِهِم ، لا يَغفِرُ لكُم أبوكُمُ السَّماويٌّ زلاّتِكُم" (6/ 14- 15) ،

"… حتى لا يَظهَرَ لِلنّاسِ أنَّكَ صائِمٌ ،بل لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ ،وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ" (6/ 18)

" انظُروا طُيورَ السَّماءِ كيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَخزُنُ ، وأبوكُمُ السَّماويٌّ يَرزُقُها " (6/ 26) ،

" فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ لأَبنائِكُم ، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ يَسألونَهُ ؟ " (7/ 11) ،

" وأمّا الأبرارُ ، فيُشرِقونَ كالشَّمسِ في مَلكوتِ أبـيهِم " (13/ 43)

، " وهكذا لا يُريدُ أبوكُمُ الَّذي في السَّماواتِ أنْ يَهلِكَ واحدٌ مِنْ هَؤلاءِ الصَّغارِ " (18/ 14) ،

" ولا تَدْعوا أحداً على الأرضِ يا أبانا ، لأنَّ لكُم أبًا واحدًا هوَ الآبُ السَّماويٌّ " (23/ 9) ،

, فضلاً عن أن المسيح عليه السلام كثيراً ما سمى نفسه : " ابن الإنسان " كما هو معروف ،

كما أكد أن أمه وإخوته الحقيقيين هم المؤمنون الذين يطيعون الله ويخلصون له سبحانه ، وهو ما يدل دلالة قاطعة على أن بنوة البشر لله إنما تعنى فى مثل هذه السياقات الإيمان والطاعة المطلقة له عز وجل :

" وبَينَما يَسوعُ يُكلَّمُ الجُموعَ ، جاءَتْ أمٌّهُ وإخوَتُهُ ووقَفوا في خارِجِ الدّارِ يَطلُبونَ أن يُكلَّموهُ . فقالَ لَه أحَدُ الحاضِرينَ : " أُمٌّكَ وإخوتُكَ واقفونَ في خارجِ الدّارِ يُريدونَ أنْ يُكلَّموكَ " .

فأجابَهُ يَسوعُ : " مَنْ هيَ أُمّي؟ ومَنْ هُمْ إخْوَتي؟ " وأشارَ بـيدِهِ إلى تلاميذِهِ وقالَ: " هؤُلاءِ هُمْ أُمّي وإخوَتي . لأنَّ مَنْ يعمَلُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ هوَ أخي وأُختي وأُمّي " (12/ 46- 50) .

_ ثم إن ابن الإله لا يمكن أن ينزل بنفسه إلى مرتبة النبى أبداً ، لكننا نسمع عيسى بأذننا هذه التى سيأكلها الدود يقول لأهل الناصرة حين رفضوا الإيمان به :

" لا نبـيَّ بِلا كرامةٍ إلاّ في وَطَنِهِ وبَيتِهِ " (13/ 57) .

كذلك ففى كل من العهد القديم وكلام الرسل فى العهد الجديد كثيراً ما نقابل عبارة " أبونا " مقصوداً بها الله سبحانه وتعالى ،

ومنها قول إشعيا مثلاً : " تطلَّعْ من السماء ، وانظر من مسكن قدسك…، فإنك أنت أبونا ، وإن لم يعرفنا إبراهيم ، وإن لم يدرنا إسرائيل . أنت يا رب أبونا " (إشعيا/ 63/ 15- 16) ،

" والآن يا رب انت ابونا . نحن الطين وانت جابلنا وكلنا عمل يديك " (إشعيا/ 64/  8 )

، "‎ هو يدعوني ابي انت . الهي  وصخرة خلاصي ‎" (مزامير/ 89/ 26 ، والمتكلم هو الله، والحديث عن داود) ،

" ارجعوا ايها البنون العصاة ، يقول الرب… وانا قلت كيف اضعك بين البنين واعطيك ارضاً شهية ميراث مجد امجاد الامم . وقلت تدعينني يا ابي ومن ورائي لا ترجعين " (إرميا/ 3/ 14، 18) ،

" نعمة لكم وسلام من الله ابينا " (إفسوس/ 1/ 2، وكورنثوس/ 1/ 2، وتسالونيكى/ 1/ 1) ،

" يثبّت قلوبكم بلا لوم في القداسة امام الله ابينا " (تسالونيكى/ 3/ 13) .

_ ونأتى لما قاله مؤلف السفر من أن هيرودس قد أمر بقتل أطفال بنى إسرائيل من سن سنتين فنازلاً ، وهذا نص كلامه حرفياً :

" فَلمَّا رَأى هيرودُسُ أنَّ المَجوسَ اَستهزَأوا بِه ، غَضِبَ جدُا وأمرَ بقَتلِ كُلٌ طِفْلٍ في بَيتَ لحمَ وجِوارِها ، مِنِ اَبنِ سَنَتَينِ فَما دونَ ذلِكَ ، حسَبَ الوَقتِ الَّذي تحقَّقَهُ مِنَ المَجوسِ ، 17فتَمَ ما قالَ النبـيٌّ إرْميا : 18 " صُراخٌ سُمِعَ في الرّامَةِ ، بُكاءٌ ونَحيبٌ كثيرٌ ، راحيلُ تَبكي على أولادِها ولا تُريدُ أنْ تَــتَعزّى ، لأنَّهُم زالوا عَنِ الوجودِ " .

ولست أطمئن لهذا الكلام الذى لم يسجل التاريخ عنه شيئاً ولا تكلمت عنه الأناجيل ولا السيد المسيح بعد ذلك وكأن هؤلاء الأطفال "شويّة لبّ فى قرطاس" قزقزهم هيرودس فى سهرة قدّام التلفزيون وانتهى الأمر !

أما النبوءة الجاهزة التى ساقها المؤلف عقب القصة كعادته فى كل خطوة يخطوها وكأنه خالتى بَمْبَة التى لم تكن تكفّ عن الاستشهاد بالأمثال فى برنامج المرأة فى الإذاعة المصرية ،

فلا معنى لها هنا كما هو الحال فى كثير من المواضع ، لأن راحيل هذه هى أم يوسف ، فلا علاقة لها من ثم بتلك الواقعة غير القابلة للتصديق .

ومن قال إنها فى القصة لم تتعزّ عن موت أولادها بل ظلت تصرخ وتنتحب وتبكى فى حرقة ، وقد رأينا أن أحداً لم يبال بالأطفال المساكين أو يذرف عليهم دمعة ؟

وهل الرامة هى بيت لحم ؟

إن الرامة تقع إلى الشمال من أورشليم على بعد عدة كيلومترات ، أما بيت لحم فشىء آخر .

وأقرب شىء إلى أن يكون هو المراد من تلك النبوءة رجوع بنى إسرائيل من المنفى إلى بلادهم ، وليس قتل هيرودس المزعوم لأطفال بنى إسرائيل ، لأنها تفتقد التناظر الذى ينبغى أن يتوفر فى الرمز .

إننى لأتعجب فى كل مرة أقرأ فيها لأمثال زيكو حين يتكلمون عن نبوءات الكتاب المقدس ويحاولون تفسيرها ، وأتساءل : ترى هل تغطوا جيداً قبل الإخلاد إلى الفراش فلم تتعرّ أردافهم وهم نائمون ؟

الواقع أن النبوءة المذكورة التى رآها إرميا حسبما جاء فى العهد القديم (إرميا/ 31/ 15- 17) لا علاقة لها بحادثة قتل هيرودس أطفال بنى إسرائيل من سن عامين فهابطاً ، إذ الكلام عن تغيب أبناء راحيل عن البلاد فى أرض العدو !

وهذا نص النبوءة كما ورد فى ترجمة جمعيات الكتاب المقدس المتحدة :

"صوتٌ سُمِع فى الرامة . نَوْحٌ ، بكاءٌ مُرّ . راحيل تبكى على أولادها وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين ، هكذا قال الرب . امنعى صوتك عن البكاء وعينيك عن الدموع لأنه يوجد جزاء لعملك ، يقول الرب ، فيرجعون من أرض العدو ، ويوجد رجاء لآخرتك ، يقول الرب ، فيرجع الأبناء إلى تُخْمهم ".

وفى " دائرة المعارف الكتابية " تحت عنوان "راحيل" نقرأ أن :

" النبى (أى النبى إرميا) صوَّر فى عبارة شعرية عويل راحيل على أبنائها ، إما لأنه سبق فرأى أن المسببِّين من يهوذا وبنيامين سيجتمعون فى الرامة بعد سقوط أورشليم وقبل اقتيادهم إلى السبى فى بابل (إرميا 40: 1) ،

أو لأن الرامة كانت أكمة مرتفعة فى أرض بنيامين يمكن منها رؤية الخراب الذى أصاب البلاد " .

وطبعاً هذا كله لو أن النبى إرميا قال فعلاً ذلك الكلام .

_ الفصل الثالث :

بشارة يوحنا المعمدان :

" وفي تِلكَ الأيّامِ جاءَ يوحنّا المَعمدانُ يُبشَّر في برَّيَّةِ اليهودِيَّةِِِ 2فيقولُ : " تُوبوا ، لأنَّ مَلكوتَ السَّماوات اَقتربَ ! " 3ويوحَنّا هوَ الذي عَناهُ النبـيٌّ إشَعْيا بِقولِهِ : " صوتُ صارِخِ في البرّيّةِ: هَيَّئوا طريقَ الربَّ واَجعَلوا سُبُلَهُ مُستَقيمةً " .

4وكانَ يوحنّا يَلبَسُ ثوبًا مِنْ وبَرِ الجِمالِ ، وعلى وسَطِهِ حِزامٌ مِنْ جِلد، ويَقْتاتُ مِنَ الجَرادِ والعَسَلِ البرَّيَّ . 5وكانَ النّاسُ يَخرُجونَ إليهِ مِنْ أُورُشليمَ وجَميعِ اليَهودِيَّةِ وكُلٌ الأرجاءِ المُحيطَةِ بالأُردنِ . 6ليُعَمَّدَهُم في نَهرِ الأردُنِ، مُعتَرِفينَ بِخَطاياهُم .

7ورأى يوحَنّا أنَّ كثيرًا مِنَ الفَرَّيسيّـينَ والصَدٌّوقيّـينَ يَجيئونَ إلَيهِ ليَعتَمِدوا ، فقالَ لَهُم : " يا أولادَ الأفاعي ، مَنْ علَّمكُم أنْ تَهرُبوا مِنَ الغَضَبِ الآتي ؟ 8أثْمِروا ثمَرًا يُبَرْهِنُ على تَوْبتِكُم ، 9ولا تقولوا لأنفسِكُم: إنَّ أبانا هوَ إبراهيمُ . أقولُ لكُم : إنَّ الله قادرٌ أنْ يَجعَلَ مِنْ هذِهِ الحِجارَةِ أبناءً لإبراهيمَ . 10ها هيَ الفأسُ على أُصولِ الشَّجَرِ . فكُلُّ شجَرَةٍ لا تُعطي ثَمرًا جيَّدًا تُقطَعُ وتُرمى في النّارِ . 11أنا أُعمَّدُكُمْ بالماءِ مِنْ أجلِ التَّوبةِ ، وأمّا الَّذي يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي ، وما أنا أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ . هوَ يُعمَّدُكُم بالرٌّوحِ القُدُسِ والنّارِ ، 12ويأخذُ مِذراتَه . بيدِهِ ويُنَقّي بَيدَرَه، فيَجمَعُ القَمحَ في مَخزَنِه ويَحرُقُ التَّبنَ بنارٍ لا تَنطَفئُ .

يوحنا يعمّد يسوع :

13وجاءَ يَسوعُ مِنَ الجليلِ إلى الأُردنِ ليتَعَمَّدَ على يدِ يوحنّا . 14فمانَعَهُ يوحنّا وقالَ لَه : " أنا أحتاجُ أنْ أَتعمَّدَ على يدِكَ ، فكيفَ تَجيءُ  أنتَ إليَّ 15فأجابَهُ يَسوعُ: "ليكُنْ هذا الآنَ ، لأنَّنا بِه نُــتَمَّمُ مَشيئةَ الله " . فَوافَقَهُ يوحنّا .
16وتعمَّدَ يَسوعُ وخَرَجَ في الحالِ مِنَ الماءِ . واَنفَتَحتِ السَّماواتُ لَه ، فرأى رُوحَ الله يَهبِطُ كأنَّهُ حَمامَةٌ ويَنزِلُ علَيهِ . 17وقالَ صوتٌ مِنَ السَّماءِ : " هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ رَضِيتُ " .

التعليق :

_ من الغريب غير المفهوم أن يستقبل يحيى عليه السلام (يوحنا المعمدان) من أتاه من الفَريسيين والصَّدُوقيين ليتعمدوا على يديه ويعترفوا بخطاياهم ، بهذه الشتائم ، مع أنهم بمجيئهم إليه قد برهنوا على أنهم يشعرون بالذنب ويريدون التوبة ،

وإلا فهل يحق لنا أن نشق عن قلوب الناس ونقول إننا نعرف ما فى طيات ضمائرهم أفضل مما يعرفونه ثم نتهمهم بأنهم لا يصلحون للتوبة ؟

أليس هذا افتئاتاً منا على شأن من شؤون الله ؟

ألم يكن ينبغى أن يعطيهم يحيى عليه السلام فرصة يجربهم فيها قبل أن يُسمِعهم تلك الشتائم القارصة المهينة دون داع ؟

إننى لا أصدّق أبداً أن يحيى عليه السلام كان بهذه الخشونة مع من جاء ليتوب حتى لو كانت توبته ظاهرية لم تخرج من الأعماق !

إن عبارة كاتب السفر تقول : " وفي تِلكَ الأيّامِ جاءَ يوحنّا المَعمدانُ يُبشَّر في برَّيَّةِ اليهودِيَّةِِِ ".

والواقع أن هذا ليس تبشيراً على الإطلاق ، بل هو تنفير من التوبة وتعسير لها وتبغيض للناس فى الدين والعمل الصالح كله !

_ ثم إننا نسمعه يقول :

"11أنا أُعمَّدُكُمْ بالماءِ مِنْ أجلِ التَّوبةِ ، وأمّا الَّذي يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي ، وما أنا أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ . هوَ يُعمَّدُكُم بالرٌّوحِ القُدُسِ والنّارِ ، 12ويأخذُ مِذراتَه . بيدِهِ ويُنَقّي بَيدَرَه ، فيَجمَعُ القَمحَ في مَخزَنِه ويَحرُقُ التَّبنَ بنار لا تَنطَفئُ " .

وتعليقنا على هذا أن المسيح عليه السلام لم يعمد أحداً بالنار ، وهذه هى الأناجيل بين أيدينا ، فلْيُرنى فيها المعترض على كلامى ما يخالفه !

ولا يقل أحد إن الكلام هنا على المجاز ، لأن النار إنما ذُكِرَتْ فى مقابل الماء ، والماء هنا على الحقيقة ، فقد كان يحيى يعمّد الناس (كما يقول الكاتب) فى نهر الأردن ،

كما أنه عليه السلام قد قال بنفسه إنه إذا كان يعمّدهم فيه بالماء فسوف يأتى ذلك الشخص الآخر (الذى يفسره النصارى بأنه السيد المسيح) فيعمدهم بالنار ، مع أنه لا نار هناك ولا دياولو !

والعجيب ، وكل أمور القوم عجب ، أن النصارى إنما يعمّدون أولادهم والمتنصرين من أهل الأديان الأخرى بالماء رغم ذلك لا بالنار .

ثم نقول ، من أجل ذلك ومن أجل غير ذلك ، إن كتابهم محرَّف فيردّ سفلة المهجر بسبّ الرسول الكريم ويتطاولون عليه سَفَهًا منهم وإجراماً وكفراً !

_ كذلك يقول يحيى حسب كلام المؤلف : " وأمّا الَّذي يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي ، وما أنا أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ ".

ومرة أخرى يرى القوم أن المقصود هو السيد المسيح ، ومع هذا نراه يعمّد السيد المسيح ، فكيف ذلك ؟

ولقد جاء فى الترجمة التفسيرية لكتاب الحياة على لسان عيسى حين امتنع يحيى فى البداية عن تعميده ما يلى :

" أسمح الآن بذلك ، فهكذا يليق بنا أن نُتِمّ كل برّ

وهو ما يعنى أن المسيح من دون هذا التعميد سوف يكون ناقصاً براً ، فكيف يكون ابن الله ناقصاً بِراً ؟

بل كيف يكون الآتى لتكفير الخطايا البشرية من لدن آدم إلى يوم الدينونة ناقصاً براً ويحتاج من ثم للتعميد ؟

على رأى المثل : " جئتك يا عبد المعين تعيننى ، فوجدتك يا عبد المعين تُعَان " .

أما فى الترجمة التى أعتمد عليها هنا فقد جاء كلام المسيح هكذا : " ليكُنْ هذا الآنَ ، لأنَّنا بِه نُــتَمَّمُ مَشيئةَ الله " ،

ويا له من فارق فى المعنى !

ثم نقول لهم إن فى كتابكم تحريفات وتخريفات كثيرة فيسبوننا ويهدوننا بأمريكا !

يا للعجب ، وهل تستطيع قوة أمريكا أن تغير من حقائق الأمور ؟

وهل يليق بمن يزعمون أنهم على الحق وأنهم لا يعتمدون إلا على " قوة الله " أن يستقووا بأمريكا ؟

ليس أمامى إلا أن أقول أنا إذن كما كان يقول فريد شوقى : " يا قوة الله " !

_ وفى الفقرة الأخيرة نقرأ الآتى :

" 16 وتعمَّدَ يَسوعُ وخَرَجَ في الحالِ مِنَ الماءِ . واَنفَتَحتِ السَّماواتُ لَه، فرأى رُوحَ الله يَهبِطُ كأنَّهُ حَمامَةٌ ويَنزِلُ علَيهِ . 17وقالَ صوتٌ مِنَ السَّماءِ : " هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ رَضِيتُ " ،

ثم نتساءل : كيف يا ترى انفتحت السماوات ؟ هل كانت مغلقة ؟

إن التصور الكامن وراء هذه العبارة يشى بالكثير ، إذ من الواضح أن كاتب هذا الكلام المضحك يحسب أن السماء سقف معدنى ينفتح وينغلق كسقف جراج ألكترونى مثلاً .

ثم من أدرانا أن الحمامة التى رآها المسيح (لو كانت هناك حمامة فعلاً وليست من بُنَيّات خيال الكاتب) هى الروح القدس ؟

إن هناك أغنية مصرية جميلة من أغانى أواسط الخمسينات من القرن المنصرم تغنيها المطربة أحلام بصوتها الناحل الخجول تقول كلماتها : " يا حَمَام البَرّ سَقَّفْ * طِيرْ وهَفْهَفْ * حُومْ ورَفْرَفْ * على كِتْف الحُرّ وقَّفْ * والْقُطِ الغَلَّة " ،

فإذا نظرنا فى هذه الأغنية وجدنا هاهنا أيضا حماماً ينزل على كتف إنسان كما هبطت الحمامة على السيد المسيح إن صحت القصة ،

لكننا لا نستطيع أن نقول إن الحمامة هنا هى الروح القدس ، لأن الروح القدس ليس مسألة هينة يدّعيها كل من هب ودب ،

فما الدليل إذن على أن الحمامة الواردة فى القصة هى فعلا الروح القدس ؟

لقد ذكرت القصة أن ثمة حمامة نزلت على المسيح ، وهذا كل ما هنالك ،

فبأى حق يقال إنها الروح القدس ؟

إنها لم تنطق ولم تأت من التصرفات ما يمكن أن يكون أساساً لبحث هذه المسألة ، بل نزلت وحسب .

وكم من الحمام يطير وينزل على كتف الحُر وعلى رأس العبد وفى الأجران وفوق الأغصان وعلى ضفاف الأنهار وأسلاك البرق… إلخ ،

فكيف نميز بين حمامة هى روح القدس وحمامة أخرى هى روح البؤس ؟

إنه كله حمام ، والحمام أكثر من الهم على القلب ، أفكلما رأينا حمامة تهبط من الفضاء قلنا إنها الروح القدس ؟

كلا وحاشا !

ثم من الذى رأى هذه الحمامة وروى قصتها ؟

لا يمكن أن يكون هو السيد المسيح لأنه كان دائم الحرص على ألا يعرف أحد بأية آية تتحقق له ،

فمن هو إذن يا ترى ؟ وكيف عرف أن الحمامة هى الروح القدس ؟

فإذا كان الناس هم الذين رَأَوْها فهل من الممكن أن يكونوا قد رَأَوْها ثم سكتوا رغم ذلك فلم يعلقوا على هذه الحادثة العجيبة ؟

وهل كلَّ يوم ينزل الروح القدس ؟

لقد كان ينبغى أن يكون هذا الأمر حديث المدينة والقرية والنَّجْع والكَفْر والدنيا كلها !

وهذا إذا صدّقنا أولاً أن متى هو كاتب هذا الإنجيل ، وثانياً أنه أهل للتصديق ، وثالثاً أن الذى حكى له القصة صادق أيضاً ، ورابعاً أنها لا تناقض العقل والمنطق .

وأين نحن من هذا ؟

ثم هذا الصوت النازل من السماء ، من يا ترى سمعه غير المسيح ، إذ النص قد سكت عن هذا ؟

ذلك أن الناس جميعاً ، كما رأينا ، كانوا يقولون إنه ابن يوسف النجار لأن كل الظواهر والمظاهر تقول ذلك ، وهو ما شاركهم فى ترديده الكاتب عدة مرات على ما سيأتى بيانه !

وتعالَوْا نتأمل فى العبارة التالية : " هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ رَضِيتُ " : ما معناها يا ترى ؟

هل كان الله قبل ذلك غير راض عن ابنه ؟ ولماذا ؟

أم هل سبب الرضا أنه أصبح أخيراً ، وبعد طول انتظار ، أباً بعد أن كاد اليأس يستولى عليه من أن تحمل زوجته وتنجب له طفلاً بعد كل تلك الأحقاب الطويلة ؟

وهل يمكن أن يقال بعد ذلك إن عيسى (الذى هو الأقنوم الثانى ، أى الابن) هو نفسه الأقنوم الأول ، لكن من وجهٍ آخر ،

فى الوقت الذى يتحدث فيه الله (الآب ، وهو الأقنوم الأول) عنه بوصفه شخصاً ثانياً مختلفاً تمام الاختلاف ، مثلما هو نفسه الأقنوم الثالث ، لكن من وجه آخر أيضاً ، فى الوقت الذى يعمّد هو فيه الناس بالروح القدس بما يدل على أن الروح القدس شخص ثالث مختلف تمام الاختلاف ؟

والذى يغيظ أننا كلما قلنا إن دين القوم محرّف هبّوا يشتمون وينادون " ماما أمريكا " يهددوننا بها ، ولا يريدون أبداً أن يفكروا معنا ولو مرة واحدة بالعقل والمنطق !

_ الفصل الرابع :

إبليس يجرب يسوع :

" وقادَ الرٌّوحُ القُدُسُ يَسوعَ إلى البرَّيَّةِ ليُجَرَّبَهُ إِبليسُ . 2فصامَ أربعينَ يومًا وأربعينَ لَيلةً حتَّى جاعَ . 3فَدنا مِنهُ المُجَرَّبُ وقالَ لَه : " إنْ كُنْتَ اَبنَ الله ، فقُلْ لِهذِهِ الحِجارَةِ أنْ تَصيرَ خُبزًا " . 4فأجابَهُ : " يقولُ الكِتابُ: ما بِالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسانُ ، بل بكلٌ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنْ فمِ الله " .

5وأخذَهُ إبليسُ إلى المدينةِ المُقَدَّسَةِ ، فأوْقَفَهُ على شُرفَةِ الهَيكل 6وقالَ لَه : " إنْ كُنتَ اَبنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأسفَلِ، لأنَّ الكِتابَ يقولُ: يُوصي ملائِكَتَهُ بكَ ، فيَحمِلونَكَ على أيديهِم لئلاَّ تَصدِمَ رِجلُكَ بِحجرٍ " .
7فأجابَهُ يَسوعُ : " يقولُ الكِتابُ أيضًا: لا تُجرَّبِ الرَّبَّ إلهَكَ ".

8وأخَذَهُ إبليسُ إلى جبَلٍ عالٍ جدُا ، فَأراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدٌّنيا ومجدَها 9وقالَ لَه : " أُعطِيكَ هذا كلَّهُ، إنْ سجَدْتَ لي وعَبدْتَني "10فأجابَهُ يَسوعُ: "إِبتَعِدْ عنّي يا شَيطانُ! لأنَّ الكِتابَ يقولُ : للربَّ إلهِكَ تَسجُدُ، وإيّاهُ وحدَهُ تَعبُدُ" .
11ثُمَّ تَركَهُ إبليسُ ، فجاءَ بَعضُ الملائِكةِ يخدِمونَهُ .

يسوع يبشر في الجليل :

12وسَمِعَ يَسوعُ باَعتِقالِ يوحنّا ، فرجَعَ إلى الجليلِ . 13ثُمَّ ترَكَ النّاصِرةَ وسكَنَ في كَفْر َناحومَ على شاطِـىءِ بحرِ الجليلِ في بلاد زَبولونَ ونَفتالي ، 14ليَتِمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ إشَعْيا : 15"يا أرضَ زَبولونَ وأرضَ نَفتالي ، على طريقِ البحرِ ، عَبْرَ الأردنِ ، يا جليلَ الأُمَمِ ! 16الشَّعْبُ الجالِسُ في الظَّلامِ رأى نورًا ساطِعًا ، والجالِسونَ في أرضِ المَوتِ وَظِلالِهِ أشرَقَ علَيهِمِ النٌّورُ " . 17وبدأَ يَسوعُ مِنْ ذلِكَ الوقتِ يُبشَّرُ فيَقولُ : " توبوا ، لأنَّ مَلكوتَ السَّماواتِ اَقتَرَبَ ".

يسوع يدعو التلاميذ الأوّلين :

18وكانَ يَسوعُ يَمشي على شاطئِ بحرِ الجليلِ ، فرأى أخَوَينِ هُما سِمعانُ المُلقَّبُ بِبُطرُسَ وأخوهُ أندراوُسُ يُلقِيانِ الشَّبكَةَ في البحرِ ، لأنَّهُما كانا صيَّادَيْنِ . 19فقالَ لَهُما : " إتبَعاني ، أجعَلْكُما صيَّادَيْ بشرٍ " . 20فتَركا شِباكَهُما في الحالِ وتَبِعاهُ .
21وسارَ مِنْ هُناكَ فَرأى أخوَينِ آخَرينِ ، هُما يعقوبُ بنُ زَبدي وأخوهُ يوحنّا ، مَعَ أبيهِما زَبدي في قارِبٍ يُصلِحانِ شِباكَهُما ، فدَعاهُما إلَيهِ . 22فتَركا القارِبَ وأباهُما في الحالِ وتَبِعاهُ .

يسوع يعلّم ويبشّر ويشفي المرضى :

23وكانَ يَسوعُ يَسيرُ في أنحاءِ الجليلِ ، يُعلَّمُ في المجامعِ ويُعلِنُ إنجيلَ المَلكوتِ ويَشفي النّاسَ مِنْ كُلٌ مَرَضٍ وداءٍ . 24فاَنتَشرَ صيتُهُ في سوريةَ كُلَّها ، فجاؤوا إلَيهِ بِجميعِ المُصابينَ بأوجاعِ وأمراضٍ متنوَّعَةٍ : مِنْ مَصروعينَ ومُقْعَدينَ والذينَ بِهِمْ شياطينُ ، فشفاهُم . 25فتَبِعَتْهُ جموعٌ كبيرةٌ مِنَ الجليلِ والمُدُنِ العَشْرِ وأُورُشليمَ واليهوديَّةِ وعَبْرِ الأُردن "

التعليق :

_ والآن أى إله ذلك الذى يقوده إبليس ليجربه ؟

إن الإله هو الذى يجرِّب ، لكنه لا يُجرَّب !

أى إله ذلك الذى يجوع ويعطش ويحتاج من ثم إلى الطعام والشراب ؟

هذا ليس إلهاً ولا يمكن أن يكونه .

هذا مخلوقٌ فانٍ ضعيفٌ محتاجٌ إلى أن يملأ معدته بالأكل والشرب حتى يمكنه الحياة ، وإلا مات .

وأى إله أيضاً ذلك الذى يتجرأ عليه إبليس ويعرض عليه أن يسجد له ؟ لقد عَيَّلَت الألوهية تماماً !

ثم أى إله أو أى ابن إله ذلك الذى لا يعرفه أبو العفاريت ويتصرف معه على أساس أنه ليس إلا عبداً مخلوقاً يستطيع أن يخدعه ويتلاعب به ويمسكه فى قبضته أربعين يوماً ويدفعه إلى الصوم والمعاناة ، والمفروض أن أبا العفاريت يعرف الكُفْت ذاته ؟

إن الشيطان مخلوقٌ عاصٍ : نعم ، لكنه لا يمكن أن يكون جاهلاً بهذا الشكل ، فليس هذا عهدنا بأبى الأباليس ولا عشمنا فيه !

وأى إله ذلك الذى لا يستطيع أن يرى العالم وممالكه إلا إذا أراه إياها إبليس ؟

إن إبليس هو مخلوق من مخلوقات الله ، فما الذى جعل له كل هذا السلطان يا ترى على خالقه ، أو على الأقل : على ابن خالقه ؟

_ ولا تقف الطامة عند هذا الحد ، فقد عرض إبليس على ابن الله (أو قل : على الله نفسه ، فلا فرق) أن يعطيه ملك الدنيا !!

وهو ما لا معنى له إلا أن المسيح لم يكن ابن الله بحق وحقيق ، بل مجرد كلام وابن عمه حديث،

وإلا لجاء رده على الفور : ومن أنت يا صعلوك ، حتى تحشر نفسك بين الآلهة والملوك ؟ ألا تعرف من أنا ؟ قم انهض وأنت تكلمنى !

لكننا ننصت فنجد عجباً ، إذ كل ما قاله له :

" ابتعد عنى يا شيطان . مكتوب أنه للرب إلهك وحده تسجد " !

وواضح ما فى الرد من تخاذل ! والحمد لله أن الكاتب لم يجعله يبكى ويقول له : ابعد عنى ، وإلا ناديت لك ماما !

_ وفى هذا الفصل أيضاً نقرأ أن الشيطان قد اقترح عليه أن يحول الحجارة خبزاً ، لكنه رفض بحجة أنه " ما بِالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسانُ ، بل بكلٌ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنْ فمِ الله ".

فكيف يرفض عيسى أن يقوم بمعجزة هنا ، ولسوف نراه بعد ذلك يقوم بمعجزات طعامية وشرابِية فيحوّل الماء خمراً ويحوّل الكِسَر اليابسة القليلة والسمكات المعدودة إلى أرغفة وأسماك مشوية لا تُحْصَى حتى لتَأكل منها الجموع وتفيض عن حاجتها ؟

كيف نسى المسيح المبدأ الذى استند إليه فى رفض القيام بتلك المعجزة ؟

كما أن الحجة التى استند إليها السيد المسيح فى رفض عمل المعجزة هى من الضعف والتهافت بحيث لا تقنع أحداً ،

إذ لا أحد يشاحّ فى أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، لكن فى نفس الوقت لا أحد يشاح أيضاً فى أننا ، وإن لم نعش بالخبز وحده ، لا يمكننا أن نعيش بدون الخبز أيضاً , وهو ما يعنى أن هناك مكاناً هاماً للخبز فى حياتنا ، وكذلك لمثل هذه المعجزة فى منظومة الإيمان اليسوعيه ، وهو ما سنراه بعد ذلك حين يقوم يسوع بمعجزات طعاميّة وشرابيّة كما قلنا .

ثم ما الفرق بين هذه المعجزة ومعجزات الشفاء من البَرَص والخَرَس والعَمَى والمسّ والنزيف والشلل والحُمَّى ؟

إنها أيضاً يصدق عليها ما يصدق على معجزة الخبز فى أنها أيضاً ليس مما يحيا بها وحدها الإنسان .

فما العمل إذن ؟ إنها مشكلة دون شك !

_ كما أن قوله للشيطان رداً على طلبه منه السجود له : " للربّ إلهِكَ تَسجُدُ ، وإيّاهُ وحدَهُ تَعبُدُ "

لا يعنى إلا شيئاً واحداً لا غير ، ألا وهو أن العلاقة بين عيسى والله سبحانه وتعالى هى علاقة الألوهية بالعبودية لا علاقة الأبوة بالبنوة أبداً ، وإلا فلا معنى لشىء اسمه اللغة .

فلنفضَّها سيرةً ولنُلغِ اللغة فنريح ونستريح !

_ ونتابع فنقرأ : " أخذَهُ إبليسُ إلى المدينةِ المُقَدَّسَةِ ، فأوْقَفَهُ على شُرفَةِ الهَيكل 6وقالَ لَه : " إنْ كُنتَ اَبنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأسفَلِ ، لأنَّ الكِتابَ يقولُ : يُوصي ملائِكَتَهُ بكَ ، فيَحمِلونَكَ على أيديهِم لئلاَّ تَصدِمَ رِجلُكَ بِحجرٍ " .7 فأجابَهُ يَسوعُ : " يقولُ الكِتابُ أيضاً : لا تُجرَّبِ الرَّبَّ إلهَكَ " .

وهنا كذلك يقر يسوع أن العلاقة بينه وبين الله هى علاقة العبد بإلهه ، لا جدال فى ذلك !

لكن ثمة مشكلة كبيرة لا حل لها ، ألا وهى قول القصة إن إبليس أخذ المسيح وأوقفه على شرفة الهيكل… إلخ ، إذ هاهنا يثور فى التوّ سؤال يحتاج لجواب عاجل :

أين كان الناس يا ترى ، والمسيح يعتلى شرفة الهيكل ويدور بينه وبين إبليس ذلك الحوار المُسلّى ؟

من المؤكد أنه كان سيكون منظراً مثيراً يخفف من جهامة الواقع اليومى الكئيب آنذاك حيث لم يكن هناك تلفاز ولا مذياع ولا دور خيالة ولا كاتوب ولا… ولا… ،

فكيف لم نسمع بأن الناس قد اجتمعوا يشاهدون هذا المنظر الفريد ، منظر إبليس (وهل كلَّ يوم يرى الناس إبليس ؟ ) وهو يحاول إغراء يسوع بالقفز فى الهواء كالرَّجُل العنكبوت ؟

لا شك أنها كانت ستكون نمرة ساحرة من نمر السيرك الإبليسى تساوى أن يقطع الناس لها تذكرة بالشىء الفلانى !

ثم كيف يا ترى أخذه إبليس من فوق قمة الجبل إلى هناك ؟

أساقه أمامه ماشياً على قدميه أم أخذه على جناحه أم قذفه فى الهواء فانتقل فى غمضة عين من الجبل إلى شرفة الهيكل أم ماذا ؟

وأين كان الناس طوال كل ذلك الوقت ؟

وقبل ذلك كله ما الذى كان يجبر المسيح على طاعة الشيطان طول ذلك الوقت ويصبر على قلة أدبه معه إلى هذا الحد ؟

إن القصة تريد أن تقول إنه (ابليس) ، لعنه الله ، لم تكن له على عيسى عليه السلام أية سلطة . آمَنّا وصَدَّقْنا !

لكن ألا يقول المنطق إنه كان ينبغى أن يشخط فيه عيسى منذ أول لحظة شخطة عنترية تجعل رُكَبه تسيب ويتبول على نفسه ، ومن ثم لا يعطيه فرصة للتساخف كما يتساخف أوغاد المهجر ويُقِلّون أدبهم على سيد الأنبياء ،

بل يسكعه قلمين على صُدْغه تعيد له رشده المفقود وتجعله يمشى على العجين فلا يلخبطه ؟

أظن أن هذا هو ما كان ينبغى أن يكون ، فما رأيكم أنتم أيها القراء الأعزاء ؟

_ وإذا كان المسيح هو ابن الله ، والملائكة فى خدمته بهذا الاعتبار ، فلماذا لم يهتم بإنقاذ يحيى عليه السلام من المصير السئ الذى انتهى إليه ، أو على الأقل بإعادته للحياة كرة أخرى كما فعل مع أناس آخرين ؟

أيكون يحيى أرخص عنده من فلان وعلان وترتان ممن رَدَّ فيهم الروحَ بعد أن كانوا قد فارقوا الحياة ؟

لكننا ننظر فنجده عليه السلام ، حسبما كتب مؤلف الإنجيل ، ما إن يتم القبض على يحيى حتى يتحول للجليل وكأن شيئاً لم يكن !

وحين وُضِع يحيى فى السجن لم يهتم المسيح به ، اللهم إلا عندما جاءه تلاميذ يحيى وسألوه عن بعض الأمور وانصرفوا ، فعندئذ أثنى المسيح عليه وعلى إيمانه ، ثم لا شىء آخر البتة :

" 2 وسمِعَ يوحنّا وهوَ في السَّجنِ بأَعمالِ المَسيحِ  ، فأرسَلَ إلَيهِ بَعضَ تلاميذِهِ 3ليقولوا لَهُ : " هلْ أنتَ هوَ الَّذي يَجيءُ ، أو نَنتظرُ آخَرَ ؟ " 4فأجابَهُم يَسوعُ : " اَرْجِعوا وأخْبِروا يوحنّا بِما تَسمَعونَ وتَرَوْنَ : 5العميانُ يُبصرونَ ، والعُرجُ يمشونَ ، والبُرصُ يُطهَّرونَ ، والصمٌّ يَسمَعونَ ، والمَوتى يَقومونَ ، والمَساكينُ يَتلقَّونَ البِشارةَ . 6وهنيئاً لمن لا يفقُدُ إيمانَهُ بـي " .

7فلمّا اَنصَرَفَ تلاميذُ يوحنّا ، تَحدَّثَ يَسوعُ لِلجُموعِ عَنْ يوحنّا فقالَ : " ماذا خَرَجتُم إلى البرَّيَّةِ تَنظُرونَ ؟ أقَصَبةً تَهُزٌّها الرَّيحُ ؟ 8بلْ ماذا خَرَجتُم ترَوْنَ ؟ أرَجُلاً يلبَسُ الثَّيابَ النّاعِمَةَ ؟ والَّذينَ يَلبَسونَ الثَّيابَ النّاعِمَةَ هُمْ في قُصورِ المُلوكِ ! 9قولوا لي : ماذا خَرَجتُم تَنظُرونَ ؟ أنبـيُا ؟ أقولُ لكُم : نعَم ، بلْ أفضَلَ مِنْ نَبِـيٍّ . 10فهوَ الَّذي يقولُ فيهِ الكِتابُ : أنا أُرسِلُ رَسولي قُدّامَكَ ، ليُهيَّـئَ الطَّريقَ أمامَكَ . 11الحقَّ أقولُ لكُم : ما ظهَرَ في النّاسِ أعظمُ مِنْ يوحنّا المَعمدانِ ، ولكِنَّ أصغَرَ الَّذينَ في مَلكوتِ السَّماواتِ أعظمُ مِنهُ . 12فَمِنْ أيّامِ يوحنّا المَعمدانِ إلى اليومِ ، والنَّاسُ يَبذُلونَ جَهدَهُم لِدُخولِ مَلكوتِ السَّماواتِ ، والمُجاهِدونَ يَدخُلونَهُ . 13فإلى أنْ جاءَ يوحنّا كانَ هُناكَ نُبوءاتُ الأنبـياءِ وشَريعَةُ موسى . 14فإذا شِئتُم أنْ تُصَدَّقوا ، فاَعلَموا أنَّ يوحنّا هوَ إيليّا المُنتَظرُ . 15مَنْ كانَ لَه أُذُنانِ ،  فَلْيَسمَعْ ! " .

وهو ما سوف يتكرر عندما يُقْتَل يحيى (يوحنا) عليه السلام :

" 3وكانَ هيرودُسُ أمسَكَ يوحنّا وقَيَّدَهُ وسَجَنَهُ مِنْ أجلِ هيرودِيَّةَ اَمرأةِ أخيهِ فيلبٌّسَ ، 4لأنَّ يوحنّا كانَ يقولُ لَه : " لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَتَزوَّجَها " . 5وأرادَ أنْ يَقتُلَهُ ، فخافَ مِنَ الشَّعبِ لأنَّهُم كانوا يَعدٌّونَهُ نَبـيُا . 6ولمّا أقامَ هيرودُسُ ذِكرى مَولِدِهِ ، رقَصَتِ اَبنَةُ هيرودِيَّةَ في الحَفلةِ ، فأعجَبَتْ هيرودُسَ ، 7فأقسَمَ لها أنْ يُعطِيَها ما تَشاءُ . 8فلقَّنَتْها أمٌّها ، فقالَت لِهيرودُسَ : " أعطِني هُنا على طَبَقٍ رَأسَ يوحنّا المَعمدانِ  "

9فحَزِنَ المَلِكُ ، ولكنَّهُ أمَرَ بإعطائِها ما تُريدُ ، مِنْ أجلِ اليَمينِ التي حَلَفَها على مسامِـعِ الحاضرينَ . 10وأرسَلَ جُندياً ، فقَطَعَ رأسَ يوحنَّا في السَّجن 11وجاءَ بِه على طبَقٍ . وسلَّمَهُ إلى الفتاةِ، فحَمَلْتهُ إلى أُمَّها . 12وجاءَ تلاميذُ يوحنّا ، فحَمَلوا الجُثَّةَ ودَفَنوها ، ثُمَّ ذَهَبوا وأخبَروا يَسوعَ .

13فلمّا سَمِعَ يَسوعُ ، خرَجَ مِنْ هُناكَ في قارِبٍ إلى مكانٍ مُقْفِرٍ يَعتَزِلُ فيهِ . وعرَفَ النّاسُ ، فتَبِعوهُ مِنَ المُدُنِ مَشياً على الأقدامِ . 14فلمّا نزَلَ مِنَ القاربِ رأى جُموعاً كبـيرةً ، فأشفَقَ علَيهِم وشفَى مَرضاهُم . 15وفي المساءِ ، دَنا مِنهُ تلاميذُهُ وقالوا : " فاتَ الوقتُ ، وهذا المكانُ مُقفِرٌ ، فقُلْ لِلنّاسِ أنْ يَنصرِفوا إلى القُرى لِـيشتَروا لهُم طعاماً " .

16فأجابَهُم يَسوعُ : " لا داعيَ لاَنصرافِهِم. أعطوهُم أنتُم ما يأكلونَ " . 17فقالوا لَه : " ما عِندَنا هُنا غيرُ خَمسةِ أرغِفةٍ وسَمكتَينِ " . 18فقالَ يَسوعُ : " هاتوا ما عندَكُم ". 19ثُمَّ أمَرَ الجُموعَ أنْ يَقعُدوا على العُشبِ ، وأخَذَ الأرغِفَةَ " (متى/ 14) !

 أين الرحمة ؟ أين عاطفة القرابة ؟

إنه لم يذرف عليه دمعة واحدة وكأنه لم يكن هناك شخص اسمه يحيى تربطه به قرابةٌ وثيقةٌ أسريةٌ وروحيةٌ كما لم يكن بينه وبين أى شخص آخر : " وسَمِعَ يَسوعُ باَعتِقالِ يوحنّا ، فرجَعَ إلى الجليلِ " .

أولو كان يسوع ابن الله على الحقيقة أكان يمكن أن يتصرف هكذا أمام تلك المأساة الدموية التى كانت كفيلة بتحريك قلب الحجر ، وكأنه كان بلا قلب ؟

إن هذا لو وقع من بشر يستطيع أن يبادر لإنقاذ يحيى ثم لم يفعل لكانت سبة الدهر وفضيحة الأبد ، فما بالنا بابن الله ؟

أيعقل أن يهتم بتوفير الطعام لبعض الناس ولا يهتم بإنقاذ قريبه هذا الذى كان نبياً مثله والذى بشر به ومهد له الطريق وعمّده ليكمل بِرّه ؟

ولنلاحظ أن المعجزات التى عملها هنا إنما هى المعجزات التى رفض عملها من قبل بالحجة التى ذكرناها ووجدنا أنها ليست بحجة على الإطلاق !

إن هذا وغيره من الأسباب لدليل على أن فى الأمر خللاً ، ونحن نستبعد أن يكون المسيح على ذلك النحو من تبلد الإحساس وموتان القلب واللامبالاة بموت قريبه وصديقه وصاحب الفضل عليه فى المعمودية ورصيفه بل رائده فى النبوة ، ونقول إنه بالأحرى العبث بالإنجيل .

إن الإنجيل الذى نؤمن نحن المسلمين به والذى يغالط المبشرون الكذابون فيحاولون أن يوهموا الأغرار منا قائلين لهم إن المسلم لا يكمل إيمانه إلا بالإيمان بالأناجيل الحالية ، هذا الإنجيل لا علاقة له بالأناجيل التى بين أيدينا الآن .

إن الأناجيل التى بين أيدينا شىء ، والإنجيل الذى نزل على عيسى عليه السلام شىء آخر .

الإنجيل السماوى ضاع ، وإن كنا نرجّح أن يكون قد بَقِىَ منه بعض العبارات التى تُنْسَب للمسيح فى الأناجيل الحالية ،

أما ما نقرؤه الآن فهو مجموعة من السِّيَر العيسوية تشبه السِّيَر النبوية لدينا ، وإن لم تقم على نفس الأساس الذى تقوم عليه سِيَر الرسول عليه الصلاة والسلام من الرغبة على الأقل فى التمحيص وإعلان أسماء الرواة حتى يكون لدى من يهمه الأمر الفرصة للتحقق بنفسه من مدى مصداقية هذه الروايات ؟

وكيلا يمارى القوم مراءهم المشهور فيقولوا إنه لم يكن هناك إلا هذه الأناجيل التى بين أيدينا , أنبه القراء إلى قول الكاتب ذاته لا قولى أنا :

"وكانَ يَسوعُ يَسيرُ في أنحاءِ الجليلِ ، يُعلَّمُ في المجامعِ ويُعلِنُ إنجيلَ المَلكوتِ " .

فأين ذلك الإنجيل الذى كان يعلنه عيسى عليه السلام ويعلمه للناس ؟!

_ الفصل الخامس :

الموعظة على الجبل :

" فلمّا رأى يَسوعُ الجُموعَ صَعِدَ إلى الجبَلِ وجلَسَ . فَدنا إلَيهِ تلاميذُهُ ، 2فأخَذَ يُعلَّمُهُم قالَ : " 3 هنيئاً للمساكينِ في الرٌّوحِ ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ . 4هنيئًا للمَحزونينَ ، لأنَّهُم يُعزَّونَ . 5هنيئًا للوُدَعاءِ ، لأنَّهُم يَرِثونَ الأرضَ . 6هنيئاً للجِياعِ والعِطاشِ إلى الحقَّ ، لأنَّهُم يُشبَعونَ . 7هنيئاً للرُحَماءِ ، لأنَّهُم يُرحمونَ . 8هنيئاً لأنقياءِ القُلوبِ ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ الله . 9هنيئاً لِصانِعي السَّلامِ ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ . 10هنيئاً للمُضطَهَدينَ مِنْ أجلِ الحقَّ ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ . 11هنيئاً لكُم إذا عَيَّروكُم واَضطَهَدوكُم وقالوا علَيكُمْ كَذِبًا كُلَ كَلِمةِ سوءٍ مِنْ أجلي . 12اَفرَحوا واَبتَهِجوا ، لأنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عظيمٌ . هكذا اَضطَهَدوا الأنبياءَ قبلَكُم .

الملح والنور :

13" أنتُم مِلحُ الأرضِ ، فإذا فسَدَ المِلحُ ، فَماذا يُمَلَّحُهُ ؟ لا يَصلُحُ إلاَّ لأَنْ يُرمَى في الخارِجِ فيدوسَهُ النَّاسُ .
14أنتُم نورُ العالَمِ . لا تَخفَى مدينةٌ على جبَلٍ ، 15ولا يُوقَدُ سِراجٌ ويوضَعُ تَحتَ المِكيالِ ، ولكِنْ على مكانٍ مُرتَفِـعِ حتَّى يُضيءَ لِجميعِ الَّذينَ هُمْ في البَيتِ . 16فلْيُضِىءْ نورُكُم هكذا قُدّامَ النّاسِ ليُشاهِدوا أعمالَكُمُ الصّالِحةَ ويُمَجَّدوا أباكُمُ الذي في السَّماواتِ .

الشريعة :

17 " لا تَظُنّوا أنّي جِئتُ لأُبطِلَ الشَّريعَةَ وتَعاليمَ الأنبياءِ : ما جِئتُ لأُبطِلَ ، بل لأُكمَّلَ . 18الحقَّ أقولُ لكُم : إلى أنْ تَزولَ السَّماءُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ مِنَ الشَّريعةِ حتى يتِمَّ كُلُّ شيءٍ . 19فمَنْ خالفَ وَصيَّةً مِنْ أصغَرِ هذِهِ الوصايا وعلَّمَ النَّاسَ أنْ يَعمَلوا مِثلَهُ ، عُدَّ صغيرًا في مَلكوتِ السَّماواتِ . وأمَّا مَنْ عَمِلَ بِها وعَلَّمَها ، فهوَ يُعَدٌّ عظيمًا في مَلكوتِ السَّماواتِ . 20أقولُ لكُم : إنْ كانَت تَقواكُم لا تَفوقُ تَقْوى مُعَلَّمي الشريعةِ والفَرَّيسيَّينَ ، لن تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماواتِ .

الغضب :

21" سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ لآبائِكُم : لا تَقتُلْ ، فمَنْ يَقتُلْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ القاضي . 22أمّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ غَضِبَ على أخيهِ اَستَوجَبَ حُكمَ القاضي ، ومَنْ قالَ لأخيهِ : يا جاهلُ اَستوجبَ حُكمَ المجلِسِ ، ومَنْ قالَ لَه : يا أحمقُ اَستوجَبَ نارَ جَهَنَّمَ .
23وإذا كُنتَ تُقَدَّمُ قُربانَكَ إلى المَذبَحِ وتذكَّرتَ هُناكَ أنَّ لأخيكَ شيئاً عليكَ ،  24فاَترُكْ قُربانَكَ عِندَ المَذبَحِ هُناكَ ، واَذهَبْ أوَّلاً وصالِـحْ أخاكَ ، ثُمَّ تَعالَ وقَدَّم قُربانَكَ . 25وإذا خاصَمَكَ أحَدٌ، فسارِعْ إلى إرْضائِهِ ما دُمْتَ معَهُ في الطَّريقِ ، لِئلاّ يُسَلَّمَك الخَصمُ إلى القاضي ، والقاضي إلى الشٌّرطي ، فَتُلقى في السَّجنِ . 26الحقَّ أقولُ لكَ: لن تخرُجَ مِنْ هُناكَ حتَّى تُوفيَ آخِرَ دِرهَمِ .

الزنى :

27 "وسمِعتُمْ أنَّـهُ قيلَ : لا تَزنِ . 28أمَّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ نظَرَ إلى اَمرأةٍ لِيَشتَهيَها ، زَنى بِها في قلبِهِ . 29فإذا جَعَلَتْكَ عَينُك اليُمنَى تَخْطَأ ، فاَقلَعْها وألْقِها عَنكَ ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَفقِدَ عُضوًا مِنْ أعضائِكَ ولا يُلقَى جَسدُكَ كُلٌّهُ في جَهَنَّمَ . 30وإذا جَعَلَتْكَ يدُكَ اليُمنَى تَخطأُ ، فاَقطَعْها وألْقِها عنكَ ، لأنَّهُ  خَيرٌ لكَ أنْ تَفقِدَ عُضوًا مِنْ أعضائِكَ ولا يذهَبُ جسَدُكَ كُلٌّه إلى جَهَنَّمَ .

الطلاق :

31"وقِيلَ أيضًا : مَنْ طَلَّقَ اَمرأتَهُ ، فلْيُعطِها كِتابَ طَلاقٍ . 32أمّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ إلاَّ في حالَةِ الزَّنَى يجعلُها تَزْني ،  ومَنْ تَزوَّجَ مُطلَّقةً زنَى .

حلف اليمين :

33 " وسَمِعْتُمْ أنَّهُ قيلَ لآبائِكُم : لا تحلِفْ ، بل أَوفِ للرَّبَّ نُذورَكَ. 34أمَّا أنا فأقولُ لكُم : لا تَحلِفوا مُطلَقاً ، لا بالسَّماءِ لأنَّها عرشُ الله ، 35ولا بالأرضِ لأنَّها مَوطِـىءُ قدَمَيْهِ ، ولا بأُورُشليمَ لأنَّها مدينةُ المَلِكِ العظيمِ . 36ولا تحلِفْ برَأْسِكَ ، لأنَّكَ لا تَقدِرُ أنْ تَجعلَ شَعْرةً واحدةً مِنهُ بيضاءَ أو سوداءَ . 37فليكُنْ كلامُكُم : " نَعَمْ " أو " لا " ، وما زادَ على ذلِكَ فهوَ مِنَ الشَّرَّيرِ .

الانتقام :

38"سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ : عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ . 39أمّا أنا فأقولُ لكُم : لا تُقاوِموا مَنْ يُسيءُ إلَيكُم . مَنْ لطَمَكَ على خَدَّكَ الأيْمنِ ، فحَوِّلْ لَه الآخَرَ . 40ومَنْ أرادَ أنْ يُخاصِمَكَ ليأخُذَ ثَوبَكَ ، فاَتْرُكْ لَه رِداءَكَ أيضًا . 41ومَنْ سَخَّرَكَ أنْ تَمشيَ معَهُ مِيلا واحدًا ، فاَمشِ معَهُ مِيلَيْن . 42مَنْ طَلَبَ مِنكَ شيئًا فأَعطهِ ، ومَنْ أرادَ أَنْ يَستعيرَ مِنكَ شيئًا فلا ترُدَّهُ خائِبًا .

محبة الأعداء :

43 " سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ : أحِبَّ قريبَكَ وأبغِضْ عَدُوَّكَ . 44أمّا أنا فأقولُ لكُم : أحِبّوا أَعداءَكُم ، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم ، 45فتكونوا أبناءَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ . فهوَ يُطلِـعُ شَمْسَهُ على الأشرارِ والصّالحينَ ، ويُمطِرُ على الأبرارِ والظّالمينَ . 46فإنْ كُنتُم تُحِبّونَ الَّذينَ يُحبّونكُم ، فأيٌّ أجرٍ لكم ؟ أما يعمَلُ جُباةُ الضّرائِب هذا ؟ 47وإنْ كنتُم لا تُسلَّمونَ إلاّ على إخوَتِكُم ، فماذا عمِلتُم أكثرَ مِنْ غَيرِكُم ؟ أما يعمَلُ الوَثَنيّونَ هذا ؟ 48فكونوا أنتُم كاملينَ ، كما أنَّ أباكُمُ السَّماويَّ كامِلٌ " .

التعليق :

_ لا شك على الإطلاق فى حلاوة الكلام تحت العنوان الأول والثانى وعظمته ، وهو جدير فعلاً بأن يكون صادراً عن السيد المسيح ، إن لم يكن بالفعل فبالقوة والشَّبَه .

كما أرجو أن يتنبه القارئ لتكرار الإشارة فى كلام السيد المسيح عليه السلام إلى الأنبياء ، بما يدل على أننا هنا بإزاء واحد منهم : نبى من أنبياء الله لا ابن من أبنائه ! تعالى الله عن ذلك الشرك !

لكن الوضع يختلف مع بدء الكلام عن الشريعة . لماذا ؟ لأن كاتب السِّفْر (منه لله!) ينسب للسيد المسيح عليه السلام كلاماً ، ليجعله عقب ذلك أول ناقض له .

خذ مثلاً قوله :

" لا تَظُنّوا أنّي جِئتُ لأُبطِلَ الشَّريعَةَ وتَعاليمَ الأنبياءِ : ما جِئتُ لأُبطِلَ ،  بل لأُكمَّلَ . 18الحقَّ أقولُ لكُم : إلى أنْ تَزولَ السَّماءُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ مِنَ الشَّريعةِ حتى يتِمَّ كُلُّ شيءٍ . 19فمَنْ خالفَ وَصيَّةً مِنْ أصغَرِ هذِهِ الوصايا وعلَّمَ النَّاسَ أنْ يَعمَلوا مِثلَهُ ، عُدَّ صغيراً في مَلكوتِ السَّماواتِ . وأمَّا مَنْ عَمِلَ بِها وعَلَّمَها ، فهوَ يُعَدٌّ عظيماً في مَلكوتِ السَّماواتِ " .

فمن يقرأ هذا الكلام سوف يتوهم أنه عليه السلام لم يغير شيئاً أى شىء فى الشريعة التى جاء بها موسى ، لكنه ما إن يمضى فى القراءة بضع كلمات حتى تتبين له الحقيقة المرة :

" سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ لآبائِكُم : لا تَقتُلْ ، فمَنْ يَقتُلْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ القاضي . 22أمّا أنا فأقولُ لكُم: مَنْ غَضِبَ على أخيهِ اَستَوجَبَ حُكمَ القاضي ، ومَنْ قالَ لأخيهِ : يا جاهلُ اَستوجبَ حُكمَ المجلِسِ ، ومَنْ قالَ لَه : يا أحمقُ اَستوجَبَ نارَ جَهَنَّمَ …

وسمِعتُمْ أنَّـهُ قيلَ : لا تَزنِ. 28أمَّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ نظَرَ إلى اَمرأةٍ لِيَشتَهيَها ، زَنى بِها في قلبِهِ . 29فإذا جَعَلَتْكَ عَينُك اليُمنَى تَخْطَأ ، فاَقلَعْها وألْقِها عَنكَ ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَفقِدَ عُضوًا مِنْ أعضائِكَ ولا يُلقَى جَسدُكَ كُلٌّهُ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ أيضاً : مَنْ طَلَّقَ اَمرأتَهُ ، فلْيُعطِها كِتابَ طَلاقٍ .

32أمّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ إلاَّ في حالَةِ الزَّنَى يجعلُها تَزْني ، ومَنْ تَزوَّجَ مُطلَّقةً زنَى . وسَمِعْتُمْ أنَّهُ قيلَ لآبائِكُم : لا تحلِفْ ، بل أَوفِ للرَّبَّ نُذورَكَ . 34أمَّا أنا فأقولُ لكُم : لا تَحلِفوا مُطلَقاً ، لا بالسَّماءِ لأنَّها عرشُ الله ، 35 ولا بالأرضِ لأنَّها مَوطِـىءُ قدَمَيْهِ ، ولا بأُورُشليمَ لأنَّها مدينةُ المَلِكِ العظيمِ . 36ولا تحلِفْ برَأْسِكَ ، لأنَّكَ لا تَقدِرُ أنْ تَجعلَ شَعْرةً واحدةً مِنهُ بيضاءَ أو سوداءَ . 37فليكُنْ كلامُكُم : " نَعَمْ " أو " لا "، وما زادَ على ذلِكَ فهوَ مِنَ الشَّرَّيرِ . سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ : عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ . 39أمّا أنا فأقولُ لكُم : لا تُقاوِموا مَنْ يُسيءُ إلَيكُم . مَنْ لطَمَكَ على خَدَّكَ الأيْمنِ ، فحَوِّلْ لَه الآخَرَ " .

والآن أليس هذا هو نقض الشريعة بقضه وقضيضه ؟ أليس قد قال شيئاً ثم عمل عكسه تماماً ؟

أما نحن المسلمين فنبرئ المسيح من مثل هذا السلوك ، إذ لا يعقل أن يقول نبى من أنبياء الله الكرام شيئاً ويكون هو أول من ينقضه !

وهذا هو النسخ ، الذى يأخذه أوغاد المهجر على الإسلام ، لكن نسخ الإسلام هو نسخ التدرج ، أما هنا فالنسخ يتخذ صورة الهدم والمحو الفجائى دون تمهيد ولا تنبيه ، كما أنه يتسم بالكذب والخداع ، أو بالهوائية على الأقل !

ثم جاء بولس فأجهز على القليل الباقى فلم يعد للشريعة بعدها من أثر ،

ومع ذلك يظلون يرددون فى سماجة لا نظير لها أن الإسلام هو وحده الدين الذى يقوم على الناسخ والمنسوخ ، وأنه عيب لا يليق بدين من الأديان السماوية !!

اللهم إلا إذا كان قصدهم أن دينهم ، لكونه ليس من لدن رب العالمين ، فإنه لا يعيبه أن يكون فيه ناسخ ومنسوخ ، ولا أن يكون الناسخ والمنسوخ فيه قائماً على الكذب والهوائية !

أما إذا كان الأمر هو ذاك فليس لدىّ حينئذ أدنى اعتراض ، لأن هذا هو رأيى فعلاً !

_ كذلك لست أظن إلا أن القارئ قد لاحظ باستغراب الوصايا المثالية المتشنجة التى تضمنتها تلك الموعظة والتى لا تناسب الحياة البشرية على الإطلاق ،

إذ إننا لا نعيش فى مجتمع من مجتمعات الملائكة رغم تطلعنا إلى الكمال والسكينة والعدل والتراحم والتسامح ، بل فى مجتمع بشرى تحركه الغرائز والشهوات ، وتتحكم فى تصرفات أفراده ألوان من الضعف والعجز والخوف والشك والقلق والتطلع والطمع… إلخ ،

وهو ما لا يناسبه بحالٍ تلك النبرة المتشنجة التى لا يمكن أحدا الوفاء بها ولا المسيح نفسه :

فهو مثلا قد نهى عن شتم الآخرين ولو بكلمة "يا أحمق" وجعل عقابها عند الله كبيراً ، ومع ذلك فما أكثر المرات التى كال فيها يسوع نفسه السباب لليهود من فريسيين وصدوقيين وكهنة ، وكذلك لتلاميذه الحواريين ، وأَسْمَعَ المدنَ التى لم تُصِخْ له قارص القول :

  " وأخَذَ يَسوعُ يُؤَنَّبُ المُدُنَ التي أجرى فيها أكثرَ مُعجزاتِهِ وما تابَ أهلُها ، 21فقالَ : " الويلُ لكِ يا كورَزينَ ! الويلُ لكِ يا بـيتَ صيدا ! فلو كانتِ المُعجزاتُ التي جرَتْ فيكما جرَتْ في صورَ وصيدا ، لتابَ أهلُها من زمنٍ بعيدٍ ولبِسوا المسوحَ وقعَدوا على الرمادِ . 22لكنّي أقولُ لكم : سيكونُ مصيرُ صورَ وصيدا يومَ الحِسابِ أكثرَ اَحتمالاً من مصيرِكُما .

23وأنتِ يا كَفْرَ ناحومُ ! أتَرتَفعينَ إلى السَّماءِ ؟ لا ، إلى الجَحيمِ سَتهبُطينَ . فَلو جرَى في سَدومَ ما جرَى فيكِ مِنَ المُعجِزاتِ ، لبَقِـيَتْ إلى اليومِ . 24لكنّي أقولُ لكُم : سيكونُ مصيرُ سدومَ يومَ الحِسابِ أكثرَ اَحتِمالاً مِنْ مَصيرِكِ " (متى/ 11) .

وإن الإنسان ليتساءل : أهذا هو عيسى الذى تُضْرَب به الأمثال فى الوداعة والطيبة وحب السلام ؟

فما بالنا لو عرفنا بم رد على أحدهم حين أخبره أن أمه وإخوته يريدون أنيروه بالخارج ؟ وما الذى قاله فى تلك الأم وأولئك الإخوة ؟

أو لو عرفنا ما الذى قاله عندما ظن الناس أنه قد أتى بدعوة السلم والسكينة فأكد لهم أنه لم يأت ليلقى سلاماً على الأرض بل ناراً وسيفاً وأنه إنما جاء ليفرّق بين أفراد الأسرة الواحدة ويبث بينهم العداوة والبغضاء؟!

لا ليس هذا هو عيسى الذى عمل القوم على تسويقه رغم أن الصورة التى ترسمها له أناجيلهم المؤلفة تختلف عن ذلك اختلافاً بعيداً لا يمكن معه التوفيق بين الأصل والصورة !

_ الفصل السادس :

الصدقة :

" إيَّاكُمْ أنْ تعمَلوا الخَيرَ أمامَ النَّاسِ ليُشاهِدوكُم ، وإلاَّ فلا أجرَ لكُم عِندَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ .
2فإذا أحسَنْتَ إلى أحدٍ ، فلا تُطَبَّلْ ولا تُزمَّرْ مِثلَما يَعمَلُ المُراؤونَ في المجامعِ والشوارعِ حتى يَمدَحَهُمُ النَّاسُ . الحقَّ أقولُ لكُم : هؤلاءِ أخَذوا أجرَهُم . 3أمَّا أنتَ ، فإذا أحسنتَ إلى أحدٍ فلا تَجْعَلْ شِمالَكَ تَعرِفُ ما تعمَلُ يمينُكَ ، 4حتى يكونَ إحسانُكَ في الخِفْيَةِ ، وأبوكَ الذي يرى في الخِفيَةِ هوَ يُكافِئُكَ

الصلاة والصوم :

5" وإذا صَلَّيتُمْ، فلا تكونوا مِثلَ المُرائينَ ، يُحِبٌّونَ الصَّلاةَ قائِمينَ في المَجامِـعِ ومَفارِقِ الطٌّرُقِ ليُشاهِدَهُمُ النَّاسُ . الحقَّ أقولُ لكُم : هؤُلاءِ أخذوا أجرَهُم . 6أمَّا أنتَ ، فإذا صَلَّيتَ فاَدخُلْ غُرفَتَكَ وأغلِقْ بابَها وصَلٌ لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ، وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ .
7ولا تُرَدَّدوا الكلامَ تَردادًا في صَلواتِكُم مِثْلَ الوَثنيّينَ ، يَظُنٌّونَ أنَّ الله يَستَجيبُ لهُم لِكَثرةِ كلامِهِم . 8لا تكونوا مِثلَهُم ، لأنَّ الله أباكُم يَعرِفُ ما تَحتاجونَ إلَيهِ قَبلَ أنْ تسألوهُ . 9فصلّوا أنتُم هذِهِ الصَّلاةَ : أبانا الَّذي في السَّماواتِ ، ليتَقدَّسِ اَسمُكَ 10ليأتِ مَلكوتُكَ لتكُنْ مشيئتُكَ في الأرضِ كما في السَّماءِ . 11أعطِنا خُبزَنا اليَوميَّ ، 12واَغفِرْ لنا ذُنوبَنا كما غَفَرنا نَحنُ لِلمُذنِبينَ إلَينا ، 13ولا تُدخِلْنا في التَّجرِبَةِ ، لكنْ نجَّنا مِنَ الشَّرَّيرِ . 14فإنْ كُنتُم تَغفِرونَ لِلنّاسِ زَلاّتِهِم، يَغفِرْ لكُم أبوكُمُ السَّماويٌّ زلاّتِكُم . 15وإنْ كُنتُم لا تَغفِرونَ لِلنّاسِ زلاّتِهِم ، لا يَغفِرُ لكُم أبوكُمُ السَّماويٌّ زلاّتِكُم .

16وإذا صُمْتمُ ، فلا تكونوا عابِسينَ مِثلَ المُرائينَ ، يَجعلونَ وجوهَهُم كالِحَةً ليُظهِروا لِلنّاسِ أنَّهُم صائِمونَ . الحقَ أقولُ لكُم : هؤُلاءِ أخذوا أجرَهُم . 17أمّا أنتَ ، فإذا صُمتَ فاَغسِلْ وجهَكَ واَدهَنْ شَعرَكَ ، 18حتَّى لا يَظهَرَ لِلنّاسِ أنَّكَ صائِمٌ ، بل لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ ، وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ .

الغنى :

19 " لا تَجمَعوا لكُمْ كُنوزاً على الأرضِ ، حَيثُ يُفسِدُ السٌّوسُ والصَّدَأُ كُلَ شيءٍ ، وينقُبُ اللٌّصوصُ ويَسرِقونَ . 20بلِ اَجمَعوا لكُم كُنوزاً في السَّماءِ ، حَيثُ لا يُفْسِدُ السٌّوسُ والصَّدأُ أيَّ شيءٍ ، ولا ينقُبُ اللٌّصوصُ ولا يَسرِقونَ . 21فحَيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قَلبُكَ .

نور الجسد :

22"سِراجُ الجسدِ هوَ العَينُ . فإنْ كانَت عَينُكَ سَليمَةً ، كانَ جسَدُكَ كُلٌّهُ مُنيرًا . 23وإنْ كانَت عَينُكَ مَريضَةً ، كانَ جسَدُكَ كُلٌّهُ مُظلِماً . فإذا كانَ النٌّورُ الَّذي فيكَ ظَلاماً ، فيا لَه مِنْ ظلامِ !

الله والمال :

24" لا يَقدِرُ أحَدٌ أنْ يَخدُمَ سَيَّدَينِ ، لأنَّهُ إمّا أنْ يُبغِضَ أحدَهُما ويُحبَّ الآخَرَ ، وإمّا أنْ يَتبعَ أحدَهُما ويَنبُذَ الآخَرَ . فأنتُم لا تَقدِرونَ أنْ تخدُموا الله والمالَ .
25لذلِكَ أقولُ لكُم : لا يَهُمَّكُم لحياتِكُم ما تأكُلونَ وما تشرَبونَ ، ولا لِلجسدِ ما تَلبَسونَ . أما الحَياةُ خَيرٌ مِنَ الطَّعامِ ، والجسدُ خَيرٌ مِنَ اللَّباسِ ? 26أنظُروا طُيورَ السَّماءِ كيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَخزُنُ، وأبوكُمُ السَّماويٌّ يَرزُقُها . أما أنتُم أفضلُ مِنها كثيراً ؟ 27ومَنْ مِنكُمْ إذا اَهتَمَّ يَقدِرُ أنْ يَزيدَ على قامَتِهِ ذِراعاً واحدةً ؟

28ولِماذا يَهمٌّكُمُ اللَّباسُ ؟ تأمَّلوا زَنابقَ الحَقلِ كيفَ تَنمو : لا تَغزِلُ ولا تَتعَبُ . 29أقولُ لكُم : ولا سُليمانُ في كُلٌ مَجدهِ لبِسَ مِثلَ واحدَةٍ مِنها . 30فإذا كانَ الله هكذا يُلبِسُ عُشبَ الحَقلِ ، وهوَ يوجَدُ اليومَ ويُرمى غَدًا في التَّــنّورِ ، فكَمْ أنتُم أولى مِنهُ بأنْ يُلبِسَكُم ، يا قليلي الإيمانِ ؟ 31لذلِكَ لا تَهتمّوا فتقولوا : ماذا نأكُلُ ؟ وماذا نشرَبُ ؟ وماذا نَلبَسُ ؟ 32فهذا يطلُبُه الوَثنيّونَ . وأبوكُمُ السَّماويٌّ يعرِفُ أنَّكُم تَحتاجونَ إلى هذا كُلَّهِ . 33فاَطلبوا أوَّلاً مَلكوتَ الله ومشيئَتَهُ ، فيزيدَكُمُ الله هذا كُلَّه . 34لا يَهُمَّكُم أمرُ الغدِ ، فالغدُ يَهتمٌّ بنفسِهِ . ولِكُلٌ يومِ مِنَ المتاعِبِ ما يكْفيهِ " .

التعليق :

_ فأما الكلام عن الصدقة وأفضلية إخراجها خفيةً فكلام رائع لا يصدر إلا عن نفس نبيلة ، وإن لم يمنع هذا من إخراج المال علانية إذا اقتضى المقام ذلك : كأن يريد المتصدق أن يَجُبّ الغِيبة عن نفسه حتى لا يظن الظانون أنه لا يخرج صدقة ماله ، أو أن يريد تشجيع البخلاء والمترددين فيخرج الصدقة أمامهم فيقلدوه ويتشجعوا على عمل الخير … وهلم جرا .

والعبرة فى كل حال بالنية والضمير ، ومن هنا سمعنا المسيح يقول :

" إيَّاكُمْ أنْ تعمَلوا الخَيرَ أمامَ النَّاسِ ليُشاهِدوكُم " ،

أما إذا لم تكن الرغبة فى لفت أنظار الناس فى الخاطر ولا النية فلا بأس بإظهار الصدقات ، وإن كان الإخفاء أفضل بوجه عام .

وما يصدق على الصدقة يصدق على الصلاة والصوم إذا كانت النية وراء تلك العبادتين هى المراءاة والسمعة ، وإلا فهما عبادتان جماعيتان لا فضل لأحد على غيره فى أدائهما ، اللهم إلا إذا تحولتا إلى تجارة وخداع .

ولنلاحظ كيف أن المسيح ، إذا كان هو قائل هذا الكلام فعلاً ، قد سمى الله بقوله لمن يخاطبهم : " أبوك " ، " أبوكم الذى فى السماوات " !! ،

وهو ما من شأنه أن يؤكد ما قلناه فيما مرّ من أن هذا التعبير وأمثاله إنما هو تعبير رمزى أو مجازى ، ولا يمكن ولا يصح أن يؤخذ على حرفيته !

_ وأما قوله عن الغِنَى :

" 19لا تَجمَعوا لكُمْ كُنوزاً على الأرضِ ، حَيثُ يُفسِدُ السٌّوسُ والصَّدَأُ كُلَ شيءٍ ، وينقُبُ اللٌّصوصُ ويَسرِقونَ . 20بلِ اَجمَعوا لكُم كُنوزاً في السَّماءِ ، حَيثُ لا يُفْسِدُ السٌّوسُ والصَّدأُ أيَّ شيءٍ ، ولا ينقُبُ اللٌّصوصُ ولا يَسرِقونَ . 21فحَيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قَلبُكَ "

فبحاجة إلى تعديل ،

إذ ليس المال ولا الغنى سيئاً فى ذاته ، بل فى الحالات التى يتحول فيها إلى سُعَار وجَمْع للثروات لا لشىء سوى الكنز فى حد ذاته بحيث تفقد النفس إنسانيتها ونقاءها ولا تعود تشعر بالفقراء وذوى الحاجة الضعفاء ولا تعمل لهم حساباً ،

وإلا فالمال عصب مهم من أعصاب الحياة ، ولولا هو ما استطاع الناس العيش ولا الحصول على حاجاتهم ، إذ هو ترجمة لجهدهم وعملهم وكدّهم وتحويل لها إلى دراهم ودنانير .

إن الحياة ومتعها هى نعمة من نعم الله سبحانه ، ولا يعقل أن يدير العاقل ظهره لنعم الله ، على الأقل لأن ذلك باب من أبواب الجلافة ، ولا أظننى أغالى إذا قلت إنه قد يكون دليلاً على قلة الإيمان .

لقد خلق الله لنا أجساداً ونفوساً تتطلع وتتشهى ، ولا عيب فى التطلع والتشهى فى نفسه ، إنما العيب كل العيب فى الأنانية والتمركز حول الذات ، وكذلك فى اللهفة والجزع والسخط إذا فات الشخصَ حظه من تلك المتع !

ترى ما الإثم فى الطعام الطيب أو الشراب اللذيذ أو العطر الزكىّ أو الملبس الأنيق أو البيت الرحيب النظيف الجميل ؟

أمن المعقول أن يكون حرص الإنسان على المأكل والمشرب الردىء والرائحة المنتنة والمسكن الضيق القبيح المنفّر والملبس الزَّرِىّ هو الدليل على صدق الإيمان والرغبة فى شكر الله ؟

ترى ما يفعل الله بعذابنا إن شَكرنا وآمنّا ؟

ولمن خلق الله الدنيا وأطايبها ولذاتها إذا عملنا نحن على حرمان أنفسنا منها ؟

المهم ألا تشغلنا هذه الدنيا عن كنوز السماء التى تبقى بعد فناء هذه اللذائذ والأطايب الدُنيوية ، وإلا فما الذى يعود على الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه ؟

الواقع أنه لا تعارض بالضرورة بين الأمرين ، وإلا فكنز السماء مقدم على كل كنوز الأرض فى حالة التعارض ما لم تكن هناك ضرورة قاهرة ، فعندئذ فالرجاء أن يغفر الله بفضله وكرمه ذنوبنا ويَجْبُر نقصنا ويعفو عن كثير ، فهو الكريم الودود اللطيف الرحيم غافر الذنب وقابل التَّوب !

_ أما ما جاء فى هذه الموعظة من أنه " لا يَقدِرُ أحَدٌ أنْ يَخدُمَ سَيَّدَينِ ، لأنَّهُ إمّا أنْ يُبغِضَ أحدَهُما ويُحبَّ الآخَرَ ، وإمّا أنْ يَتبعَ أحدَهُما ويَنبُذَ الآخَرَ . فأنتُم لا تَقدِرونَ أنْ تخدُموا الله والمالَ "

فليس على إطلاقه ،

إذ الواحد يستطيع أن يكسب المال ويستعمله فى إنجاز حاجاته وإشباع تطلعاته ، وفى ذات الوقت يؤدى واجب الشكر لله ويعطى الفقراء حقوقهم فيه ، فينال الخيرين جميعاً : خير الدنيا ، وخير الآخرة ، فهو يعبد الله من خلال شكره سبحانه على ما أغدق عليه من مال .

وصدق الله العظيم إذ يقول :

" ومن الناس من يقول : ربَّنا ، آتنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة ، وقِنَا عَذَاب النار* أولئك لهم نصيب مما كسبوا ، والله سريع الحساب " ،

وصدق رسوله الكريم حين يعلمنا قائلاً : " نِعْمَ المالُ الصالحُ للعبد الصالح " ،

اللهم إلا إذا كان المسيح قد قصد قصداً الحَدَّ من جشع اليهود الإجرامى وعبادتهم المتوحشة للدرهم والدينار ، واليورو والدولار .

_ على أن من الأقوال المنسوبة للسيد المسيح ما لا يمكن الموافقة عليه البتة لأنه يقود إلى العدم . ومنه قوله :

" 25 لذلِكَ أقولُ لكُم : لا يَهُمَّكُم لحياتِكُم ما تأكُلونَ وما تشرَبونَ ، ولا لِلجسدِ ما تَلبَسونَ . أما الحَياةُ خَيرٌ مِنَ الطَّعامِ ، والجسدُ خَيرٌ مِنَ اللَّباسِ ? 26أنظُروا طُيورَ السَّماءِ كيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَخزُنُ ، وأبوكُمُ السَّماويٌّ يَرزُقُها . أما أنتُم أفضلُ مِنها كثيراً ؟ 27ومَنْ مِنكُمْ إذا اَهتَمَّ يَقدِرُ أنْ يَزيدَ على قامَتِهِ ذِراعًا واحدةً ؟ " !

إن الجسد يشكل جانباً من وجودنا ، ولا يمكن من ثم تجاهله وإهمال مطالبه . ترى كيف يستطيع الإنسان ألا يهتم بما يأكل أو يشرب أو يلبس ؟

كما أن القياس على حياة الطيور هو قياس خاطئ تماماً : فالطيور إنما تعيش بغرائزها ولا تفكر فى بناء حضارة ، وليس لها ثقافة ، ولا يعترى حياتها أى تطوير ،

أما نحن فلا نستطيع أن نعيش حياة الفطرة التى تحياها الطيور ، وإلا فكيف نأكل ونشرب ونلبس ونسكن ؟

إن الديدان والحَبّ مثلاً متوفران فى الطبيعة بكميات تفوق حاجة الطيور ، ومن ثم فلا مشكلة فى الحصول عليها ، كما أنه لا مانع يمنعها من الحصول من ذلك على ما تريد ، أما نحن فليس هناك وفرة فى الطبيعة فيما نحتاجه ، بل لا بد من العمل والإنتاج والإبداع والتنظيم والإدارة والتخطيط… إلخ .

ولو تركنا أنفسنا مثلاً دون ملابس ولم نهتم بنظافتنا أو زينتنا كما تفعل الطيور لمتنا من البرد والحر ، فضلاً عن أن هذا لا يليق : لا أخلاقياً ولا اجتماعياً ولا صحياً ، ولا جماليا أيضاً ، إذ على الأقل سوف تتراكم الأوساخ على أجسادنا وتطول شعورنا وأظافرنا وتنتن رائحتنا ونصبح أقرب للوحوش منا للبشر !

وأذكر أنى قرأت فى شبابى الأول فى بداية سبعينات القرن الفائت رواية لبريخت فى سلسلة "روايات الهلال" اسمها " ثلاثة بنسات " تناول فيها ذلك الكاتب ، ضمن ما تناول ، مثلاً نسب الى السيد المسيح وأخذ يسخر منه ومن تداعياته المتوقعة لو أخذنا به وسرنا على ضوئه .

وأذكر كذلك أنى لم تعجبنى الطريقة التى فهم بها الروائى الألمانى المثل المنسوب للمسيح والتهكم الذى استقبله به ، إلا أن الكلمات التى نحن بصددها الآن لا تترك لنا فرصة للقول بأن هناك معنى آخر لها يمكن توجيهها نحوه ، فهى دعوة صريحة لا تحتمل لَبْساً إلى الانصراف عن الاهتمام بالدنيا والاستنان بسنة الطيور

  وهو ما لا يمكن أن يكون نظراً لاختلاف طبيعة الحياة البشرية عن حياة الطير .

نعم هناك حديث للرسول الكريم يقول صلى الله عليه وسلم فيه :

" لو توكلتم على الله حَقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير : تغدو خِمَاصاً ، وتروح بِطَاناً " ،

بَيْدَ أن ثمة فرقاً كبيراً وحاسماً بين الكلامين : فالرسول يتحدث عن التوكل الحق ، وهذا التوكل معناه أن يبذل الإنسان كل جهده فى سبيل الحصول على ما يريد مثلما تفعل الطيور ، إذ لا تبقى فى أعشاشها كتنابلة السلطان تنتظر الحَبّ أن يسقط فى مناقيرها وهى راقدة ،

بل تفارق كل صباح فى البُكْرة النديّة أعشاشها بحثاً عن الحبة والدودة ، فتعود آخر النهار وقد امتلأت بطونها بالطعام بعد أن غادرت بيوتها فى أوله على الطَّوَى !

الحديث إذن لا يقيس على الطير فى عدم اهتمامها بتدبير أمور معاشها ، بل يقيس عليها فى سعيها على قدر وسعها وراء هذا المعاش .

وقد صرح الرسول الأعظم بهذا المعنى فى أحاديث كثيرة متنوعة ، وهذا هو الفرق الكبير والخطير بين الكلامين !

وليس من المعقول أن نطلب من الإنسان أن يقوم كل يوم من النوم وهو لا يدرى ماذا يأكل فى يومه الأغبر ولا كيف يدبر أمر ملابسه وسكنه : فمرة ينام على الرصيف ، وأخرى فى لوكاندة ، وثالثة فى الكراكون ، ورابعة فى ملجإ للعجزة أو للأيتام ، وخامسة فى حقل من حقول الذرة مع اللصوص والقتلة وقُطّاع الطريق وما إلى ذلك .

وهذا على مستوى الأفراد ،

فما بالنا بالدول ؟ ومن التخطيط والاستعداد المسبَّق العمل على إقامة المدارس ومؤسسات الضمان الاجتماعى ووضع البرامج للارتقاء بالذوق والحس الجمالى …

إلى آخر تلك الأهداف النبيلة التى لا يمكن الغض منها تحت أية حجة .

_ ومما نسب للمسيح أيضاً :

" 28ولِماذا يَهمٌّكُمُ اللَّباسُ ؟ تأمَّلوا زَنابقَ الحَقلِ كيفَ تَنمو : لا تَغزِلُ ولا تَتعَبُ . 29أقولُ لكُم : ولا سُليمانُ في كُلٌ مَجدهِ لبِسَ مِثلَ واحدَةٍ مِنها . 30فإذا كانَ الله هكذا يُلبِسُ عُشبَ الحَقلِ ، وهوَ يوجَدُ اليومَ ويُرمى غَدًا في التَّــنّورِ ، فكَمْ أنتُم أولى مِنهُ بأنْ يُلبِسَكُم ، يا قليلي الإيمانِ ؟ 31لذلِكَ لا تَهتمّوا فتقولوا : ماذا نأكُلُ؟ وماذا نشرَبُ ؟ وماذا نَلبَسُ ؟ 32فهذا يطلُبُه الوَثنيّونَ . وأبوكُمُ السَّماويٌّ يعرِفُ أنَّكُم تَحتاجونَ إلى هذا كُلَّهِ . 33فاَطلبوا أوَّلاً مَلكوتَ الله ومشيئَتَهُ ، فيزيدَكُمُ الله هذا كُلَّه . 34لا يَهُمَّكُم أمرُ الغدِ ، فالغدُ يَهتمٌّ بنفسِهِ . ولِكُلٌ يومِ مِنَ المتاعِبِ ما يكْفيهِ " .

وهنا لا يهمل المسيح ، إن كان هو قائل هذا الكلام ، أمور الدنيا تماماً كما أهملها فى النص الذى فرغنا منه لتونا ، لكنه يضعها تالية لمطالب الملكوت السماوى .

ولا ريب فى أن من يؤمن بالحياة الآخرة يضع ، مثل عيسى ، الآخرة على الأولى ،

إلا أن تأكيد المسيح بأننا إذا اهتممنا بملكوت السماوات فلسوف تدبر الحياة أمورها بنفسها دون تدخل من جانبنا ، هو تأكيد لا ينهض على أساس ،

إذ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة كما قال عبقرى الإسلام عمر بن الخطاب ،

كما أننا قد سبق أن نبهنا إلى الدرة المحمدية الثمينة فى هذا الشأن ، وهى قوله صلى الله عليه وسلم :

" لو توكلتم على الله حق توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خِمَاصاً ، وتروح بِطَاناً ".

أى أنه لا بد من العمل وبذل الجهد والجرى وراء الرزق .

أما صرف الوقت كله فى العبادة فهو فى الإسلام غير مُسْتَحَبّ ، لا بل هو خطأ فادح وجريمة لا يستهان بها عند الله .

لكنْ فى كل الأحوال ينبغى ألا يتحول الإنسان ، بسبب هذا الجرى خلف المعاش ، إلى آلة عديمة المشاعر والضمير لا تبالى بحق ولا باطل ، ولا  تأخذ فى حسبانها أن هناك أموراً شديدة الأهمية تتخطى حدود الحياة الدنيا ، وحقوقاً للآخرين يجب أداؤها .

_ الفصل السابع :

إدانة الآخرين :

" لا تَدينوا لِئلاَّ تُدانوا . 2فكما تَدينونَ تُدانونَ، وبِما تكيلونَ يُكالُ لكُم. 3لماذا تَنظُرُ إلى القَشَّةِ في عَينِ أخيكَ ، ولا تُبالي بالخَشَبَةِ في عَينِكَ ؟ 4بلْ كيفَ تقولُ لأخيكَ : دَعْني أُخرجِ القَشَّةَ مِنْ عَينِكَ، وها هيَ الخَشبَةُ في عينِكَ أنتَ ؟ 5يا مُرائيٌّ ، أخْرجِ الخشَبَةَ مِنْ عَينِك أوَّلاً ، حتى تُبصِرَ جيَّدًا فَتُخرِجَ القَشَّةَ مِنْ عَينِ أخيكَ .
6لا تُعطوا الكِلابَ ما هوَ مُقَدَّسٌ ، ولا تَرموا دُرَرَكُم إلى الخنازيرِ ، لِئلاَ تَدوسَها بأَرجُلِها وتلتَفِتَ إلَيكُم فتُمزَّقَكُم .

أطلبوا تجدوا :

7 " إسألُوا تُعطَوا ، إطلُبوا تَجِدوا، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم . 8فمَن يَسألْ يَنَلْ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه . 9مَنْ مِنكُم إذا سألَهُ اَبنُهُ رَغيفًا أعطاهُ حَجَرًا ، 10أو سَألَهُ سَمَكةً أعطاهُ حَـيَّةً ؟ 11فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ لأَبنائِكُم ، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ يَسألونَهُ ؟
12عامِلوا الآخَرينَ مِثلَما تُريدونَ أنْ يُعامِلوكُم . هذِهِ هيَ خُلاصةُ الشَّريعةِ وتَعاليمِ الأنبياءِ .

الباب الضيّق :

13 " أُدْخُلوا مِنَ البابِ الضيَّقِ . فما أوسَعَ البابَ وأسهلَ الطَّريقَ المؤدَّيةَ إلى الهلاكِ ، وما أكثرَ الَّذينَ يسلُكونَها . 14لكِنْ ما أضيقَ البابَ وأصعبَ الطَّريقَ المؤدَّيةَ إلى الحياةِ ، وما أقلَ الَّذينَ يَهتدونَ إلَيها .

الشجرة وثمرها :

15 " إيَّاكُم والأنبياءَ الكَذَّابينَ ، يَجيئونَكُم بثِيابِ الحُملانِ وهُم في باطِنِهِم ذِئابٌ خاطِفةٌ . 16مِنْ ثِمارِهِم تعرِفونَهُم . أيُثمِرُ الشَّوكُ عِنَباً ، أمِ العُلَّيقُ تِيناً ؟ 17كُلُّ شَجرَةٍ جيَّدةٍ تحمِلُ ثَمراً جيَّداً، وكُلُّ شَجَرةٍ رَديئةٍ تحمِلُ ثَمرًا رَديئًا . 18فما مِنْ شَجرَةٍ جيَّدةٍ تَحمِلُ ثَمراً رَديئاً ، وما من شَجرَةٍ رَديئةٍ تَحمِلُ ثَمراً جيَّداً . 19كُلُّ شَجرَةٍ لا تَحمِلُ ثَمراً جيَّداً تُقطَعُ وتُرمَى في النَّارِ . 20فمِنْ ثِمارِهِم تَعرِفونَهُم .

القول والعمل :

21 " ما كُلُّ مَنْ يقولُ لي: يا ربٌّ، يا ربٌّ! يدخُلُ مَلكوتَ السَّماواتِ ، بل مَنْ يَعملُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ . 22سيَقولُ لي كثيرٌ مِنَ النّاسِ في يومِ الحِسابِ : يا ربٌّ ، يا ربٌّ ، أما باَسمِكَ نَطَقْنا بالنٌّبوءاتِ ؟ وباَسمِكَ طَرَدْنا الشَّياطينَ ؟ وباَسمِكَ عَمِلنا العجائبَ الكثيرةَ ؟ 23فأقولُ لهُم : ما عَرَفتُكُم مرَّةً . اَبتَعِدوا عنَّي يا أشرارُ !

مثل البيتين :

24 " فمَنْ سمِعَ كلامي هذا وعمِلَ بِه يكونُ مِثْلَ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بَيتَهُ على الصَّخْرِ . 25فنزَلَ المَطَرُ وفاضتِ السٌّيولُ وهَبَّتِ الرِياحُ على ذلِكَ البَيتِ فما سقَطَ ، لأنَّ أساسَهُ على الصَّخرِ 26ومَنْ سَمِعَ كلامي هذا وما عمِلَ بِه يكونُ مِثلَ رَجلٍ غَبـيٍّ بنَى بَيتَهُ على الرَّملِ . 27فنَزَلَ المطَرُ وفاضَتِ السٌّيولُ وهَبَّتِ الرَّياحُ على ذلِكَ البَيتِ فسَقَطَ، وكانَ سُقوطُهُ عَظيماً ".
28ولمّا أتمَّ يَسوعُ هذا الكلامَ ، تَعَجَّبتِ الجُموعُ مِنْ تَعليمِه ، 29لأنَّهُ كانَ يُعَلَّمُهُم مِثلَ مَنْ لَه سُلطانٌ ، لا مِثلَ مُعلَّمي الشَّريعةِ " 

التعليق :

_ هذا كلام نبيل ونفيس فى مجمله ، لكنه يحتاج لبعض توضيح : فالحياة لا تستغنى أبداً عن الدينونة ، وإلا لم تستقم أمورها ولاستطال البغاة فى غَيّهم وعدوانهم ما داموا لا يجدون من يدينهم ، فضلاً عمن يردعهم !

بيد أن المسيح ، فيما أتصور (إذا كان هو قائل هذا الكلام ، وهو فى الواقع أشبه بأن يكون صادراً من فم نبى ) ، لا يقصد هذا ، بل مقصده أن يشتغل كل شخص بعيوبه قبل الانتباه لعيوب سواه .

فإن كان كذلك فنَعَمْ ونعام عين !

أما فى الإسلام فيقول الرسول الكريم : " كما تَدِين تُدَان " ،

وفرق كبير بين هذا وذاك ،

فكلام الرسول معناه أن علينا تحرى العدل عند محاسبة الآخرين مثلما نريد منهم مراعاته فى محاسبتنا .

أى أنه لا بد من الحساب ، لكن بالعدل لا بترك الحساب جملةً ، وإنْ حَبَّبَ الإسلام فى العفو والتسامح لكن دون أن يوجبه أو يجعله هو الأصل ، وإلا لاستحالت الحياة الاجتماعية وأصبح الأمر فوضى لا تطاق .

ولنتصور مجتمعا دون شُرطة ولا محاكم ولا قضاة ، ولنتصور الرزايا التى يمكن أن تنهال على رؤوس الناس حينئذ ، ولنتساءل: هل من المستطاع العيش فى مثل ذلك المجتمع ؟ يا له من عذاب !

ومن الآيات القرآنية التى تحبب فى العفو قوله تعالى :

" فمن عفا وأصلح فأجره على الله " (الشورى/ 40) ،

" وأن تعفوا أقرب للتقوى ، ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم " (البقرة/ 237) ،

" وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم " (التغابن/ 14) ،

" خذ العفو ، وأْمُرْ بالعُرْف ، وأَعْرِضْ عن الجاهلين " (الأعراف/ 199) ،

" إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً " (النساء/ 149) … إلخ .

كذلك يحتاج الباب الضيق (وهو أيضاً عنوان رواية لأندريه جيد كتب مقدمة ترجمتها العربية د . طه حسين) إلى شىء من التوضيح ،

وأغلب الظن أنه هو نفسه ما أراده الرسول محمد حين قال :

" حُفّت الجنة بالمكاره ، وحُفّت النار بالشهوات " .

أى أن طريق النار سهل لأن الإنسان لا يبذل فيه جهداً بل يكفى أن يتبع صوت شهواته ، أما طريق الجنة فكله مجاهدات وحرمانات .

لكن ليس معنى إيثار الباب الضيق أن يترك الإنسان اليسر إلى العسر ، فهذه مسألة أخرى ، وإلا فالمراد هو أن يختار ، من طريق الجنة المحفوف بالمكاره كما رأينا ، المسار الأكثر يسراً .

_ أما الكلام المنسوب الي المسيح :

" إسألُوا تُعطَوا ، إطلُبوا تَجِدوا ، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم . 8فمَن يَسألْ يَنَلْ ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه . 9مَنْ مِنكُم إذا سألَهُ اَبنُهُ رَغيفاً أعطاهُ حَجَراً ، 10أو سَألَهُ سَمَكةً أعطاهُ حَـيَّةً ؟ 11فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ لأَبنائِكُم ، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ يَسألونَهُ ؟ 12عامِلوا الآخَرينَ مِثلَما تُريدونَ أنْ يُعامِلوكُم . هذِهِ هيَ خُلاصةُ الشَّريعةِ وتَعاليمِ الأنبياء "

فإن كثيراً من الناس سوف يخطئون فهمه ، إذ يظنون أن المقصود الدعاء ، على حين أنه لم يحدد طبيعة الطلب المذكور هنا ،

ولا شك أن الكلام أبعد مرمى من الإشارة إلى الدعاء ،

وأن المقصود هو أن الإنسان إذا ما أراد الحصول على خير من خيرات الدنيا فعليه أن يبذل جهده فى سبيل الوصول إلى ما يريد ولا يكتفى بالدعاء ، وإلا فلن يطول شيئاً بالمرة ، فالسماء لا تمطر من تلقاء نفسها ذهباً ولا فضة ،

وإنما تمطر ذهباً وفضة وياقوتاً ولؤلؤاً ومرجاناً وألماساً وكل ما تشتهيه الأنفس إذا ما عمل الإنسان واجتهد كما يحدث فى كل الأمم المتقدمة ،

أما الأمم المتخلفة مثلنا فتظن أنه يكفى أن يرفع الواحد أكف الضراعة والنهنهة نحو السماء فيسقط الحمام فى فمه مشوياً وينهضم حتى دون أن يبذل جهداً فى المضغ والبلع والهضم . ولم لا ، وهو تنبل من تنابلة السلطان يظن نفسه فى تكية قد ورثها عن أبيه وأمه ؟

لا بد إذن ، كما قال السيد المسيح وكما كرر رسولنا الكريم ، من العمل بأسناننا وأظافرنا كى ننجح ونتفوق ونستمتع بالحياة ويقلّ ألمنا فيها إلى أدنى درجة ممكنة .

أما ما نراه حولنا فى كل مكان من الكسل والتنبلة حتى فى الدعاء ، أو أسلوب سلق البيض إذا تخلينا عن تنبلتنا ، فنتيجته هى ضيق المساكن وطفح المجارى وزحام المواصلات وقذارة الشوارع والتشويه الذى يحاصر العين أينما اتجهتْ والضجيج الذى يُصِمّ الآذان ويَفْرِى الأعصاب والشتائم المقذعة التى تنم عن قلة أدب متأصلة والإنتاج القليل الهزيل الذى لا يستطيع الصمود ولا المنافسة مع الإنتاج المستورد والجهل المطبق ..

والوسواس القهرى عند الطلاب والطالبات الذى لا يعطى الأستاذَ فرصة للراحة أبداً من الأسئلة السخيفة التى تنهال عليه منذ أول الدراسة وقبل أن يقول أحد من الأساتذة فى أى مقرر : " يا فتاح يا عليم ! يا رزاق يا كريم ! " مِنْ مثل : ما الذى ستحذفه من المقرر ؟ كيف سيأتى الامتحان ؟ كم سؤالاً إجبارياً ؟ وكم سؤالاً اختيارياً ؟ ما الذى ينبغى أن نركز عليه من أبواب المقرر ؟ كيف نستذكر الكتاب : نحفظه أم نفهمه ؟

ودَعُونا من البراشيم وأدعية الصباح يوم الامتحان أن يكرمهم الله فيوقف لهم فى اللجنة ابن الحلال الذى يساعدهم على الغش ، أو على الأقل يتركهم يغشون حتى يكرم الله أولاده ويوقف لهم بدورهم ملاحظًا نصّابًا مثله ، لا بارك الله له فيما يأخذه من أجر على المراقبة الكاذبة الخاطئة !

ونادراً ما يخطئ طالب فيسأل أستاذه فى شىء من العلم !

والنتيجة هى هذا التخلف العقلى الشديد الذى نعانى كلنا منه رغم المليارات التى تُنْفَق عبثاً على ما يسمى : " العملية التعليمية " ، والذى يجعلنا نردد فى حسرة نرجو من الله ألا تجلب لنا الضغط والسكر : " أمة " اقرأ " لا تقرأ " !

أما الطلاب فلا أسعد ولا أرضى عن حياتهم وأنفسهم ! وليخبط أجعص أستاذ رأسه فى أصلب حائط !

يا خلق هوووووووووووه : " إسألُوا تُعطَوا ، إطلُبوا تَجِدوا ، دُقّوا البابَ يُفتحْ لكُم . 8فمَن يَسألْ يَنَلْ ، ومَنْ يَطلُبْ يَجِدْ ، ومَنْ يَدُقَّ البابَ يُفتَحْ لَه " .

_ لكن الكلمة التالية : " لا تُعطوا الكِلابَ ما هوَ مُقَدَّسٌ ، ولا تَرموا دُرَرَكُم إلى الخنازيرِ ، لِئلاَ تَدوسَها بأَرجُلِها وتلتَفِتَ إلَيكُم فتُمزَّقَكُم " ، التى تُنْسَب للسيد المسيح ، صلى الله عليه وسلم ، وإن بدت سهلة التنفيذ ، فإنها عند التطبيق تسبب مشكلة كبيرة ،

إذ كيف نميز بين الكلاب والخنازير من جهة ، وبين البشر الذين يعرفون قيمة ما نلقيه أمامهم من درر ويستطيعون الاستفادة منه من جهة أخرى ، قبل أن نجرب الناس جميعاً ؟

بل كيف يمكننا الاطمئنان إلى أن من هم كلابٌ وخنازيرُ الآن لن ينقلبوا مع الأيام ويصبحوا بشراً عاقلين راقين يمكنهم تقدير تلك الجواهر والانتفاع بها ؟

ثم هل من صلاحيتنا القيام بفرز الطيبين من الخبيثين وإهمال الأخيرين والتركيز على الأولين وحدهم ؟

الذى أعرفه أن دعوة الله ينبغى أن تُبْذَل للجميع دون تفرقة أو تمييز كما هو الحال مع ضياء الشمس وذرات الهواء ، ثم إن لكل إنسان بعد هذا عقله وتقديره ، وهو المسؤول عن مصيره وخلاصه .

من هنا فإن الفقرة المذكورة تربك عقلى قليلاً ولا أدرى كيف ينبغى التصرف إزاءها ؟

_ كذلك هناك الكلمة التى تتوعد بالنار والعذاب من يبدّلون بعد رحيل السيد عنهم :

  " 21 " ما كُلُّ مَنْ يقولُ لي : يا ربٌّ ، يا ربٌّ ! يدخُلُ مَلكوتَ السَّماواتِ ، بل مَنْ يَعملُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ . 22سيَقولُ لي كثيرٌ مِنَ النّاسِ في يومِ الحِسابِ : يا ربٌّ ، يا ربٌّ ، أما باَسمِكَ نَطَقْنا بالنٌّبوءاتِ ؟ وباَسمِكَ طَرَدْنا الشَّياطينَ ؟ وباَسمِكَ عَمِلنا العجائبَ الكثيرةَ ؟ 23فأقولُ لهُم : ما عَرَفتُكُم مرَّةً . اَبتَعِدوا عنَّي يا أشرارُ ! "

أنا لا أستطيع إلا أن أرى فيها إشارة إلى تلاميذه ، إذ هم الوحيدون الذين أعطاهم مقدرة على صنع المعجزات الشفائية ، وسلطاناً على الشياطين يخرجونهم به من أجساد الممسوسين .

وهذا الكلام لا أقوله من لدنّى ، بل الذى قاله كاتب الإنجيل :

" ودَعا يَسوعُ تلاميذَهُ الاثنيَ عشَرَ وأعْطاهُم سُلطانًا يَطرُدونَ بِه الأرواحَ النَّجسَةَ ويَشْفونَ النّاسَ مِنْ كُلٌ داءٍ ومرَضٍ " (متى/ 10/ 1) !!

_ الفصل الثامن :

شفاء الأبرص :

" ولمّا نزَلَ يَسوعُ مِنَ الجبَلِ ، تَبِعَتْهُ جُموعٌ كبـيرةٌ . 2ودَنا مِنهُ أبرَصُ ، فسجَدَ لَه وقالَ : " يا سيَّدي ، إنْ أرَدْتَ فأنْتَ قادِرٌ أنْ تُطَهَّرَني". 3فمَدَّ يَسوعُ يدَه ولَمَسهُ وقالَ : " أُريدُ ، فاَطهُرْ ! " فطَهُرَ مِنْ بَرَصِهِ في الحالِ . 4فقالَ لَه يَسوعُ : " إيّاكَ أن تُخبِرَ أحدًا . ولكن اَذهَبْ إلى الكاهنِ وأرِهِ نَفسَكَ . ثُمَّ قَدَّمِ القُربانَ الَّذي أمرَ بِه موسى ، شَهادةً عِندَهُم " .

شفاء خادم الضابط :

5ودخَلَ يَسوعُ كَفْرَناحومَ ، فجاءَهُ ضابِطٌ رومانِـيٌّ وتَوَسَّلَ إلَيهِ بِقولِهِ : 6 " يا سيَّدُ ، خادِمي طَريحُ الفِراشِ في البَيتِ يَتوَجَّعُ كثيراً ولا يَقدِرُ أنْ يَتحرَّكَ " . 7فقالَ لَه يَسوعُ : " أنا ذاهبٌ لأشفِـيَهُ " . 8فأجابَ الضّابِطُ : " أنا لا أستحِقٌّ ، يا سيَّدي ، أنْ تَدخُلَ تَحتَ سقفِ بَيتي . ولكِنْ يكفي أنْ تَقولَ كَلِمَةً فيُشفى خادِمي . 9فأنا مَرؤوسٌ ولي جُنودٌ تَحتَ أمري ، أقولُ لِهذا : إذهَبْ ! فيذهَبُ ، ولِلآخَرِ : تَعالَ ! فيجيءُ ، ولِخادِمي : إعمَلْ هذا ، فيَعْمَلُ " .

10فتعجَّبَ يَسوعُ مِنْ كلامِهِ وقالَ لِلَّذينَ يَتبَعونَهُ : " الحقَّ أقولُ لكُم : ما وجَدتُ مِثلَ هذا الإيمانِ عِندَ أحَدٍ في إِسْرائيلَ . 11أقولُ لكُم : كثيرونَ مِنَ النَّاسِ سيَجيئونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ ويَجلِسونَ إلى المائدةِ معَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ في مَلكوتِ السَّماواتِ . 12وأمّا مَنْ كانَ لَهُمُ المَلكوتُ ، فيُطْرَحونَ خارِجًا في الظٌّلمَةِ ، وهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ".
13وقالَ يَسوعُ للضّابِطِ : " إذهَبْ، وليَكُنْ لكَ على قَدْرِ إيمانِكَ". فشُفِـيَ الخادِمُ في تِلكَ السّاعةِ .

شفاء حماة بطرس :

14ودَخَلَ يَسوعُ إلى بَيتِ بُطرُسَ ، فوَجَدَ حَماةَ بُطرُسَ طَريحَةَ الفِراشِ بالحُمَّى . 15فلَمَسَ يدَها ، فتَركَتْها الحُمَّى . فقامَت وأخَذَتْ تَخدُمُه .
16وعِندَ المساءِ ، جاءَهُ النَّاسُ بِكثيرٍ مِنَ الَّذينَ فيهِم شَياطينُ ، فأخرَجَها بِكَلِمةٍ مِنهُ ، وشفَى جميعَ المَرضى . 17فتَمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ إشَعْيا : " أخذَ أوجاعَنا وحمَلَ أمراضَنا .

يسوع أم العالم :

18ورأى يَسوعُ جُمهوراً حَولَهُ ، فأمَرَ تلاميذَهُ بالعُبورِ إلى الشّاطِـئِ المُقابِلِ . 19فدَنا مِنهُ أحَدُ مُعلَّمي الشَّريعةِ وقالَ لَه : " يا مُعلَّمُ ، أتبَعُكَ أيْنَما تَذهَبُ " . 20فأجابَهُ يَسوعُ: " للثَّعالِبِ أوكارٌ ، ولِطُيورِ السَّماءِ أعشاشٌ ، وأمّا اَبنُ الإنسانِ ، فلا يَجِدُ أينَ يُسنِدُ رأسَهُ " .
21وقالَ لَه واحدٌ مِنْ تلاميذِهِ : " يا سيَّدُ ، دَعْني أذهَبُ أوّلاً وأدفِنُ أبـي " . 22فقالَ لَه يَسوعُ : " إتبَعْني واَترُكِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهُم ! "

يسوع يهدئ العاصفة :

23ورَكِبَ يَسوعُ القارِبَ ، فتَبِعَهُ تلاميذُهُ . 24وهَبَّتْ عاصِفةٌ شديدةٌ في البَحرِ حتى غَمَرتِ الأمواجُ القارِبَ . وكانَ يَسوعُ نائماً . 25فدَنا مِنهُ تلاميذُهُ وأيقَظوهُ وقالوا لَه : " نَجَّنا يا سيَّدُ ، فنَحنُ نَهلِكُ ! " 26فأجابَهُم يَسوعُ : " ما لكُمْ خائِفينَ ، يا قليلي الإيمانِ ؟ " وقامَ واَنتَهرَ الرَّياحَ والبحرَ ، فحَدَثَ هُدوءٌ تامٌّ . 27فتعَجَّبَ النّاسُ وقالوا : " مَنْ هذا حتى تُطيعَهُ الرَّياحُ والبحرُ؟ "

طرد الشياطين وغرق الخنازير :

28ولمّا وصَلَ يَسوعُ إلى الشّاطئِ المُقابِلِ في ناحيةِ الجدريـّينَ اَستقْبَلَهُ رَجُلانِ خَرَجا مِنَ المَقابِرِ ، وفيهما شياطينُ . وكانا شَرِسَيْنِ جداً ، حتى لا يَقدِرَ أحدٌ أن يمُرَّ مِنْ تِلكَ الطَّريقِ . 29فأخذا يَصيحانِ : " ما لنا ولكَ ، يا اَبنَ الله ؟ أجِئتَ إلى هُنا لِتُعذَّبَنا قَبلَ الأوانِ ؟ "
30وكانَ يَرعَى بَعيداً مِنْ هُناكَ قطيعٌ كبـيرٌ مِنَ الخنازيرِ ، 31فتوَسَّلَ الشَّياطينُ إلى يَسوعَ بقولِهِم : " إنْ طرَدْتَنا ، فأرْسِلنا إلى قطيعِ الخنازيرِ " . 32فقالَ لهُم : " اَذهَبوا ! " فخَرجوا ودَخَلوا في الخنازيرِ ، فاَندفَعَ القطيعُ كُلٌّهُ مِنَ المُنحَدَرِ إلى البحرِ وهَلَكَ في الماءِ . 33فهرَبَ الرٌّعاةُ إلى المدينةِ وأخبَروا بِما حدَثَ وبِما جرَى للرجُلَينِ اللَّذَينِ كانَ فيهـِما شياطينُ . 34فخَرَجَ أهلُ المدينةِ كُلٌّهُم إلى يَسوعَ . ولمّا رأوْهُ طلَبوا إلَيهِ أنْ يَرحَلَ عَنْ دِيارِهِم "

التعليق :

_ الملاحظ أن الجموع التى كانت تنصت عادة للسيد المسيح وتتبعه من مكان إلى آخر إنما كانت تبحث عن شفاء لعاهاتها من برص أو كمه أو عَرَج أو مسٍّ ، وقلما يقابلنا بينهم من يسعى إلى خلاص روحه .

وعادة ما تنتهى واقعة الآية التى تحققت على يد السيد المسيح بقوله للشخص الذى استفاد منها : " إيّاكَ أن تُخبرَ أحداً " ،

إلا أنه يقوم برغم ذلك بإخبار الناس جميعاً ، وإلا فمن الذى عرّفهم بما حدث وجعلهم بدورهم يخبروننا به .

كما نلاحظ أيضاً  أنه دائم الحركة والتنقل دون سبب على الأقل ظاهر : فهو يصعد الجبل لينزل منه بعد قليل ، ويركب السفينة ليعود بها بعد قليل ، ويذهب لبيت فلان ليخرج منه بعد قليل ، وفى كل ذلك فلا كاتب الإنجيل يذكر ولا نحن من تلقاء أنفسنا نستطيع أن نخمن السبب وراء كل هذه التحركات والتنقلات ، وكأنما كان قلقاً لسبب لا نعرفه !

هكذا يفهم القارئ مما يقرؤه فى الإنجيل ، لكننا بطبيعة الحال لا نطمئن لهذا ، وإن كنا لا ندرى ماذا نفعل .

ومع هذا يظل القوم يُطْنِبون فى الحديث عن السيد المسيح بوصفه كائناً خارقاً : إلهاً أو ابن إله رغم أن هذه هى كل بضاعته تقريباً ، وهى إذا ما قورنت بما عند الرسول الكريم من كنوز عبقرية فى مجال العقيدة والعبادة والتعاملات المالية والاجتماعية والسياسية والمبادئ الخلقية والتوجيهات السلوكية والإرشادات العلمية والمنهجية والتحليلات الحضارية … إلخ

راعنا أنها لا تمثل سوى زاوية ضيقة جداً من هذا العالم المحمدى الرحيب هى الزاوية الأخلاقية التى هى مع ذلك عند رسولنا أرحب وأعمق وأجدى ،

إذ أن فى الوصايا المنسوبة للمسيح مغالاة ومجاوزة للقدرة البشرية وتطرفاً فى المثالية بحيث لا يستطاع تطبيقها وتحويلها إلى واقعٍ مَعِيشٍ رغم دغدغتها المشاعر واستفزازها عاطفة الزهو عند بعض الناس المغرمين بالشقشقة المحبين للفرقعة والدَّوِىّ لمجرد الفرقعة والدَّوِىّ !

إننا نحن المسلمين نُسْكِن السيد المسيح فى أعيننا وسويداء قلوبنا ولا نرضى فيه بكلمة سوء لأن تبجيله وحبه والاعتقاد فى نبوته وطهارته وسمو خلقه هو جزء لا يتجزأ من الإيمان فى ديننا لا يُقْبَل من دونه ،

بيد أن هذا لا يمنعنا من كشف وجه غُلُوّ النصارى فيه صلى الله عليه وسلم ،

ذلك الغُلُوّ الذى حذرنا منه سيد النبيين والمرسلين فقال : " لا تُطْرُونى كما أَطْرَت النصارى ابن مريم " !

ولَعَمْرِى إننى لأتألم الآن بعد مرور ألفى عام لحال أولئك المساكين من مصروعين ومجذومين ومبروصين وعُرْج وعُمْى ألماً شديداً ، وأستطيع أن أدرك ، رغم البعد الزمنى الشاسع ، مدى العذاب البدنى والنفسى الرهيب الذى كان عليهم أن يصطلوه إلى أن ظهر فى أفق حياتهم سيدنا عيسى فمثَّل لهم نقطة الضوء والأمل الوحيدة فى حياتهم .

رحمنا الله جميعاً ورحم كل ضعيف مسكين يقاسى متاعب الحياة ، وما أكثر متاعبها ومصاعبها وأثقل عبئها وأفدحه !

إن اللوحة التى تعرضها علينا الأناجيل لتدعو إلى الرثاء وتوجع القلب وتُفْعِمه بالوحشة لما تمتلئ به من البشاعة والآلام !

والغريب ، وجميع أمور الحياة تدعو للعجب ، أن قُوَى الشر لم تكن مرتاحة لما يفعله ويدعو إليه السيد المسيح وظلت تتربص به الفرص كى تتخلص منه وتقتله .

وهنا نفترق عن النصارى : فنحن نقول ، حسبما يخبرنا القرآن ، أن الله سبحانه قد نجّاه من هذا المصير التعيس ،

أما هم فيقولون إنه إنما جاء خِصِّيصاً لهذه الغاية ، وإنه قد صُلِب ومات على الصليب تكفيراً عن خطيئة آدم وحواء وأبنائهما الذين يستأهلون ضرب الحذاء !

ترى ما ذنبه حتى لو قلنا إنه الله أو ابن الله كما يقولون ، تعالى الله عن ذلك الغشم عُلُواً كبيراً ؟

ألم يكن الله قادراً على الغفران دون أن يتجسد سبحانه وتعالى فى بشر ويندسّ بين البشر ويتعرض لتلك الإهانات والعذابات التى تعرض لها ويجأر ويصرخ على الصليب دون جدوى (على حد زعمهم) ،

وكأنه حين جد الجدّ وحانت ساعة التنفيذ قد نسى تماماً كل ما جاء خصوصاً من أجله ، وأخذ يتألم كما أتألم أنا أو أى واحد فيكم أيها القراء إذا كتبت عليه الأقدار أن يتجرع تلك الكأس العلقم ،

لا كتب الله علينا شيئاً من هذا الظلم الجِلْف الغبى والألم الغليظ المرعب الذى لا معنى له !

*************

موضوعات ذات صلة :

_ ردود د/ ابراهيم عوض المفحمة على زكريا بطرس

About these ads

عفواً ، التعليقات ملغية حالياً.

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: