موقع القمص زكريا بطرس

قراءة فى إنجيل متى (2) _ الى القمص زكريا بطرس

Posted by doctorwaleed في 13/09/2009


إلى القُمّص المنكوح (الجزء الثانى)

" قراءة في إنجيل متى(2) "

دراسة نقدية للأناجيل بقلم  د / إبراهيم عوض

(تكملة الجزء الأول)

_ انجيل متى : الفصل الخامس عشر  :

التمسك الأعمى بالتقاليد : 

" وأقبَلَ إلى يَسوعَ بَعضُ الفَرَّيسيـّينَ ومُعلَّمي الشَّريعةِ مِنْ أُورُشليمَ ، فسألوهُ : 2 " لِماذا يُخالِفُ تلاميذُكَ تقاليدَ القُدَماءِ، فلا يَغسِلونَ أيديَهُم قَبلَ الطَّعام ؟ " 3فأجابَهُم يَسوعُ : " ولِماذا تُخالِفونَ أنـتم وصيَّةَ الله مِنْ أجلِ تَقاليدِكُم ؟ 4قالَ الله: أكرِمْ أباكَ وأمَّكَ ، ومَنْ لعنَ أباهُ أو أمَّهُ فموتًا يَموتُ  5 وأمّا أنتُمْ فتَقولونَ : مَنْ كانَ عِندَهُ ما يُساعِدُ بِه أباهُ أو أمَّهُ وقالَ لَهُما : هذا تقدمَةٌ لله ، 6 فلا يلزَمُهُ أنْ يُكرِمَ أباهُ. وهكذا أبطَلْتُم كلامَ الله مِنْ أجلِ تقاليدِكُم . 7 يا مُراؤون ، صَدَقَ إشَعْيا في نُبوءتِهِ عنكُم حينَ قالَ : 8 هذا الشَّعبُ يُكرمُني بِشَفَتيهِ ، وأمَّا قَلبُهُ فبعيدٌ عنَّي . 9وهوَ باطِلاً يَعبُدُني بِتعاليمَ وضَعَها البشرُ "

ما ينجس الإنسان :

10 ثُمَّ دَعا الجُموعَ وقالَ لهُم : " اَسمَعوا واَفهَموا : 11ما يَدخُلُ الفَمَ لا يُنجَّسُ الإنسانَ، بَلْ ما يَخرُجُ مِنَ الفمِ هوَ الذي يُنَجَّسُ الإنسانَ "

12 فتقَدَّمَ تلاميذُهُ وقالوا لَه : " أتعرِفُ أنَّ الفَرَّيسيـّينَ اَستاؤوا عِندَما سَمِعوا كلامَكَ هذا ؟ 13فأجابَهُم : " كُلُّ غَرْسٍ لا يَغرِسُه أبـي السَّماويٌّ يُــقلَعُ . 14أُترُكوهُم ! هُمْ عُميانٌ قادةُ عُميانٍِ . وإذا كانَ الأعمى يَقودُ الأعمى، سقَطا معًا في حُفرةٍ "

15 فقالَ لَه بُطرُسُ : " فَسَّرْ لنا هذا المَثَلَ " . 16فأجابَ : " أأنتُم حتى الآنَ لا تَفْهَمونَ ؟ 17ألا تَعرِفونَ أنَّ ما يَدخُلُ فمَ الإنسانِ يَنْزِلُ إلى الجوفِ ، ومِنهُ إلى خارجِ الجسَدِ ؟ 18وأمّا ما يَخرُجُ مِنَ الفَمِ، فمِنَ القلبِ يَخرُجُ ، وهوَ يُنجَّسُ الإنسانَ . 19لأنَّ مِنَ القَلبِ تَخرُجُ الأفكارُ الشَّرّيرةُ : القَتلُ والزَّنى والفِسقُ والسَّرقَةُ وشَهادَةُ الزٌّورِ والنَّميمةُ ، 20وهيَ التي تُنَجَّسُ الإنسانَ . أمّا الأكلُ بأيدٍ غيرِ مَغسولةٍ ، فلا يُنجَّسُ الإنسانَ "

إيمان المرأة الكنعانية :

21 وخرَجَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ وجاءَ إلى نواحي صورَ وصيدا . 22فأَقبلَتْ إلَيهِ اَمرأةٌ كَنْعانِـيّةٌ مِنْ تِلكَ البلادِ وصاحَتِ : " اَرْحَمني ، يا سيَّدي ، يا اَبن داودَ ! اَبنتي فيها شَيطانٌ ، ويُعذَّبُها كثيرًا " . 23 فما أجابَها يَسوعُ بكَلِمَةٍ . فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ بقولِهِم : " اَصرِفْها عنّا، لأنَّها تَتبَعُنا بِصياحِها ! " 24فأجابَهُم يَسوعُ : " ما أرسلَني الله إلاّ إلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ ". 25ولكنَّ المرأةَ جاءَتْ فسَجَدَتْ لَه وقالَت : " ساعِدْني، يا سيَّدي ! " 26فأجابَها : " لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ ". 27فقالَت لَه المَرأةُ : " نَعم ، يا سيَّدي ! حتَّ ? الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يَتَساقَطُ عَنْ موائدِ أصحابِها ". 28فأجابَها يَسوعُ : " ما أعظَمَ إيمانَكِ ، يا اَمرأةُ ! فلْيكُنْ لَكِ ما تُريدينَ " . فشُفِيَت اَبنَتُها مِنْ تِلكَ السّاعةِ .

يسوع يشفي كثيرين :

29واَنتَقَلَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ إلى شاطئِ بحرِ الجليلِ ، فصَعِدَ الجبَلَ وجَلَسَ هُناكَ . 30فجاءَتْهُ جُموعٌ كبـيرةٌ ومَعَهُم عُرْجٌ وعُميانٌ ومُقعَدونَ وخُرسٌ وغَيرُهُم كَثيرونَ ، فطَرحوهُم عِندَ قدَمَيْهِ فشفاهُم . 31فتعجَّبَ النّاسُ عِندَما رأوا الخُرسَ يَتكَلَّمونَ ، والعُرجَ يُشفَونَ ، والمُقعَدينَ يَمشُونَ ، والعُميانَ يُبصِرونَ . فمَجَّدوا إلهَ إِسرائيلَ .

يسوع يطعم أربعة آلاف رجل :

32ودَعا يَسوعُ تلاميذَهُ وقالَ لهُم : " أُشفِقُ على هذا الجَمعِ، فهُم مِنْ ثلاثَةِ أيّامِ يُلازِمونَني ، وما عِندَهُم ما يأكُلونَ . فلا أريدُ أن أصرِفَهُم صائِمينَ ، لِـئلاّ تَخورَ قِواهُم في الطَّريقِ " . 33فقالَ لَه التَّلاميذُ : " مِنْ أينَ لنا في هذِهِ البرّيَّةِ خُبزٌ يُشبِـــــعُ مِثلَ هذا الجمع ؟ " 34فقالَ لهُم يَسوعُ : " كَمْ رَغيفًا عندَكُم ؟ " أجابوا : " سَبْعةُ أرغِفَةٍ وبعضُ سَمكاتٍ صِغارٍ ".

35فأمَرَ يَسوعُ الجَمعَ أنْ يَقعُدوا على الأرضِ ، 36وأخَذَ الأرغِفَةَ السَّبعَةَ والسَّمكاتِ ، وشَكَرَ وكَسَرَها وأعطى تلاميذَهُ ، والتَّلاميذُ أعطَوْا الجُموعَ . 37فأكلوا كُلٌّهُم حتى شَبِعوا ، ثُمَّ رَفَعوا ما فضَلَ مِنَ الكِسَرِ سَبعَ سِلالٍ مُمتَلئَةٍ . 38وكانَ الَّذينَ أكلوا أربعةَ آلافِ رجُلٍ ما عدا النَّساءَ  والأولادَ . 39وصَرفَ يَسوعُ الجُموعَ ورَكِبَ القارِبَ وجاءَ إلى أرضِ مَجْدَان " .

التعليق :

_ نبدأ بالخلاف الذى نشب بين السيد المسيح وفريق الفَرِّيسيّين والصَّدُّوقِيِّين حول غسل الأيدى قبل تناول الطعام , ولست أظن أحداً الآن يمكن أن يظن بى نية السوء إذا قلت إننى مع غسل الأيدى قبل تناول الطعام (وبعده أيضاً ، وفى كل حين) ،

فالنظافة توجب علينا ذلك حتى إذا بدأ الإنسان الأكل أَكَل وهو مستريح النفس منتعش متلذذ ، ولم تتأذّ نفسه مما يمكن أن يكون عَلِقَ بيده من قاذورات أو غبار وعرق على الأقل ، وهذا من الناحية النفسية . ثم هناك الناحية الصحية أيضاً ، وكلنا الآن بعد التقدم العلمى وزيادة الوعى الصحى نعرف ما للنظافة من أهمية كبيرة فى الوقاية من الأمراض وتجنب العدوى ..

من هنا فإننى لا أفهم لماذا وضع المسيح (إن كان فعلاً هو الذى وضع) النظافة فى مقابل اتباع وصية الله فى إكرام الوالدين ، وكأن النظافة ليست من عند الله ، بل من الشيطان ، أستغفر الله !

الواقع أننى لست أفهم هذا الموقف الغريب ، وأرى أن المسيح ، وهو نبى الرحمة ، لا يمكن أن يقول ما قال فى الأناجيل بخصوص هذه المسالة .

وهَبْه ابن الله أو الله ، فكيف فاته أنه (أو أن أباه) قد نظّم كونه على أساس أن النظافة شىء لا بد منه ، وبإهماله تنشأ مشاكل لا حصر لها ، لا على مستوى الفرد فحسب ، بل على مستوى الجماعات والأمم ، وأحيانا على مستوى العالم أيضاً ؟!

أنقول إنه ، سبحانه وتعالى ، قد نسى هذه المبادئ العلمية والصحية لأن عهده بها قد طال ، إذ ترك السماء ونزل إلى الأرض منذ نحو ثلاثين عاماً ، وهى فترة كفيلة بإنسائه ما كان يعرفه كظَهْر يده قبلاً أيام أن كان لا يزال عند أبيه السماوى ؟

إن المسألة على النحو الذى صورها به كاتب الإنجيل تبدو وكأن العناد هو الذى يسيّر السيد المسيح ، فما إن يقول الفريسيون كلمة حتى يرد عليهم بعَشْرٍ يسخّف فيها عقولهم وتفكيرهم ويشكّك فى إيمانهم .

لستُ هنا بالمدافع عن اليهود بطبيعة الحال ، فلا شك أن انحيازى هو مع المسيح عليه السلام ،

لكن أىّ مسيح ؟

إنه مسيح العقل والمنطق والنظافة والاهتمام بحياة الإنسان وصحته وسعادته لا مسيح العناد وإهمال النظافة والنفور من طهارة البدن ، وكأن البدن والاهتمام به رجس من عمل الشيطان .

إن كاتب الإنجيل بهذا الأسلوب يحببنا ، من حيث يدرى أو لا يدرى ، فى الشيطان . ما دام الشيطان يهتم بأمر النظافة هكذا ولا يحب لنا أن نأكل وأيدينا قذرة ! أليس كذلك ؟

وهو ما يذكّرنى بشيوعى مصرى يعدّ نفسه أديباً ألف كتاباً عن نفسه أثنى فيه على الشيطان لارتباطه بالفن والأدب والضحك والسعادة ، على عكس الله ، الذى يصوره رفيقنا المداور بصورة المتجهم الكاره للإبداع والمعادى لكل ما يسرّ ويبهج فى هذه الحياة !!

وكأنه سبحانه ليس هو خالق العقل والحواس والتذوق والجهاز العصبى والمنظومة النفسية وغير ذلك من الأشياء التى على أساسها تقوم عملية الإبداع فى مجال الفن والأدب والفكاهة والطعام والملابس والبناء والعلم والإدارة والعادات والتقاليد والسياسة والاقتصاد … إلخ !

حتى النكتة لا أستطيع أن أسمع شيئاً منها وأضحك إلا وأتذكر على الفور الله سبحانه وتعالى وأتعجب من الإبداع الإلهى الذى يَسَّرَ كل شىء من أجل إيصالها إلى واحد مثلى ليضحك ويسعد ولو لبضع دقائق :

من أول الفكرة الغريبة المدهشة التى خطرت لصاحب النكتة وكانت الجرثومة العقلية والنفسية التى انطلقت منها ، إلى الخيال المتوفز ولفتات الذهن " المعجونة بماء العفاريت " (كما كانت جدتى ، أنار الله قبرها ورحمها رحمة تليق بكرمه ، تصفنى حين أرتكب ما يزعجها) إلى التعبير اللغوى البارع وما يصاحبه من إشارات اليد الموحية وحركات الوجه المجسّدة وتموجات الروح المنعشة المفرفشة… إلخ ،

فضلاً عن العقل الذى يُخْضِع بعد ذلك تلك العملية ليدرسها ويحللها ويحاول الوصول إلى أسرارها وخفاياها ، واجداً فى ذلك لذة لا تقلّ ، إن لم تزد عن لذة الاستماع إلى النكتة ذاتها… وهلم جرا .

خلاصة القول إن البدن وحاجاته جزء لا يتجزأ من الكيان الإنسانى ومن الحياة كلها ، ولولا البدن كيف يمكننا نحن البشر أن نعيش ؟

بل كيف يمكننا أن نمارس الدين ونعبد الله ونطيعه ؟ ألسنا نصلى ونصوم ونزكّى من خلال أبداننا ؟

أليس الفقراء الذين يأخذون الصدقة إنما يأخذونها ليُشْبِعوا بها ، ضمن ما يُشْبِعون ، حاجات أبدانهم ؟

إذن فلم التنكر للبدن ، وكأنه رجس من عمل الشيطان ؟

إن كل شىء فى هذه الدنيا هو من صنع يد الله بما فيها من بدن وروح ، تبارك الله وتباركت يده وآلاؤه !

وقد سبق أن قلت إن التنكر لمطالب الجسد واحتقار النعم الإلهية الخاصة به هى فى أدنى تقدير دلالة على عدم اللياقة مع الله سبحانه ، بل قد تصل بالإنسان فى بعض الحالات إلى الكفر دون أن يدرى ،

على الأقل : الكفر بنعمة الله ، الذى إنما خلق ما خلق كى يستمتع به عباده .

والمهم أن تكون المتعة من حلال وفى حلال ، وإلا فلمن خلق سبحانه ما خلق من طيبات الدنيا ؟!

ألكى يستمتع بها الخنازير والبهائم والديدان والحشرات مثلاً ونبقى نحن نتفرج عليها وهى تتلذذ بها ، فتلذعنا الحسرة ونتمنى لو كنا نحن أيضاً بهائم وخنازير أو ديدانا وحشرات ؟!

يا عالم ! يا هوه ! لو كان الخواجة بيجو معنا الآن لصرخ بلكنته الإجريجية قائلاً ، ومعه كل الحق والله العظيم : " آخ يا النافوخ بتاع الأنا " ! 

النظافة إذن مهمة جداً بالنسبة للبشر ومصلحة البشر وصحة البشر وسعادة البشر ، ولا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى أو أحد من رسله الكرام الأطهار مع القذارة ، أو اللامبالاة على الأقل بأمور النظافة .

هذا لا يمكن أن يكون ديناً لله .

و الحَلّ هو القول بأن الكاتب لم يحسن النقل عن السيد المسيح ، أو لم يحسن فهم السيد المسيح ،

إن لم نقل إن الكاتب ربما تأثر بتعاليم بولس التى أخذت دعوة السيد المسيح عليه الصلاة والسلام بعيداً عن مسارها ومدارها واشتطت فى مخاصمة الطهارة والنظافة اشتطاطاً مرضياً .

والدين الصحيح هو الذى يضع الأمرين فى الاعتبار : أمر الجسد ، وأمر الروح ، فالإنسان لا يستطيع التحليق بجناح الروح وحده ، بل لا بد له من الجناحين معاً .

وفى الإسلام أن " النظافة من الإيمان " ، والمسلم يتوضأ فى اليوم ، أى يغسل يديه وفمه وأنفه ووجهه وشعره ورجليه ، عدة مرات فى اليوم الواحد ، علاوة على الغُسْل الأسبوعى ، والاغتسال كلما جامع زوجته أو احتلم ، وغسل الفم قبل الأكل وبعده واستخدام السواك عقب القيام من النوم وبعد الطعام وعند الصلاة ، وهو ما يحقق الحد الأدنى وما فوق الأدنى من النظافة والطهارة .

ثم إن فى المبادرة الفردية بعد ذلك لَمَنْدُوحَةً واسعةً لمزيد من الطهارة والنظافة يبلغ به كل واحد فى هذا المضمار ما يشاء .

لكن هذا الاهتمام بالنظافة لا يعجب بعض الأوساخ فيسخرون منه ، فاللهم أَبْقِهم فى قذارتهم ونجاستهم يعمهون ، وهم بغبائهم وضيق أفقهم وأحقادهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

وأمثال هؤلاء هم الذين قال الله فيهم :

" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُون " (الجاثية/ 23)

إنهم أسوأ من الفَرِّيسّيين والصَّدُّوقيّين الذين كانوا يرهقون السيد المسيح باعتراضاتهم الغبية ووسوساتهم الكاذبة المنافقة ويرفضون أن يفتحوا عيونهم للنور مؤثرين العيش فى الظلام مع " أمير الظلام " !

هنيئاً لكم صحبة أمير الظلام يا عبيد الظلام !

_ بقيت فى المسالة نقطة خطيرة ، فقد رأينا أن المسيح يعترض على منافقى اليهود بأنهم لا يكرمون آباءهم وأمهاتهم مؤثرين تقديم القربان على إطعامه للوالدين المسكينين الجائعين .

ونحن معه عليه السلام فى هذا تماماً ، ونرى أن إطعام الجائع وكساء العارى وعلاج المريض خير من بناء المعابد ذاتها لا من تقديم القربان فحسب ،

لكن ألم نر كيف كان السيد المسيح ، طبقاً لما قاله عنه كاتب الإنجيل ، خشناً وجافّاً جافياً مع أمه ومع إخوته ، ولم يحاول أن يستطلع الأمر ، فقد يكونون فى حاجة إلى شىء يعمله لهم ولا يستطيعون عمله بأنفسهم ، بل ظل منصرفاً إلى ما كان يعظ به تلاميذه ، رغم أنه كان بمكنته أن يعود لما كان فيه من وعظ بعد أن يرى لأى شىء كانت أمه وإخوته يريدون رؤيته ؟

ألم يكن من إكرام الأم الذى يدعو إليه ويقرّع منافقى اليهود بسببه أن يهتم المسيح بالسيدة مريم ؟

_ ثم ألم يكن من إكرام الوالد كذلك أن يسمح المسيح لتلميذه بالذهاب للاشتراك فى دفنه وأخذ العزاء فيه بدلاً من أن يمنعه من ذلك قائلاً : دع الموتى يدفنون موتاهم ؟!

_ كذلك سمعناه يوجب أن يهجر الإنسان أبويه وكل أقاربه ويتبعه فى كل شىء إذا أراد أن يفوز بملكوت السماوات !

طيب ، وهل هناك تناقض بين هذا وذاك ؟

هل هناك تناقض بين العمل من أجل الفوز بالملكوت وبين إكرام الوالدين واحترامهما والقيام بحاجاتهما ورحمة ضعفهما ما داما لا يجاهدانه على الشرك بالله ؟

أما أنا ، ومعى فيما أتصور كل عاقل حكيم ، وإن لم أكن أنا بالضرورة عاقلاً حكيماً حتى لا يقال عنى إنه يمدح نفسه ، فإنى لا أرى أى تعارض بالمرة !

وهذا ما حققه الإسلام ونفذه وشدد عليه ، بل إن المسلم ليأخذ أجراً على رحمته واهتمامه بأبويه الكافرين

أليسا أبويه ؟

ولقد عرض ابنُ عبدِ الله بن أبىّ زعيمِ النفاق والضلال فى المدينة على أيام الرسول أن يقتل أباه ويخلّص الإسلام من شره ، لكن الرسول أمره بإحسان صحبته ،

بل كان هو نفسه ، عليه الصلاة والسلام ، يحسن إلى هذا الرجل حتى رَمَقه الأخير ، إذ بعث له عند احتضاره بقميصه الشريف نزولاً على رغبته كى يتخذه كَفَناً وهَمَّ بأن يصلى عليه رغم اعتراض بعض المسلمين على ذلك لولا أن السماء حسمت المسألة ونهته بصريح العبارة عن أن يصلى على أحد من المنافقين مات أبداً أو يقوم على قبره !

_ إننا لا نُشَاحّ فيما نُقِل لنا عن إشعيا من أن الله غضب على اليهود لأنهم لا يعبدونه سبحانه ولا يطيعونه من قلوبهم ، بل يكتفون بعبادة المظاهر :

" 7 صَدَقَ إشَعْيا في نُبوءتِهِ عنكُم حينَ قالَ : 8هذا الشَّعبُ يُكرمُني بِشَفَتيهِ ، وأمَّا قَلبُهُ فبعيدٌ عنَّي . 9وهوَ باطِلاً يَعبُدُني بِتعاليمَ وضَعَها البشرُ " ،

إلا أن هذا لا يقلب الحق المتمثل فى أن النظافة إنما هى من عند الله لا من عند الشيطان ولا من عند منافِقَة اليهود ، فيجعله باطلاً أبداً .

الأمر بالنظافة هو من عند الله ، كما أن الأمر بطهارة القلب هو أيضاً من عند الله ، لا فرق بين هذا وذاك إلا لمن فى عيونه رَمَدٌ بل عَمًى ، وأولئك فى ضلال بعيد !

وعلى هذا فإن ما يدخل الفم قد ينجِّس الإنسان ويصيبه بالغثيان والقىء والأمراض كأكل الخنزير وشرب الخمر وتناول أية خضراوات وفواكه لم تغسل جيداً . وهل فى ذلك أدنى شك ؟

بالضبط مثلما أن ما يخرج من الفم ينجِّس إذا كان كذباً ونفاقاً ، أو إغراء بالزنا والفجور أو تحريضاً على القتل أو نهشاً فى أعراض الأبرياء ، أو كفراً وتجديفاً وقلة أدب كالتى يمارسها القوم فى المهجر الأمريكى فيستحق الإنسان بسببها أن يطوَّح فى أصل الجحيم حيث لن ينفعه بوش ولا رامسفيلد لأنهما سيكونان معه يَصْلَيَان هما ومن على شاكلتهما ألوان العذاب والخزى فى نار جهنم الحمراء .

لعن الله كل من يسىء الأدب مع رسول الله ومع دين الله ، ولعنته الملائكة والناس أجمعين .

وفى الأمثال إذا كان المتكلم أبله فليكن المستمع عاقلاً ، وعلى هذا فإن كان الفَرِّيسّون والصَّدُّوقيّون مخبولين بالوسوسة فى الشكليات ونظافة الأيدى فحسب ، فليكن المسيح ، وهو بالتأكيد كان مشغولاً بالأمرين معاً : بنظافة الأيدى والأفواه ، وبطهارة الضمير والروح كليهما .

_ على أننى لا أريد أن أغادر هذه النقطة قبل الترفيه على القارئ تعقيباً على القول المنسوب للمسيح عن اليهود المنافقين :

" هُمْ عُميانٌ قادةُ عُميان . وإذا كانَ الأعمى يَقودُ الأعمى ، سقَطا معاً في حُفرةٍ " ،

إذ يحضرنى الآن ما كنت قرأته فى ترجمة الشاعر العباسى الكفيف بشار بن برد ، إذ مر به رجل لا يعرف الطريق فسأله ، فأخذ يشرح له كيف يصل إلى غايته ، والرجل لا يفهم ، حتى ضاق بشار به ذرعاً فأخذ يده وانطلق به يدلّه بنفسه على المكان ، وهو يُنْشِد هذا البيت الذى يعضّد ما قاله السيد المسيح ، وإن كان سلوك الشاعر الظريف يخالفه :

أعمى يقود بصيراً ، لا أباً لَكُمُو  ** قد ضَلّ من كانت العميانُ تَهْدِيهِ

_ ثم نأتى إلى قصة المرأة الكنعانية التى تناولناها من قبل تناولاً سريعاً :

" 21 وخرَجَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ وجاءَ إلى نواحي صورَ وصيدا . 22فأَقبلَتْ إلَيهِ اَمرأةٌ كَنْعانِـيّةٌ مِنْ تِلكَ البلادِ وصاحَتِ : " اَرْحَمني ، يا سيَّدي ، يا اَبن داودَ ! اَبنتي فيها شَيطانٌ ، ويُعذَّبُها كثيراً " . 23فما أجابَها يَسوعُ بكَلِمَةٍ . فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ بقولِهِم : " اَصرِفْها عنّا، لأنَّها تَتبَعُنا بِصياحِها ! " 24فأجابَهُم يَسوعُ : " ما أرسلَني الله إلاّ إلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ " . 25ولكنَّ المرأةَ جاءَتْ فسَجَدَتْ لَه وقالَت : " ساعِدْني ، يا سيَّدي ! " 26فأجابَها : " لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ " . 27فقالَت لَه المَرأةُ : " نَعم ، يا سيَّدي ! حتَّى الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يَتَساقَطُ عَنْ موائدِ أصحابِها " . 28فأجابَها يَسوعُ : " ما أعظَمَ إيمانَكِ ، يا اَمرأةُ ! فلْيكُنْ لَكِ ما تُريدينَ " . فشُفِيَت اَبنَتُها مِنْ تِلكَ السّاعةِ "

والواقع أنه من الصعب علينا تصديق هذه القصة بما تعكسه من تعنت وقسوة فى موقف السيد المسيح لا مسوغ لهما ،

فمثل هذا النبى الكريم الذى ثار ثورة عارمة على نفاق اليهود واهتماهم الوسواسى بالشكليات على حساب الروح والجوهر لا يمكن أن يكون هذا موقفه من ألم إنسانى يتعذب به اثنان من البشر أحدهما أم ملهوفة على ابنها أشد اللهفة !

لا ليس هذا هو مسيحنا الكريم الرحيم النبيل ،

ولا يقدر ضميرى ولا عقلى أن يصدقا بأن الاهتمام بخراف بنى إسرائيل الضالة المضلة يمكن أن يمحو من ذلك القلب الكبير الاهتمام بغير تلك الخراف التى لا يصلح معها إلا جَزّ رقابها طلباً للاستراحة منها ومن شرورها اللاصقة بها لا تغادرها كأنها القُرَاد اللاّبد فى جلد البعير 

لقد أُذِلَّت المرأة الكنعانية إذلالاً شديداً قبل أن يستجيب المسيح لها ، وعندما تدخل التلاميذ لم يتدخلوا رحمة بها ولا تعاطفاً مع آلام ابنتها ، بل للتخلص مها ومن وجع الدماغ الذى كانت تسببه لهم ليس إلا .

لقد كان على المسكينة أن تتوسل وأن تبتلع الإهانة تلو الإهانة من أجل خاطر ابنتها المجنونة ، فسجدت لعيسى بن مريم وتحملت أن توصف هى وابنتها وكل أبناء قومها بأنهم " كلاب " ، وأعلنت أنها ترضى بالفتات كما تفعل الكلاب (وأى فتات ؟ إنه الفتات المتساقط من الموائد ، نكاية وتمادياً فى إذلال المسكينة ! ) ، فعندئذ وعندئذ فقط استجاب لها المسيح وقال لها إن إيمانها عظيم !

أما أنا فلا أصدق شيئاً من هذا ، وليغضب منى من يشاء ، فليس فى هذا الأمر مجال للمجاملات الكاذبة .

المسيح ، كما أفهمه من دينى ، أفضل من هذا كثيراً كثيراً كثيراً ، عليه الصلاة والسلام .

كذلك فلْنلاحظ أنه قد شهد لها بالإيمان رغم أنها لم تقل له : أنت ابن الله أو أنت الله ،

بل كل ما قالته هو : " يا اَبن داودَ " !

ونحن أيضاً لا نقول له إلا : " يا ابن داود " ،

أو إذا أردنا أن نكون أكثر مباشرة نقول : " يا ابن مريم " لأن مريم عليها السلام هى أمه اللصيقة ، على حين أن داود هو أبوه (أو بالأحرى : جدّه) البعيد جداً .

_ وفى النص التالى ، وما زلنا مع البُرْص والعُرْج والبُكْم ، أحب أن أتريث قليلاً عند عبارة صغيرة عارضة لأبين للقارئ كيف أن الدقة كانت تُعْوِز فى كثير من الأحيان كاتبَ الإنجيل حتى ليقع فى التناقض من كلمة إلى الكلمة التى تليها ؟

كيف ؟

تعالَوْا نقرأ أولاً السطور التالية :

" 29 واَنتَقَلَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ إلى شاطئِ بحرِ الجليلِ ، فصَعِدَ الجبَلَ وجَلَسَ هُناكَ . 30 فجاءَتْهُ جُموعٌ كبـيرةٌ ومَعَهُم عُرْجٌ وعُميانٌ ومُقعَدونَ وخُرسٌ وغَيرُهُم كَثيرونَ ، فطَرحوهُم عِندَ قدَمَيْهِ فشفاهُم . 31 فتعجَّبَ النّاسُ عِندَما رأوا الخُرسَ يَتكَلَّمونَ ، والعُرجَ يُشفَونَ ، والمُقعَدينَ يَمشُونَ ، والعُميانَ يُبصِرونَ . فمَجَّدوا إلهَ إِسرائيلَ "

إن الكاتب يقول إن جموعاً كثيرة جاءت بمجرد سماعها بوجود المسيح هناك ومعهم مرضاهم (طبعاً ليشفيهم) ، وهو ما يدل على أنهم تعودوا من عيسى شفاء المرضى دون تخلف ،

لكن نفس الكاتب يقول عقب ذلك أن الناس تعجبوا عندما رأوا الخُرْس يتكلمون ، والعُرْج يمشون ، والعُمْى يبصرون !!

لماذا يا ترى ؟ هل هذه أول مرة يشاهدون فيها ذلك ؟ لا ، بل سبقها أمثالها مراراً .

ولسوف نرى فيما يلى ، مثلما رأينا من قبل ، أمثلة على هذا التناقض وانعدام الدقة .

_ ثم يختم الكاتب كلامه بأن الجموع قد مجّدت إله إسرائيل شكرا على ما رَأَوْه !

وهذا هو الأحجى بكل عاقل : أن ينسب الفضل فى كل خير إلى الله أوَّلاً ، على ألا ينسى الواسطة التى أجرى الله خيره على يديها ، لكن دون تأليهها . وقد حدث مثل هذا الموقف من قبل .

_ وأخيراً إلى معجزات الطعام والشراب مرة أخرى ، وقد قلنا إن القرآن لم يذكر لعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم من المعجزات إلا إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، بالإضافة إلى أنه كان ينبئ قومه بما يأكلون وما يدخرون فى بيوتهم .

وهذه المعجزة الأخيرة لم يذكرها الإنجيل الذى بين أيدينا ،

مثلما لم يذكر القرآن معجزة الخبز والسمكات التى تكررت مرتين ، وإن كانت الآيات الأخيرة من سورة  " المائدة " تتحدث عن طلب الحواريين من نبيهم أن يدعو ربه حتى ينزّل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيداً لأولهم وآخرهم وآية من الله ، فهل معجزة الخبز والسمكات هى هذه المعجزة ؟

  السكوت فى هذه القضية هو أجدر المواقف وأحصفها .

إلا أن هناك جانباً آخر مهما فى المسألة ، ألا وهو :

ما دام إمداد كل هاتيك الجموع بالطعام سهلاً إلى هذا المدى ،

فلِمَ لَمْ يلجأ إليه يسوع دائماً ليحل مشكلة الأكل والشرب لهؤلاء الفقراء الجوعى الذين هجروا مِهَنهم واتبعوه ولم يعودوا يَسْعَوْن على المعاش بناءاً على نصيحته لهم ، وذلك بدلاً من السطو على حقول الآخرين دون إذن منهم بل دون مجرد التفكير فى الحصول على ذلك الإذن ؟

سؤال أرجو أن يوفق الله واحداً من القراء إلى طرح الجواب عليه !

كما أود لو تطوع آخر بحل مشكلة السمكات التى من الواضح أنها كانت هناك مع التلاميذ منذ ثلاثة أيام فى البَرِّيّة دون أن تتعفن !!

على ألا يقول لى : " المعجزة ! " لأن المعجزة لم تكن قد بدأت بعد ! إنما بدأت المعجزة مع تكثير الرُّغْفان والأسماك لا قبله ! أليس كذلك ؟

_ الفصل السادس عشر :

علامات الأزمنة :

" قبَلَ إلَيهِ بَعضُ الفَرَّيسيـّينَ والصدٌّوقيـّينَ ليُجرَّبوهُ ، فطَلَبوا مِنهُ أنْ يُريَهُم آيةً مِنَ السَّماءِ . 2فأجابَهُم : " تَقولونَ عِندَ غُروبِ الشَّمسِ : سيكونُ صحوٌ ، لأنَّ السَّماءَ حَمراءُ كالنّارِ . 3وعِندَ الفَجرِ تَقولونَ : اليومَ مَطَرٌ ، لأنَّ السَّماءَ حمراءُ على سَوادٍ . مَنظَرُ السَّماءِ تَعرِفونَ أنْ تُفسَّروهُ ، وأمّا عَلاماتُ الأزمِنةِ فلا تَقدِرونَ أنْ تُفسَّروها . 4جِيلٌ فاسِدٌ فاسِقٌ يَطلُبُ آيةً ،  ولن يكونَ لَه سوى آيةِ يونانَ " . ثُمَّ تَركَهُم ومَضى .

خمير الفريسيـين والصدوقيـين : 

ولمّا عبَرَ التَّلاميذُ إلى الشَّاطئِ المُقابِلِ ، نَسوا أنْ يَتزَوَّدوا خُبزاً ، 6فقالَ لهُم يَسوعُ : " اَنتبِهوا ، إيّاكُم وخَميرَ الفَرَّيسيـّينَ والصَدٌّوقيـّينَ " . 7فقالوا في أنفُسِهِم : " يقولُ هذا لأنَّنا ما تَزوَّدنا خُبزاً " .

8 فعَرَفَ يَسوعُ وقالَ لهُم : " يا قليلي الإيمانِ ، كيفَ تَقولونَ في أنفُسِكُم : لا خُبزَ مَعنا ؟ 9أما فهِمتُم بَعدُ ؟ ألا تَذكُرونَ الأرغِفةَ الخَمسةَ لِلخَمسةِ الآلافِ وَكم قُفَّةً مَلأتُم ؟ 10والأرغِفةَ السَّبعةَ للأربَعَةِ الآلافِ وكم سلَّةً ملأتُم ؟ 11كيفَ لا تَفهمونَ أنّي ما عَنَيْتُ الخُبزَ بكلامي ؟ فإيّاكُم وخميرَ الفَرّيسيـّينَ والصَدّوقيّـينَ ! "

12 ففَهِمَ التَّلاميذُ أنَّهُ قالَ لهُم يجِبُ أنْ يتَجَنَّبوا تعاليمَ الفَرّيسيَّينَ والصَدٌّوقيَّينَ لا خميرَ الخُبزِ .

بطرس يشهد بحقيقة يسوع : 

13 ولمّا وصَلَ يَسوعُ إلى نواحي قيْصَرِيَّةِ فيلبٌّسَ سألَ تلاميذَهُ : " مَنْ هوَ اَبنُ الإنسانِ في رأيِ النّاسِ ؟ " 14فأجابوا : " بعضُهُم يقولُ : يوحنّا المَعْمدانُ ، وبعضُهُم يقولُ : إيليّا ، وغيرُهُم يقولُ : إرميا أو أحَدُ الأنبـياءِ " . 15فقالَ لهُم : " ومَنْ أنا في رأيِكُم أنتُم ؟ " 16فأجابَ سِمْعانُ بُطرُسُ : " أنتَ المَسيحُ اَبنُ الله الحيَّ". 17فقالَ لَه يَسوعُ : " هَنيئًا لَكَ ، يا سِمْعانُ بنَ يُونا ! ما كشَفَ لكَ هذِهِ الحَقيقةَ أحدٌ مِنَ البشَرِ ، بل أبـي الَّذي في السَّماواتِ . 18وأنا أقولُ لكَ : أنتَ صَخرٌ ، وعلى هذا الصَّخرِ سأبني كَنيسَتي ، وقوّاتُ الموتِ لنْ تَقوى علَيها . 19وسأُعْطيَكَ مفاتيحَ مَلكوتِ السَّماواتِ ، فما تَربُطُهُ في الأرضِ يكونُ مَربوطًا في السَّماءِ ، وما تحُلٌّهُ في الأرضِ يكونُ مَحلولاً في السَّماءِ " . 20وأوصى يَسوعُ تلاميذَهُ أنْ لا يُخبِروا أحدًا بأنَّهُ المسيحُ .

يسوع ينبـئ أول مرة بموته وقيامته :

21 وبدَأَ يَسوعُ مِنْ ذلِكَ الوَقتِ يُصَرَّحُ لِتلاميذِهِ أنَّهُ يجِبُ علَيهِ أنْ يذهَبَ إلى أُورُشليمَ ويَتألَّمَ كثيرًا على أيدي شُيوخِ الشَّعبِ ورُؤساءِ الكهَنةِ ومُعلَّمي الشَّريعةِ ، ويموتَ قتلاً ، وفي اليومِ الثّالثِ يَقومُ .

22 فاَنفَرَدَ بِه بُطرُسُ وأخذَ يُعاتِبُهُ فيقولُ : " لا سمَحَ الله ، يا سيَّدُ ! لن تلقى هذا المَصيرَ ! " 23فاَلتَفَتَ وقالَ لبُطرُسَ : " اَبتَعِدْ عنّي يا شَيطانُ ! أنتَ عَقَبَةٌ في طريقي ، لأنَّ أفكارَكَ هذِهِ أفكارُ البَشرِ لا أفكارُ الله " .

24 وقالَ يَسوعُ لِتلاميذِهِ : " مَنْ أرادَ أنْ يَتبعَني، فلْيُنكِرْ نَفسَهُ ويَحمِلْ صَليبَهُ ويتبَعْني ، 25لأنَّ الَّذي يُريدُ أن يُخلَّصَ حياتَهُ يَخسَرُها ، ولكنَّ الَّذي يخسَرُ حياتَهُ في سبـيلي يَجِدُها . 26وماذا يَنفَعُ الإنسانَ لو رَبِـحَ العالَمَ كُلَّهُ وخسِرَ نَفسَهُ ؟ وبِماذا يَفدي الإنسانُ نَفسَهُ ؟27 سيَجيءُ اَبنُ الإنسانِ في مَجدِ أبـيهِ معَ ملائِكَتِهِ ، فيُجازي كُلَ واحدٍ حسَبَ أعمالِه . 28الحقَّ أقولُ لكُم : في الحاضِرينَ هُنا مَنْ لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا مَجيءَ اَبنِ الإنسانِ في مَلكوتِهِ "

التعليق :

_ النقطة الأولى التى سأتناولها فى هذا الفصل هى رفض المسيح أن يستجيب للفَرِّيسيّين والصَّدُّوقيّين فيأتيهم بآية كما طلبوا منه ، وهو ما تكرر من قبل حسبما تنص الفقرة 38 من الفصل رقم 13 من إنجيل متَّى

مع أنه كثيراً ما شفى المرضى المستحيل علاجهم وأعاد إلى الحياة بعض الموتى ، ودعنا مما ذكره كاتب الإنجيل عن الطعام الذى كان يزود به تلاميذه والجموع التى تتبعه من مكان إلى مكان عندما لا يجد بين يديه ما يطعمهم به . فلماذا يا ترى هذه التفرقة ؟

أغلب الظن إن صح الخبر أنه ، عليه السلام ، لم يكن يستجيب لمثل تلك الطلبات التى تنبع من التحدى والمعاندة لا من الإيمان .

فإن صح هذا التفسير ، وأغلب الظن أنه صحيح كما يظهر من كلام الإنجيل الذى بين أيدينا ، فإنه يجرى مع ما جاء به القرآن من عدم استجابة السماء لمثل هذا المقترح من قبل كفار مكة حين كانوا يحاولون التعنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين إنهم لن يؤمنوا برسالته حتى يفعل كذا وكذا مما يخرق به السنن الطبيعية كما أخبرتنا به سورة " الإسراء " على سبيل المثال :

" وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً (90)

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً (91)

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92)

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ .

قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولا (93)

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (94)

قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً (95) "

ولتكملة الصورة لابد من الإشارة إلى أن ثمة أحاديث نبوية كثيرة تتحدث عن معجزاتٍ عملها النبى صلى الله عليه وسلم ، لكنْ للمؤمنين ودون طلب أو اقتراح منهم ، وليس لإقناع الكافرين ، وهو نفسه الحال تقريباً فى حالة المعجزات العيسوية على صاحبها الصلاة والسلام .

_ ولعل القراء لم يَنْسَوْا بَعْدُ التناقضَ الذى وقع فيه كاتب الإنجيل فى الفصل الثالث عشر حينما ذكر ثناء المسيح على تلاميذه على النحو التالى:

 " 10 فدَنا مِنهُ تلاميذُهُ وقالوا لَه : " لِماذا تُخاطِبُهُم بالأمثالِ ؟ " 11فأجابَهُم : " أنتُمُ أُعطيتُم أنْ تعرِفوا أسرارَ مَلكوتِ السَّماواتِ ، وأمّا هُم فما أُعطُوا . 12لأنَّ مَنْ كانَ لَه شيءٌ ، يُزادُ فيَفيضُ . ومَنْ لا شيءَ لَه ، يُؤخَذُ مِنهُ حتى الَّذي لَه .

13وأنا أُخاطِبُهُم بالأمثالِ لأنَّهُم يَنظُرونَ فلا يُبصِرونَ ، ويُصغونَ فلا يَسمَعونَ ولا يَفهَمونَ . 14ففيهِم تَتِمٌّ نُبوءةُ إشَعْيا : " مَهما سَمِعتُم لا تَفهَمونَ ، ومَهما نَظَرْتُم لا تُبصِرونَ . 15لأنَّ هذا الشَّعبَ تحَجَّرَ قلبُهُ ، فسَدٌّوا آذانَهُم وأغْمَضوا عُيونَهُم ، لِـئلاَّ يُبصِروا بِعُيونِهِم ويَسمَعوا بآذانِهِم ويَفهَموا بِقُلوبِهِم ويَتوبوا فأَشفيَهُم "

16وأمّا أنتُمْ فهَنيئاً لكُم لأنَّ عيونَكُم تُبصِرُ وآذانَكُم تَسمَعُ . 17الحقَّ أقولُ لكُم : كثيرٌ مِنَ الأنبـياءِ والأبرارِ تَمنَّوا أنْ يَرَوْا ما أنتمُ تَرَونَ فَما رأوا ، وأنْ يَسمَعوا ما أنتُم تَسمَعونَ فما سَمِعوا " ..

ليعود بعد ذلك بقليل فيذكر لنا أن المسيح نفسه قد اتهمهم بقلة الفهم وقلة الإيمان معاً . لقد تكرر اتهامه لهم هنا أيضاً بضعف الاعتقاد وبلادة الفهم :

" ولمّا عبَرَ التَّلاميذُ إلى الشَّاطئِ المُقابِلِ ، نَسوا أنْ يَتزَوَّدوا خُبزاً ، 6فقالَ لهُم يَسوعُ : " اَنتبِهوا ، إيّاكُم وخَميرَ الفَرَّيسيـّينَ والصَدٌّوقيـّينَ " . 7فقالوا في أنفُسِهِم : " يقولُ هذا لأنَّنا ما تَزوَّدنا خُبزاً "

8 فعَرَفَ يَسوعُ وقالَ لهُم : " يا قليلي الإيمانِ ، كيفَ تَقولونَ في أنفُسِكُم : لا خُبزَ مَعنا ؟ 9 أما فهِمتُم بَعدُ ؟ ألا تَذكُرونَ الأرغِفةَ الخَمسةَ لِلخَمسةِ الآلافِ وَكم قُفَّةً مَلأتُم ؟ 10والأرغِفةَ السَّبعةَ للأربَعَةِ الآلافِ وكم سلَّةً ملأتُم ؟ 11 كيفَ لا تَفهمونَ أنّي ما عَنَيْتُ الخُبزَ بكلامي ؟ فإيّاكُم وخميرَ الفَرّيسيـّينَ والصَدّوقيّـينَ ! " .

12 ففَهِمَ التَّلاميذُ أنَّهُ قالَ لهُم يجِبُ أنْ يتَجَنَّبوا تعاليمَ الفَرّيسيَّينَ والصَدٌّوقيَّينَ لا خميرَ الخُبزِ "

ألا يحق لنا إذن أن نتشكك فى كلام صاحب الإنجيل ، إذ يزعم أن المسيح قد فضّل تلاميذه حتى على الأنبياء فى الفهم والإيمان ، لينقلب عليهم بتلك الطريقة ويتهمهم بعكس ذك تماماً ؟

أعتقد أن لنا كل الحق فى ذلك !

– وبالمناسبة فها هو ذا المسيح ، كما تعكس تصرفاتِه صفحاتُ الإنجيل ، ينفى الآخر الذى يمثّله هنا الفَرِّيسيّون والصَّدُّوقيّون ، فهو لا يريد أن يكون بينه وبينهم أى حوار أو تفاهم ، ولا يستجيب لأى مطلب من جانبهم ، ولا يحب لأتباعه أن يسيروا على سنتهم ولا أن يعملوا بما يعملون .

لكن لماذا ؟

قبل أن ندين هذا الموقف ينبغى أن نعرف أنهم هم البادئون بالشر والسوء ،

أما المسيح فقد كان يردّ على إساءاتهم وغبائهم وكفرهم ونفاقهم وخبثهم وإجرامهم الذى كشَّر فى النهاية عن أنيابه الأفعوانية الزرقاء فخطّط لصلبه وقتله ، ولولا لطف الله وحمايته لنبيه لشرب هذه الكأس حتى الثمالة ! أى أن الدينونة إنما تقع عليهم لا عليه !

_ أما السطور التى تلى ذلك فهى فى حقيقة طبيعة السيد المسيح . ومن الواضح ، إذا كان لنا أن نصدق كاتب الإنجيل ، أنه كان هناك اختلاف كبير حول تلك الحقيقة : فبعضهم كان يقول إنه يحيى (يوحنا المعمدان) ، وبعضهم إنه إيليا ، وبعض ثالث إنه إرميا . وكان تلاميذه ينادونه بــ" يا سيد " أو " يا معلم " !

ومن قبل ذلك رأينا من يقول إنه ابن داود ، ومن يقول : ابن مريم ويوسف 

وهو نفسه كثيراً ما قال إنه ابن الإنسان ،

 وفى نفس الوقت كان يقول عن الله : " أبى السماوى " أو " أبى الذى فى السماوات " ، لكن لا بد أن نذكر كذلك أنه كان يستخدم هذه التسمية لتلاميذه أيضاً : " أبوك/ أبوكم الذى فى السماوات "

أما أنه ابن الله فلم يقلها له أحد من قبل لا من تلاميذه ولا من غير تلاميذه ، وها هو ذا بطرس الآن ، والآن فقط ، يقولها فيشهد له السيد المسيح بأنه سيكون الصخرة الصلبة التى ستقام عليها كنيسته التى لن تقدر عليها قوات الموت !

ليس ذلك فحسب ، بل زاد فأعطاه مفاتيح ملكوت السماء حتة واحدة . عن أَحَدٍ ما حَوّش ! وماذا يعنى حتة ملكوت سماوى لا راح ولا جاء ، وعليه فوق البيعة شويّة رَبْط وحَلّ فى الأرض تتم المصادقة عليه فى السماء فى التو واللحظة ؟

إن بطرس قدّها وقدود ! أى أن الآب قد تنازل للابن عن شؤون الملكوت السماوى ، ثم جاء الابن فتنازل للتلميذ عنها ، وهناك من يقول إن الباباوات قد ورثوا عن بطرس هذه الصلاحية !!

فانظر أيها القارئ الكريم إلاَمَ انتهت حلقات السلسلة ! وهذا ما عناه القرآن بقوله :

" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " (التوبة/ 31) ،

وهى الآية التى دار حوار بشأنها بين الرسول عليه الصلاة والسلام وعَدِىّ بن حاتم الطائى ، الذى كان نصرانياً فجاء إلى النبى يعلن إسلامه ، إذ نفى أنهم كانوا يعبدون الرهبان ،

فقال له الرسول : ألم يكونوا يحلّلون لكم ويحرّمون ؟

فقال : بلى .

فقال : فتلك عبادتكم إياهم .

_ وطبعاً كان اختيار يسوع لبطرس فى محله تماماً ، ومن لا يصدّق فليقرأ ما قاله كاتب الإنجيل بنفسه بعدها على الفور :

" 21وبدَأَ يَسوعُ مِنْ ذلِكَ الوَقتِ يُصَرَّحُ لِتلاميذِهِ أنَّهُ يجِبُ علَيهِ أنْ يذهَبَ إلى أُورُشليمَ ويَتألَّمَ كثيرًا على أيدي شُيوخِ الشَّعبِ ورُؤساءِ الكهَنةِ ومُعلَّمي الشَّريعةِ ، ويموتَ قتلاً ، وفي اليومِ الثّالثِ يَقومُ .

22فاَنفَرَدَ بِه بُطرُسُ وأخذَ يُعاتِبُهُ فيقولُ : " لا سمَحَ الله ، يا سيَّدُ ! لن تلقى هذا المَصيرَ ! "

23فاَلتَفَتَ وقالَ لبُطرُسَ : " اَبتَعِدْ عنّي يا شَيطانُ ! أنتَ عَقَبَةٌ في طريقي ، لأنَّ أفكارَكَ هذِهِ أفكارُ البَشرِ لا أفكارُ الله " .

ولا تحاول يا عزيزى القارئ أن تعرف أبطرس يستحق أن يمسك بالمفتاح إياه ومعه حكاية الحَلّ والرّبْط ويكون محط الرجاء فى بناء الكنيسة التى لن تقدر عليها قوات الموت

أم لا يستطيع ولا يستحق لكونه شيطاناً لا تنسجم أفكاره مع أفكار الله !

أفكار الله ؟! الله أكبر ! عشنا وشفنا ربنا يفكر ويتوصل إلى نتائج باهرة !!

_ لكننى لا أفهم حرص المسيح على ألا يعرف أحد خارج حلقة التلاميذ أنه هو المسيح ! وهل مما ينسجم مع النبوة أن يخفى النبى حقيقة شخصه ودوره ؟

إذن فكيف نؤمن به ما دمنا لا نعرف عنه ما يدفعنا إلى تصديق ما يقوله عن نفسه أو الانصراف عنه ؟

ألا يتركز الإيمان به فى أنه المسيح ابن الله ؟

إذن فلا بد من إعلان هذا الأمر ،

وإلا فكيف يعرف الناس أنه كذلك ويؤمنون به على هذا الأساس ويحصلون من ثَمّ على الخلاص ، أو لا يؤمنون فيذهبون فى ستين داهية " ليَهْلِك من هَلَكَ عن بَيّنَةٍ ويحيا من حَىَّ عن بَيّنَة " ؟

ألا إنها لقضية ملغزة تبرجل العقول كسائر أمور النصرانية !

_ وقضية ملغزة أخرى : فالمسيح ، صلى الله عليه وسلم ، يبشّر بطرس أنه سيكون الصخرة الصلبة التى تقام عليها كنيسته .

عظيم !

لكن كيف لم يقف بطرس أمام هذا التصريح ويتساءل عن معنى كلمة " كنيسة " التى لم ترد على لسان أحد من الأنبياء أو الآباء فى التراث الإسرائيلى ولا على لسان المسيح نفسه من قبل ، بما يعنى أنها كلمة جديدة تحتاج لمن يشرحها ويبين كيفية بناء تلك الكنيسة المذكورة وتنظيمها الإدارى والروحى وما إلى ذلك ؟

أليس أمراً طبيعياً أن الواحد منا متى سمع بكلمة جديدة لم يسمعها من قبل ، وبخاصة إذا ترتب عليها مستقبله كله وكانت تتعلق بمثل هذا الأمر الخطير الرهيب ، أن يسأل عن معناها ؟

لكننا نُصِيخ السمع ونرهف آذاننا جيداً فلا نسمع شيئاً ، وكأن المسيح لم يلمس موضوعاً جديداً تمام الجدة على بطرس وسائر التلاميذ بل على الدنيا أجمع .

هل كان بطرس لَقِناً فهيماً لا يحتاج إلى مثل ذلك الشرح ، مع أن الاستعناء عن الشرح فى مثل تلك الظروف أمر مستبعد تماماً ، لكننا نطرحه من باب الافتراض الجدلى ؟

لا أظن ، فقد مر علينا أكثر من مثال على بطء فهمه وغيظ السيد المسيح ذاته منه لهذا السبب !

_ وقد أتت فى الفصل الذى نحن بصدده هذه الدرة النفيسة التى هى أشبه أن تكون من كلام النبيين :

"وماذا يَنفَعُ الإنسانَ لو رَبـحَ العالَمَ كُلَّهُ وخسِر نَفسَهُ ؟ وبِماذا يَفدي الإنسانُ نَفسَهُ ؟ "

صدق الله العظيم الذى قال فى محكم كتابه :

" قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا , وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفلا تَعْقِلُونَ (32) " (سورة الأنعام) ،

" وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95)

مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)

مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) " (سورة النحل) ،

" وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ؟ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا , قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) " (سورة الأحقاف) .

لكنْ للأسف , فإن كاتب الإنجيل لا يتركنا نهنأ بهذه الدرة طويلاً ، إذ سرعان ما "يأخذنا على مِشَمّنا " كما يقول التعبير العامى الظريف :

" 27سيَجيءُ اَبنُ الإنسانِ في مَجدِ أبـيهِ معَ ملائِكَتِهِ ، فيُجازي كُلَ واحدٍ حسَبَ أعمالِه .

28الحقَّ أقولُ لكُم : في الحاضِرينَ هُنا مَنْ لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا مَجيءَ اَبنِ الإنسانِ في مَلكوتِهِ " .

ذلك أنه فى حدود علمى لم يأت المسيح حتى هذه اللحظة فى مجد أبيه ليجازى كل واحد حسب أعماله ، مع أن كل من كانوا حوله وقتذاك قد ماتوا جميعاً بعد ذلك بسنوات قلائل ، أى منذ نحو ألفى عام .

أم ترى هناك من لا يزال منهم على قيد الحياة ؟

لا إخال !

أم ترانى لم أفهم النص ؟

ولا هذه أيضاً !

_ ثم كيف يتألم بطرس لفكرة قتل المسيح ابن الله حتى ليقول له : " لا سمَحَ الله ، يا سيَّدُ ! لن تلقى هذا المَصيرَ ! " ،

وكأن ابن الله يمكن أن يموت حقاً !

ما أظرفها من كلمة تلك العبارة التالية : " لا سمَحَ الله ، يا سيَّدُ ! " ، وكأننا بإزاء شخصين ، مع أنه يقال لنا إن الآب والابن شىء واحد !

فكيف يراد لنا أن نفهم أن هناك من يسمح ، وهناك إلى جانبه من يخاف عليه بطرس هذا السماح ؟

ما علينا ! لا تأخذوا فى بالكم ، وإلا فلن ننتهى ، ولا يزال أمامنا نصف الإنجيل تقريباً !

_ الفصل السابع عشر :

التجلي ومجيء إيليّا :

" وبَعدَ سِتَّةِ أيّامِ أخَذَ يَسوعُ بُطرُسَ ويَعقوبَ وأخاهُ يوحنّا ، واَنفَرَدَ بِهِم على جبَلٍ مُرتَفِـعِ ، 2وتَجلَّى بمَشهَدٍ مِنهُم ، فأشرقَ وجْهُهُ كالشَّمسِ وصارَتْ ثيابُهُ بَيضاءَ كالنٌّورِ . 3وظهَرَ لهُم موسى وإيليّا يُكلَّمانِ يَسوعَ . 4فقالَ بُطرُسُ ليَسوعَ : " يا سيَّدُ ، ما أجمَلَ أن نكونَ هُنا : فإن شِئتَ ، نَصَبتُ هُنا ثلاثَ مظالَ : واحِدةً لكَ وواحِدةً لموسى وواحِدةً لإيليّا " . 5وبَينَما هوَ يتكلَّمُ ، ظلَّلتْهُم سَحابَةٌ مُضيئَةٌ ، وقالَ صوتٌ مِنَ السَّحابةِ : " هذا هوَ اَبني الحبـيبُ الذي بِه رَضِيتُ ، فلَهُ اَسمَعوا ! "  6فلمّا سَمِعَ التّلاميذُ هذا الصوتَ وقَعوا على وجوهِهِم وهُمْ في خوفٍ شديدٍ . 7فدَنا يَسوعُ ولَمَسَهُم وقالَ لهُم : " قوموا ، لا تخافوا " . 8فرَفَعوا عُيونَهُم ، فما رأوا إلاّ يَسوعَ وحدَهُ .

9 وبَينَما هُمْ نازلونَ مِنَ الجبَلِ ، أوصاهُم يَسوعُ قالَ : " لا تُخبِروا أحدًا بِما رأيتُم إلى أنْ يقومَ اَبنُ الإنسانِ مِنْ بَينِ الأمواتِ " . 10فسألَهُ التَّلاميذُ : " لِماذا يقولُ مُعَلَّمو الشَّريعَةِ : يجبُ أنْ يَجيءَ إيليّا أوَّلاً ؟ " 11فأجابَهُم : " نَعم ، يَجيءُ إيليّا ويُصلِحُ كُلَ شَيءٍ . 12ولكنَّي أقولُ لكُم : جاءَ إيليّا فما عَرَفوهُ ، بَلْ فَعلوا بِه على هَواهُم . وكذلِكَ اَبنُ الإنسانِ سيتألَّمُ على أيديهِم " . 13ففَهِمَ التَّلاميذُ أنَّهُ كانَ يُكلَّمُهُم عَنْ يوحنّا المَعمدانِ .

يسوع يشفي صبـياً فيه شيطان :

14 ولمّا رَجَعُوا إلى الجُموعِ ، أقبلَ إلَيهِ رَجُلٌ وسَجَدَ 15وقالَ لَه : " إرحمِ اَبني يا سيَّدي ، لأنَّهُ يُصابُ بالصَّرَعِ ويتَألَّمُ ألماً شديداً . وكثيراً ما يَقَعُ في النَّارِ وفي الماءِ . 16وجِئْتُ بِه إلى تلاميذِكَ، فما قَدِروا أنْ يَشفُوهُ " . 17فأجابَ يَسوعُ : " أيٌّها الجِيلُ غَيرُ المُؤمِنِ الفاسِدُ ! إلى متى أبْقى معكُم ؟ وإلى متى أحتَمِلُكُم ؟ قَدَّموا الصَّبـيَّ إليَّ هُنا ! " 18واَنتهَرَهُ يَسوعُ ، فَخرَجَ الشَّيطانُ مِنَ الصَّبـيَّ ، فشُفِـيَ في الحالِ .

19 فاَنفَرَدَ التَّلاميذُ بـيَسوعَ وسألُوهُ : " لِماذا عَجِزْنا نَحنُ عَنْ أنْ نَطرُدَهُ ؟ " 20فأجابَهُم : " لِقِلَّةِ إيمانِكُم ! الحقَّ أقولُ لكُم : لو كانَ لكُم إيمانٌ بِمقدارِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، لَقُلتُم لِهذا الجبَلِ : اَنتَقِلْ مِنْ هُنا إلى هُناكَ فَينتَقِلُ، ولَمَا عَجِزتُم عَنْ شَيءٍ . 21[وهذا الجِنْسُ مِنَ الشَّياطينِ لا يُطرَدُ إلاَّ بالصَّلاةِ والصَّومِ] " .

يسوع ينبـئ مرّة ثانية بموته وقيامته :

22 وكانَ التَّلاميذُ مُجتَمِعينَ في الجليلِ ، فقالَ لهُم يَسوعُ : " سيُسلَّمُ اَبنُ الإنسانِ إلى أيدي النّاسِ ، 23فيَقتُلونَهُ ، وفي اليومِ الثّالِثِ يَقومُ مِنْ بَينِ الأمواتِ " . فحَزِنَ التَّلاميذُ كثيراً .

يسوع يدفع ضريبة الهيكل :

24 وعِندَما رجَعَ يَسوعُ وتلاميذُهُ إلى كَفْرَناحومَ ، جاءَ جُباةُ ضَريبةِ الهَيكَلِ إلى بُطرُسَ وسألوهُ : " أما يُوفي مُعَلَّمُكُم ضَريبةَ الهَيكَلِ ؟ " 25 فأجابَ : " نعم " . فلمّا دخَلَ بُطرُسُ إلى البَيتِ ، عاجَلَهُ يَسوعُ بِقولِهِ : " ما رأيُكَ ، يا سِمْعانُ ؟ مِمَّنْ يأخُذُ مُلوكُ الأرضِ الجِبايَةَ أو الجِزيَةَ ؟ أمِنْ أَبناءِ البِلادِ أم مِنَ الغُرَباءِ ؟ " 26 فأجابَ بُطرُسُ : " مِنَ الغُرَباءِ " . فقالَ لَه يَسوعُ : " إذًا ، فالأبناءُ أحرارٌ في أمرِ إيفائِها . 27لكنَّنا لا نُريدُ أنْ نُحرِجَ أحداً ، فاَذهبْ إلى البحرِ وألقِ الصِنّارَةَ ، وأَمسِكْ أوَّلَ سَمكَةٍ تَخرُجُ واَفتَحْ فمَها تَجِدْ فيهِ قِطعةً بأربعةِ دَراهمَ ، فخُذْها واَدفَعْها إلَيهِم عنّي وعَنْكَ " .

التعليق :

_ والآن ماذا نقول ؟ ها هنا المسيح يختار ثلاثة فقط من حوارييه ويترك الباقين . على أى أساس ؟ لا ندرى !

وكان على رأس من اختارهم لصحبته فى هذا اللقاء بطرس ، الذى لم يجفّ الحبر الذى كتبنا به وصف السيد المسيح له بأنه " شيطان " بعد !

كذلك من المسائل المحيرة أن يُغْشَى على الحواريين الثلاثة ويسقطوا على وجوههم من الرعب لمجرد سماعهم صوتاً من السماء !

المفروض أنه حين يعلن أن المسيح هو ابن الله فإنه لا يأتى بشىء جديد بعدما تنبه بطرس لتلك البنوة وأثنى عليه السيد المسيح بسببها ، وهو ما يدفعنا إلى الاستغراب من رد فعلهم العنيف هذا ،

مع أن هؤلاء الثلاثة لم يجدوا فى سطوع النور من وجه عيسى وملابسه ولا من ظهور موسى وإيليا بعد موتهما بمئات السنين وكلامهما مع سيدهم ما يخيفهم ويسقطهم على الأرض مغشيّاً عليهم ، بَلْ ما يقتلهم من الرعب ؟

والغريب أيضاً أنهم بعد ذلك لما " دَنا يَسوعُ ولَمَسَهُم وقالَ لهُم : " قوموا ، لا تخافوا " . 8 فرَفَعوا عُيونَهُم ، فما رأوا إلاّ يَسوعَ وحدَهُ " .. ,

لم يعلقوا بشىء على اختفاء موسى وإيليا ثم عودة الأمور كلها إلى وضعها الطبيعى ، وكأن شيئاً لم يكن (أكاد أضيف : " وبراءةُ الأطفال فى عينيهم " كى يكمل بيت نزار من قصيدة " أيظن ؟ " ) !

ومرة أخرى لماذا تحرص السماء على أن يكون إعلانها لبنوة المسيح لله سبحانه (تعالى الله عن ذلك) محصوراً فى نطاق شخص واحد (فى المرة الأولى ، وهو يحيى عليه السلام) أو ثلاثة فقط (الآن ، وهم بطرس ويعقوب وأخوه يوحنا) ؟

كيف ذلك يا ترى ، وهذا هو لباب النصرانية كما يقولون ؟ ثم من يا ترى الذين كانوا ينبغى أن يسمعوا هذا الإعلان ؟

أهم التلاميذ الذين كانوا قد عرفوا ذلك كما رأينا وانتهى الأمر ؟

أم هم الجموع الذين لم يكونوا ينادونه إلا بــ" ابن داود " أو " ابن يوسف ومريم " ؟

مسألة محيرة أخرى !

وأشد منها تحييراً أن يقول لهم المسيح : " لا تُخبروا أحداً بِما رأيتُم إلى أنْ يقومَ اَبنُ الإنسانِ مِنْ بَينِ الأمواتِ " !!

أليس فى ذلك ظلم للبشر ، الذين يجب عليهم أن يؤمنوا ببنوة المسيح لله الآب ، ومع هذا يحرص هذا الإله الآب أن يخفى عنهم تلك الحقيقة ولا يذيعها (آسف ، بل الأحرى أن أقول : لا يُسِرّها) إلا لــ" مِنْ شخص واحد إلى ثلاثة على أكثر تقدير " ؟

علاوة على أنهم آخر من يحتاجون إلى سماع هذه الحقيقة ، التى ليست بحقيقة عندنا على الإطلاق ، ولا يمكن أن تكون ، مع إيماننا بأن لكل إنسان الحق فى أن يعتقد ما يشاء . أما قلة الأدب وشغل الصياعة فلا يسكت عليها حر !

_ وعندنا أيضاً قول المسيح إن إيليا قد جاء ومهّد له الطريق ، وفَهْم الحواريين أن إيليا هو يحيى !

كيف يا ترى ؟ لا جواب !

وقد تناولنا هذه النقطة من قبل وتساءلنا عن حل لهذه الأُحْجِيّة ، ولكن عبثاً !

ومن الواضح أن الخيوط قد دخل بعضها فى بعض ولم يعد أحد قادراً على تسليكها !

ثم إن المسيح يؤكد أن إيليا (أى يحيى) يجىء ليصلح كل شىء !

فما الذى أصلحه يحيى ، وقد قتلوه (أو بتعبير المسيح : " فعلوا به على هواهم ") قبل أن يكون عنده وقت لإصلاح أى شىء ؟

_ فإذ ما مضينا إلى الأمام قليلاً رأينا شَتْم المسيحُ نبىُّ الصبر والرحمة والرقة والوداعة والتواضع للمرأة التى أتته تستنجد بعطفه وقدرته على شفاء ابنها ! ،

بل شَتْمه الجيل كله متهماً إياه بالفساد وعدم الإيمان دون أدنى سبب ، إذ إن مجيئها إليه لا معنى له إلا أنها مؤمنة به ، وإلا فلماذا جاءت ؟

إنها لم تأت إليه على سبيل التحدى كما كان اليهود الخبثاء يفعلون ، بل أتت من أجل شفاء ابنها .

ثم إنه هو الذى بدأ عملية المعجزات هذه ولم يضربه أحد على يده كى يصنعها .

كما أنه لا يليق به ، وهو الله أو ابن الله ، أن يشكو من طول تحمله للناس !

وإلا فلأىّ رب آخر يمكن الناس أن يلجأوا إذا ما حزبهم أمر من الأمور ؟

وإذا كان الرب يضيق صدره بهذه السرعة ، فكيف نفسر أنه لم يضق صدره بتدبير شؤون العالم كله بما فيه من ملائكة وجن وبشر وحيوان وطير وحشرات ونباتات وجمادات وهواء منذ أول الخليقة حتى تلك اللحظة ، لا بالاستجابة لبعض المرضى وأهليهم فقط ؟

هذا عن المرأة وشَتْم المسيح (على حد قولهم) لها هى والجيل كله دون سبب ،

_  أما عجز الحواريين (التلاميذ) عن شفاء الصبى فهذه " حكاية " تحتاج لكتب !

كيف ؟

لا أظنكم قد نسيتم ما قاله متّى فى الفصل العاشر من هذا الإنجيل مما قرأناه معاً من قبل عن السلطة التى أعطاها المسيح تلاميذه كى يشفوا به كل مرض… إلخ .

على كل حال هأنذا أعيد نقل الكلام لتقرأوه بأنفسكم مرة أخرى لأهميته :

" ودَعا يَسوعُ تلاميذَهُ الاثنيَ عشَرَ وأعْطاهُم سُلطانًا يَطرُدونَ بِه الأرواحَ النَّجسَةَ ويَشْفونَ النّاسَ مِنْ كُلٌ داءٍ ومرَضٍ . 2وهذِهِ أسماءُ الرٌّسُلِ الاثني عشَرَ : أوَّلُهُم سِمْعانُ المُلَقَّبُ بِبُطرُسَ وأخوهُ أندَراوُسُ ، ويَعقوبُ بنُ زَبدي وأخوهُ يوحنّا ، 3وفيلُبٌّسُ وبَرْتولماوُسُ ، وتوما ومتَّى جابـي الضَّرائبِ ، ويَعقوبُ بنُ حَلْفَى وتَدّاوسُ ، 4وسِمْعانُ الوطنيٌّ الغَيورُ ، ويَهوذا الإسخَرْيوطيٌّ الذي أسلَمَ يَسوعَ .

5 وأرسَلَ يَسوعُ هؤُلاءِ التلاميذَ الاثنَي عشَرَ وأوْصاهُم قالَ : " لا تَقصِدوا أرضًا وثَنِـيَّةً ولا تَدْخُلوا مدينةً سامِريَّةً ، 6بَلِ اَذْهَبوا إلى الخِرافِ الضّالةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ ، 7وبَشَّروا في الطَّريقِ بأنَّ مَلكوتَ السَّماواتِ اَقتَرَبَ . 8واَشفوا المَرضى ، وأقيموا الموتَى ، وطَهَّروا البُرْصَ ، واَطرُدوا الشَّياطينَ . مجّاناً أخَذتُمْ ، فمَجّاناً أعْطُوا . 9

لا تَحمِلوا نُقوداً مِنْ ذَهَبٍ ولا مِنْ فِضَّةٍ ولا مِنْ نُحاسٍ في جُيوبِكُم ، 10ولا كِيساً لِلطَّريقِ ولا ثوباً آخَرَ ولا حِذاءً ولا عصاً ، لأنَّ العامِلَ يَسْتَحِقٌّ طعامَهُ. 11وأيَّةَ مدينةٍ أو قريةٍ دَخَلْتُم ، فاَستَخبِروا عَنِ المُستحِقَّ فيها ، وأقيموا عِندَهُ إلى أنْ تَرحَلوا " .

وبعد ، فما الذى تفهمونه ويفهمه كل إنسان من هذا النص ؟

أليس معناه الذى لا يستطيع أحد أن يمارى فيه هو أنه ، عليه الصلاة والسلام ، قد وهبهم المقدرة على شفاء كل مرض وطرد أى شيطان يدخل جسم أى إنسان وإعادة كل من مات للحياة كرّة ثانية ؟

هل هناك أى استثناء فى الكلام ؟

ومع ذلك فها هم أولاء يفشلون سريعاً فى المهمة التى انتدبهم لها وزودهم بأسباب النجاح اللازمة لها رغم كل ما قاله عن السلطان الذى أفاضه عليهم لشفاء جميع الأمراض وإخراج كل الشياطين من الأجساد الممسوسة .

عجيبة ! هل هو كلام عيال ؟ إنه الرب ، فكيف يتخلف وعد الرب ، والرب ليس لأحد ولا لشىء سلطان عليه يعوق مشيئته ؟

ثم إنه قد أعطاهم ذلك السلطان بملء إرادته ، ولم يأخذوه منه بسيف الحياء ولا حتى بسيف من سيوف الموالد الخشبية .

لقد تحجج يسوع لهم بأن هذا الصنف من العفاريت يحتاج إلى صوم وصلاة ، وهذه أول مرة نعرف فيها أن العفاريت التى تسكن الأجساد أصناف وألوان ، وكأننا بصدد إصلاح سيارة مرسيدس ، فلا يستطيع إصلاحها ميكانيكى الفيات !

طيب ، فهل صلى هو وصام ساعتها ؟

لقد كانوا جميعاً معاً ، وما يجرى على واحد منهم يجرى على الباقين .

كما أن كاتب الإنجيل إذا صام المسيح أو صلى فإنه ينص على ذلك ، وهذه المرة لم ينص على شىء ، وليس فى السياق ما يمكن أن يشير إلى أنه كان قد صلى أو صام .

ثم أليس هو الذى منعهم من الصيام عندما سأله تلاميذ يحيى عليه السلام عن عدم صيامهم كما يفعلون هم واليهود فكان جوابه أنهم الآن مع العريس (يقصد أنهم معه) ، ولا يليق أن يصوم أهل العريس ما دام موجوداً بينهم ؟

ألم يكن وقتها يعلم أنهم سوف يحتاجون إلى الصوم فى طرد هذا النوع من الشياطين ؟

فلماذا لم ينبههم إلى ذلك منعاً للإحراج ؟ :

" 14وجاءَ تلاميذُ يوحنّا المَعمَدانِ إلى يَسوعَ . وقالوا لَه : " لِماذا نَصومُ نَحنُ والفرَّيسيّونَ كثيراً ، وتلاميذُكَ لا يَصومونَ ؟ 15فأجابَهُم يَسوعُ : " أتَنتَظِرونَ مِنْ أهلِ العَريسِ أنْ يَحزَنوا ، والعَريسُ بَينَهُم ؟ لكنْ يَجيءُ وقتٌ يُرفَعُ فيهِ العَريسُ مِنْ بَينِهِم فيَصومونَ "

_ ولزيادة الطين بلَّة يأبى متّى إلا أن يسبّهم المسيح ويتهمهم فى إيمانهم ، وهى الشتيمة الجاهزة دوماً على لسانه طبقاً لما نقرؤه فى الإنجيل :

"سألُوهُ : " لِماذا عَجِزْنا نَحنُ عَنْ أنْ نَطرُدَهُ ؟ " 20فأجابَهُم : " لِقِلَّةِ إيمانِكُم !

الحقَّ أقولُ لكُم : لو كانَ لكُم إيمانٌ بِمقدارِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، لَقُلتُم لِهذا الجبَلِ : اَنتَقِلْ مِنْ هُنا إلى هُناكَ فَينتَقِلُ ، ولَمَا عَجِزتُم عَنْ شَيءٍ " .

وأخيراً فإنا نتساءل : إذا كان الحواريون ، وهم خلاصة الخلاصة، لا يتمتعون ولا بمقدار حبة من خردل من الإيمان ، فمن الذين آمنوا إذن بالسيد المسيح ؟

لا ليس هذا هو السيد المسيح الذى وصفه القرآن فقال على لسانه عليه السلام فى سورة " مريم " :

" إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً

(31) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (33) "

ثم إذا قلنا إن كتابهم قد حُرِّف شتموا نبينا وقالوا عنا إننا أولاد زوانٍ ومنافقون وكفرة وشهوانيون وقتلة وخوّفونا من " ماما أمريكا أم رجل مسلوخة " ،

مع أن الذى أعرفه أن أمهاتنا أحسن من أمهاتهم ومن جداتهم أيضاً !

_ ويتبقى من هذا الفصل مما نريد أن نتناوله الحكايةُ الطريفةُ التالية :

" 24وعِندَما رجَعَ يَسوعُ وتلاميذُهُ إلى كَفْرَناحومَ ، جاءَ جُباةُ ضَريبةِ الهَيكَلِ إلى بُطرُسَ وسألوهُ : " أما يُوفي مُعَلَّمُكُم ضَريبةَ الهَيكَلِ ؟ " 25فأجابَ : " نعم " . فلمّا دخَلَ بُطرُسُ إلى البَيتِ ، عاجَلَهُ يَسوعُ بِقولِهِ : " ما رأيُكَ ، يا سِمْعانُ ؟ مِمَّنْ يأخُذُ مُلوكُ الأرضِ الجِبايَةَ أو الجِزيَةَ ؟ أمِنْ أَبناءِ البِلادِ أم مِنَ الغُرَباءِ ؟ "

26فأجابَ بُطرُسُ : " مِنَ الغُرَباءِ " . فقالَ لَه يَسوعُ : " إذًا ، فالأبناءُ أحرارٌ في أمرِ إيفائِها . 27لكنَّنا لا نُريدُ أنْ نُحرِجَ أحدًا، فاَذهبْ إلى البحرِ وألقِ الصِنّارَةَ ، وأَمسِكْ أوَّلَ سَمكَةٍ تَخرُجُ واَفتَحْ فمَها تَجِدْ فيهِ قِطعةً بأربعةِ دَراهمَ ، فخُذْها واَدفَعْها إلَيهِم عنّي وعَنْكَ "

ألم يخالف المسيح اليهود فى كل شىء : الشريعة وغسل الأيدى والقَسَم والصوم… إلخ ؟

ألم يعالنهم بهذا دون مواربة ؟

ألم يمطر عليهم من اللعنات أكواماً تطول السماء ؟

ألم يقل لهم : " يا أولاد الأفاعى! يا مراؤون ! " ؟

ألم يهجم عليهم فى الهيكل وطردهم منه بعد أن قلب موائدهم وسبَّهم أشنع سَبّ ؟

فما الذى جعله يعمل لهم كل هذا الخاطر إذن بعد أن أصبح موقفه منهم واضحاً لا لبس فيه ؟

ثم إذا كان لابد من الدفع ( أو الحبس ! ) فلماذا هذه اللفة الطويلة من أخذ بطرس الصنارة وذهابه للبحر وإلقائه إياها فى الماء وإخراجه سمكة وفتحه فمها ليعثر فى نهاية المطاف على أربعة دراهم هى ضريبة الهيكل ؟

ألم يكن من الأفضل والأسرع والأوجز والأنجز أن يمد يده فى الهواء ويكبش ويعطى الجابى ما يريد ما دامت المسألة ترضية خواطر ؟

كما أن كاتب الإنجيل قد اقتصر فى كلامه على الضريبة الخاصة بعيسى وبطرس ، ولم يقل لنا كيف دبَّر باقى التلاميذ المبلغ المستحق عليهم ؟

أم نقول : البركة فى البحر والسمك ، والسمك والحمد لله فى البحر بلا عدد ؟!

كذلك لم يقل لنا كاتب الإنجيل لماذا لم يتذكر جابى الضرائب المسيحَ وتلاميذَه فى مسألة الدفع إلا الآن ؟!

والله حاجة تطير العقل من الدماغ !

وأخيراً دعونا من هذا كله وتعالَوْا نتساءل : أليس المسيح هو الله أو ابن الله ؟ فلماذا يتعين عليه أن يخضع لسدنة الهيكل وقوانينهم ؟

منذ متى يخضع الرب للعبد ؟

ودعونا من هذه أيضاً : ألم تأت النصرانية تحدياً لسلطة الهيكل ورجال الهيكل المنافقين ؟ فلماذا عندما جَدَّ الجِدّ ينسحب السيد المسيح بحجة المجاملة والرغبة فى عدم الإحراج ؟

هل يصح فى الأديان تخلى أصحابها عن مبادئها من أجل هذا الاعتبار ؟

وأخيراً هل يصح أن يكون الرد بــ" نعم " فى جواب الإثبات عن سؤال منفى كما حدث فى سؤال جباة الضرائب لبطرس وجوابه لهم ؟

الصواب هو استخدام " بلى " فى هذه الحالة بدلاً من " نعم " !

الفصل الثامن عشر :

الأعظم في ملكوت السماوات :

" ودَنا التَّلاميذُ في ذلِكَ الوَقتِ إلى يَسوعَ وسألوهُ : " مَنْ هوَ الأعظَمُ في مَلكوتِ السَّماواتِ ؟ "

2 فدَعا يَسوعُ طِفلاً وأقامَهُ في وسَطِهِم 3وقالَ : " الحقَّ أقولُ لكُم: إنْ كُنتُم لا تَتَغيَّرونَ وتَصيرونَ مِثلَ الأطفالِ ، فلن تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماواتِ. 4مَن اَتَّضعَ وصارَ مِثلَ هذا الطَّفلِ ، فهوَ الأعظمُ في مَلكوتِ السَّماواتِ. 5ومَنْ قَبِلَ طِفلاً مِثلَهُ باَسمي يكونُ قبِلَني .

6 مَنْ أوقعَ أحَدَ هؤُلاءِ الصَّغارِ المؤمنينَ بـي في الخَطيئةِ، فخَيرٌ لَه أنْ يُعلَّقَ في عُنُقهِ حجَرُ طَحْنٍ كبـيرٍ.يُرمى في أعماقِ البحرِ . 7الويلُ لِلعالمِ ممّا يُوقِـعُ الناسَ في الخطيئةِ ! ولا بُدَّ أنْ يَحدُثَ ما يُوقِـعُ في الخَطيئةِ ، ولكنَّ الويلَ لمَنْ يُسَبَّبُ حُدوثَهُ !

8 فإذا أوقَعَتكَ يَدُكَ أو رِجلُكَ في الخَطيئةِ ، فاَقْطَعْها وألْقِها عَنكَ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَدخُلَ الحياةَ الأبديَّةَ ولكَ يدٌ أو رِجلٌ واحدةٌ ، مِنْ أنْ يكونَ لكَ يَدانِ ورِجلانِ وتُلقى في النّارِ الأبديَّةِ . 9وإذا أوقَعَتكَ عَينُكَ في الخَطيئةِ ، فاَقلَعْها وألقِها عَنكَ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَدخُلَ الحياةَ الأبديَّةَ ولكَ عَينٌ واحدةٌ ، مِنْ أنْ يكونَ لكَ عَينانِ وتُلقى في نارِ جَهنَّمَ .

10 إيّاكُم أنْ تَحتقروا أحدًا مِنْ هَؤلاءِ الصَّغارِ . أقولُ لكُم : إنَّ ملائِكَتَهُم في السَّماواتِ يُشاهِدونَ كُلَ حِينٍ وجهَ أبـي الَّذي في السَّماواتِ . 11 [فاَبنُ الإنسانِ جاءَ ليُخـلَّصَ الهالِكينَ] .

الخروف الضال :

12 " وما قولُكُم ؟ إنْ كانَ لِرجلٍ مِئَةُ خَروفٍ وضَلَ واحدٌ مِنها ، ألا يَترُكُ التَّسعةَ والتَّسعينَ في الجِبالِ ويَبحَثُ عَن الخَروفِ الضَّالٌ ؟ 13وإذا وجَدَهُ ، ألا يَفرَحُ بِه ؟ الحقَ أقولُ لكُم : إنَّهُ يَفرَحُ بِه أكثرَ مِنْ فَرَحِهِ بالتَّسعةِ والتَّسعينَ الَّتي ما ضَلَّت . 14وهكذا لا يُريدُ أبوكُمُ الَّذي في السَّماواتِ أنْ يَهلِكَ واحدٌ مِنْ هَؤلاءِ الصَّغارِ .

التسامح الأخوي :

15 " إذا خَطِـئَ أخوكَ إليكَ ، فاَذهَبْ إلَيهِ وعاتِبْهُ بَينَكَ وبَينَهُ ، فإذا سَمِعَ لكَ تكونُ رَبِحتَ أخاكَ . 16وإنْ رَفَض أنْ يَسمعَ لكَ ، فَخُذْ معَكَ رَجُلاً أو رَجُلينِ ، حتَّى تُثْبِتَ كُلَ شيءٍ بِشَهادَةِ شاهِدَينِ أو ثلاثَةٍ . 17فإنْ رَفَضَ أنْ يَسمَعَ لهُم ، فقُلْ لِلكنيسةِ ، وإنْ رَفَضَ أنْ يَسمَعَ لِلكنيسةِ ، فَعامِلْهُ كأنَّهُ وثَنيٌّ أو جابـي ضرائبَ .

18 الحقَّ أقولُ لكُم : ما تَرْبُطونَهُ في الأرضِ يكونُ مَربوطاً في السَّماءِ ، وما تَحُلٌّونَهُ في الأرضِ يكونُ مَحلولاً في السَّماءِ .

19 الحقَّ أقولُ لكُم : إذا اَتَّفَقَ اَثنانِ مِنكُم في الأرضِ أنْ يَطلُبا حاجةً، حَصَلا علَيها مِنْ أبـي الَّذي في السَّماواتِ . 20فأينَما اَجتمعَ اَثنانِ أو ثلاثَةٌ باَسمي ، كُنتُ هُناكَ بَينَهُم " .

مثل العبد الذي لا يغفر : 

21 فدَنا بُطرُسُ وقالَ لِـيَسوعَ : " يا سيَّدُ ، كَم مرَّةً يَخطَأُ إليَّ أخي وأَغفِرُ لَهُ ؟ أسبعَ مَرّاتٍ ؟ "

22 فأجابَهُ يَسوعُ : " لا سَبعَ مرّاتٍ ، بل سَبعينَ مرَّةً سبعَ مرّاتٍ . 23فمَلكوتُ السَّماواتِ يُشبِهُ مَلِكاً أرادَ أنْ يُحاسِبَ عَبـيدَهُ . 24فلمّا بَدَأَ يُحاسِبُهُم ، جِـيءَ إلَيهِ بِواحدٍ مِنهُم علَيهِ عَشَرةُ آلافِ دِرهَمِ مِنَ الفِضَّةِ . 25وكانَ لا يَملِكُ ما يُوفي ، فأمَرَ سيَّدُهُ بأنْ يُباعَ هوَ واَمرأتُهُ وأولادُهُ وجميعُ ما يَملِكُ حتَّى يُوفيَهُ دَينَهُ . 26فركَعَ العبدُ لَه ساجداً وقالَ : أمهِلني فأُوفيَكَ كُلَ ما لك علَيَّ ! 27فأشفَقَ علَيهِ سيَّدُهُ وأطلَقَهُ وأعفاهُ مِنَ الدَّينِ . 28ولمّا خرَجَ الرَّجلُ لَقِــيَ عَبْداً مِنْ أصحابِه كانَ لَه علَيهِ مئةُ دينار ، فأمسكَهُ بِعُنُقِهِ حتَّى كادَ يَخنُقُهُ وهوَ يقولُ لَه : أوفِني ما لي علَيكَ ! 29فركَعَ صاحِبُهُ يَرجوهُ ويقولُ : أمْهِلْني ، فأوفيكَ . 30فما أرادَ ، بل أخَذَهُ وألقاهُ في السَّجنِ حتَّى يُوفيَهُ الدَّينَ .

31 ورأى العَبـيدُ أصحابُهُ ما جرى ، فاَستاؤوا كثيراً وذَهَبوا وأَخْبَروا سيَّدَهُم بِكُلٌ ما جرى . 32فدَعاهُ سيَّدُهُ وقالَ لَه : يا عَبدَ السُوءِ ! أعْفَيْــتُكَ مِنْ دَينِكَ كُلَّهِ ، لأنَّكَ رَجَوْتَني . 33أفما كانَ يَجبُ علَيكَ أنْ تَرحَمَ صاحِبَكَ مِثلَما رحَمتُكَ ؟

34 وغَضِبَ سيَّدُهُ كثيراً ، فسَلَّمَهُ إلى الجَلاَّدينَ حتى يُوفِـيَهُ كُلَ ما لَه علَيهِ . 35هكذا يَفعَلُ بِكُم أبـي السَّماويٌّ إنْ كانَ كُلُّ واحد مِنكُم لا يَغفِرُ لأخيهِ مِنْ كُلٌ قَلبِهِ "

التعليق :

_ ألعل المسيح ، عليه السلام ، يريد أن يقول إن الأطفال ، لكونهم غير مكلَّفين ، سوف يدخلون الجنة بغير حساب ؟

هذا أقرب ما أستطيع أن أفكر فيه .

لكن هناك شيئاً يحوك فى الصدر من جَرّاء ما نُسب إليه صلى الله عليه وسلم ، لا من ناحيته هو ، فكلا وحاشا ، بل من ناحية ما يقوله الذين يَرَوْن أنهم على سُنّته

 ألا وهو توعده من يرتكب خطيئة بالنار الأبدية ، ومن هنا كانت نصيحته للخاطئ أن يقلع عينه أو يقطع رجله أو يده التى اجترحت الخطيئة خيراً له من أن يُلْقَى به كله فى الجحيم

ووجه الحيرة أنهم يقولون إنه ، عليه السلام ، قد جاء ليفدى البشرية من خطاياها وأخطائها !!

فلماذا الحساب والعقاب إذن ؟

أو لماذا التجسد والصلب والموت إن لم تكن هناك كفارة ؟

هذى القطة ، فأين اللحم ؟ أو هذا اللحم ، فأين القطة ؟

إنهم يصدعون أدمغتنا بالمقارنة البلهاء بين الله فى الإسلام ويسوع الرحيم الحنون الذى لا يعاقب أحداً ، على عكس ربنا الذى يزعمون أنه قاس لا يفلت شيئاً عند الحساب !!

أترى الرب كما يصوره كاتب الإنجيل فى النص الحالىّ رحيماً ودوداً يغفر لعباده كل شىء ؟

ثم ألم يسمعوا بقوله تعالى :

" لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ,

رَبنا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا , ربنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا , رَبنا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا , أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " (البقرة/ 286) ،

" يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً " (النساء/ 26- 28) ،

" وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجد اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً " (النساء/ 110) ،

" إن الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ " (هود/ 114) ،

" قال : وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالونَ ؟ " (الحجر/ 56)

" قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (الزمر/ 53)… ؟

ألم يقرأوا هذه الأحاديث النبوية الشريفة :

" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة : فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه "

( أى أن الذنوب درجات ، وليس الأمر سبهللا دون ضابط ، والعبرة على كل حال بمقارفة الخطيئة لا بمجرد التفكير فيها أو التطلع بالجارحة ناحيتها ) ،

" ‏كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً ، فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمل به مائة .

ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس ، فهل له من توبة ؟

فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإن بها أناساً يعبدون الله ، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك ، فإنها أرض سوء .

فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ,

فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله .

وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط. ,

فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له .

فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة .

قال ‏قتادة : ‏فقال ‏ ‏الحسن : ‏ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره "  ،

و ‏" ‏إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة .

فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة , ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار " ،

و ‏" عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏أن رجلاً أذنب ذنباً فقال : رب ، إني أذنبت ذنباً ‏أو قال: عملت عملاً ذنباً ، ‏فاغفره .

فقال عز وجل : ‏عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي .

ثم عمل ذنباً آخر ‏أو أذنب ذنباً آخر ‏ ‏فقال : رب ، إني عملت ذنباً فاغفره .

فقال تبارك وتعالى : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي .

ثم عمل ذنباً آخر ‏أو أذنب ذنباً آخر‏ ‏فقال : رب ، إني عملت ذنبا فاغفره .

فقال : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي ، فليعمل ما شاء " ،

و " عن ‏ ‏أبي هريرة ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : ‏من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ "… ؟

وبطبيعة الحال فلست أقصد أن الإسلام لا يعرف العقاب فى الآخرة . كلا ، إنه يعرفه ،

إلا أن الأولوية فيه لتضعيف الأجر على الحسنات ، فى الوقت الذى تقف المؤاخذة على السيئات عند حدود المِثْل على أسوأ تقدير ، وقد تُغْفَر السيئة ، بل قد تتحول إلى حسنة فى بعض الظروف .

قال تعالى : " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (البقرة/ 261) ،

" مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فلهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالسيئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " (الأنعام/ 160) ،

" مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فلهُ خَيْرٌ مِنْهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالسيئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (القصص/ 84) ،

" مَنْ عَمِلَ سيئةً فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا , وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ " (غافر/ 40) .

ومن أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام :

" ‏إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة . فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .

ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة . فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة " ،

و " ‏يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه ‏ ‏كنفه ‏ ‏ثم يقرره بذنوبه فيقول : هل تعرف ؟ فيقول : يا رب ، أعرف . حتى إذا بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ قال :

إني سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم .

قال : ثم يُعْطَى صحيفة حسناته ‏أو كتابه ‏بيمينه " ،

  و " ‏عن ‏أبي هريرة (أبى هريرة ، الذى يجنّن زيكو كلما جاءت سيرته ، إذ يذكّره فى الحال بأن دين التوحيد قد قصم ظهر وثنياته وخرافاته الخِرْفانية ، فترى زيكو يتقلقل ويأكله دبره وتشتعل فيه النار) ،

عن أبى هريرة أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال :

‏ " ‏قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله : إذا مات فحرِّقوه ثم أَذْرُوا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين ,

فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به ، فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب ، وأنت أعلم . قال : فغفر له " ،

وقال المطفى أيضاً :

‏" من قال حين يصبح أو حين يمسي : اللهم أنت ربي . لا إله إلا أنت خلقتني ، وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت . أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة "

_ وبالنسبة لمثل الخروف الضالّ فهناك مثل يشبهه ضربه الرسول الكريم فى نفس المعنى ، وكلا المَثَلَيْن جميل ورائع ، لكن رواية الحديث التى أستشهد بها الآن أروع لما فيها فى جزئها الأخير من هدم للحاجز الذى قد يقف حائلاً بين بعض الناس ومولاهم ..

" عن أنس بن مالك رضى الله عنه : ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم :

 ‏‏لَلَّهُ أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على ‏‏راحلته ‏‏بأرض فلاة ‏‏فانفلتت ‏منه وعليها طعامه وشرابه فأَيِسَ منها ،

فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أَيِسَ من ‏ ‏راحلته ،

‏ ‏فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ،‏ ‏ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي ، وأنا ربك ! أخطأ من شدة الفرح "

 الحق أننى ، منذ قرأت هذا الحديث فى شبابى لأول مرة ، وأنا مفتون به أشد الفُتُون ، إذ أجد الرسول لا يتحرج أن يقول بلسان صاحب الناقة الضائعة التى عادت له فى خطابه لربه : " شكراً يا عبدى. أنا ربك ! " ، وذلك من شدة الفرح ، وكأنه يخاطب صديقاً له يمكن أن يغلط فى الكلام  إليه دون أن ترتجّ الأرض والسماوات

فأى تقريب بين الله والإنسان أحسن وأكثر حناناً ودفئاً وبساطة وأَرْيَحِيّةً من هذا التقريب ؟

أيذكر القراء الحديث الذى يقول فيه الرسول الكريم إن المجتهد إذا أصاب فله أجران ، وإذا أخطأ فإنه لا يعاقَب ولا يعاتَب ولا حتى يُكْتَفَى بالعفو عنه ، بل يأخذ أجراً ( واحداً ) ؟ أتلحظون الصلة بين الحديثين ؟

_ ثم فلنلاحظ قول السيد المسيح لمخاطَبيه عن ربه وربهم عز وجل : " أبوكُمُ الَّذي في السَّماواتِ " ، ولا أزيد هنا عن التنبيه ، مجرد التنبيه !

_ وقد سبق أن قال المسيح ، فيما رواه صدقاً أو كذباً أو وَهْماً متّى وغيره فى أناجيلهم : " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر " !

وقلنا إن هذه الدعوة هى تشنج مثالى لا يصلح لحياة البشر ، بل يشجع كل مجرم على أن يتمادى فى إجرامه وبطشه وقلة أدبه كما يفعل مجرمو المهجر مثلاً كلما رَأَوُا المسلمين يسكتون على سفالتهم .

وها نحن أولاء الآن نسمع نغمة أخرى :

" إذا خَطِـئَ أخوكَ إليكَ ، فاَذهَبْ إلَيهِ وعاتِبْهُ بَينَكَ وبَينَهُ ، فإذا سَمِعَ لكَ تكونُ رَبِحتَ أخاكَ .

16وإنْ رَفَض أنْ يَسمعَ لكَ ، فَخُذْ معَكَ رَجُلاً أو رَجُلينِ ، حتَّى تُثْبِتَ كُلَ شيءٍ بِشَهادَةِ شاهِدَينِ أو ثلاثَةٍ .

17فإنْ رَفَضَ أنْ يَسمَعَ لهُم ، فقُلْ لِلكنيسةِ ، وإنْ رَفَضَ أنْ يَسمَعَ لِلكنيسةِ ، فَعامِلْهُ كأنَّهُ وثَنيٌّ أو جابـي ضرائبَ .

18الحقَّ أقولُ لكُم : ما تَرْبُطونَهُ في الأرضِ يكونُ مَربوطًا في السَّماءِ ، وما تَحُلٌّونَهُ في الأرضِ يكونُ مَحلولاً في السَّماءِ " !

إننا هنا أمام عتاب وقَعْر مجلس والذى منه ، ولسنا مع مصفوعٍ على خده الأيمن يدير على الفور خده الأيسر ليأخذ حظه مما لذ وطاب من الصفع (والذى يفرقع لا يُحْسَب) ، ثم يستدير ليعطى ضاربه أردافه لينال فيها كم شلّوتاً مُعتبراً كى يكون نصيبه فى ملكوت السماوات عظيماً !

وبطبيعة الحال فإن الكلام هنا أقرب إلى الطبيعة البشرية ،

وإن كان لابد من القول بكل قوة وصراحة ودون ثعلبيات خبيثة إنه لابد من القانون والقضاء والشرطة والمحاكم إذا لم تنجح الحسنى فى إيقاف المعتدى عند حده ، بخلاف ما لو كان الخطأ من البساطة بحيث يمكن التغاضى عنه ، أو وقع من ضعيف طائش لا يقصد العدوان المجتاح مثلاً .

أما الكلام المنسوب للمسيح التالى عن العبد المتعنت الذى يحب أن يُغْفَر له ولا يحب أن يغفر هو لأحد :

" مَلكوتُ السَّماواتِ يُشبِهُ مَلِكاً أرادَ أنْ يُحاسِبَ عَبـيدَهُ . 24فلمّا بَدَأَ يُحاسِبُهُم، جِـيءَ إلَيهِ بِواحدٍ مِنهُم علَيهِ عَشَرةُ آلافِ دِرهَمِ مِنَ الفِضَّةِ . 25 وكانَ لا يَملِكُ ما يُوفي ، فأمَرَ سيَّدُهُ بأنْ يُباعَ هوَ واَمرأتُهُ وأولادُهُ وجميعُ ما يَملِكُ حتَّى يُوفيَهُ دَينَهُ . 26 فركَعَ العبدُ لَه ساجداً وقالَ : أمهِلني فأُوفيَكَ كُلَ ما لك علَيَّ ! 27 فأشفَقَ علَيهِ سيَّدُهُ وأطلَقَهُ وأعفاهُ مِنَ الدَّينِ . 28 ولمّا خرَجَ الرَّجلُ لَقِــيَ عَبْداً مِنْ أصحابِه كانَ لَه علَيهِ مئةُ دينارٍ ، فأمسكَهُ بِعُنُقِهِ حتَّى كادَ يَخنُقُهُ وهوَ يقولُ لَه : أوفِني ما لي علَيكَ ! 29فركَعَ صاحِبُهُ يَرجوهُ ويقولُ : أمْهِلْني ، فأوفيكَ .  30

فما أرادَ ، بل أخَذَهُ وألقاهُ في السَّجنِ حتَّى يُوفيَهُ الدَّينَ . 31 ورأى العَبـيدُ أصحابُهُ ما جرى ، فاَستاؤوا كثيراً وذَهَبوا وأَخْبَروا سيَّدَهُم بِكُلٌ ما جرى . 32 فدَعاهُ سيَّدُهُ وقالَ لَه : يا عَبدَ السُوءِ ! أعْفَيْــتُكَ مِنْ دَينِكَ كُلَّهِ ، لأنَّكَ رَجَوْتَني .  33أفما كانَ يَجبُ علَيكَ أنْ تَرحَمَ صاحِبَكَ مِثلَما رحَمتُكَ ؟ 34 وغَضِبَ سيَّدُهُ كثيراً ، فسَلَّمَهُ إلى الجَلاَّدينَ حتى يُوفِـيَهُ كُلَ ما لَه علَيهِ . 35 هكذا يَفعَلُ بِكُم أبـي السَّماويٌّ إنْ كانَ كُلُّ واحدٍ مِنكُم لا يَغفِرُ لأخيهِ مِنْ كُلٌ قَلبِهِ " ،

فهو يذكّرنا بقوله تعالى :

" وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُربى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا , أَلا تُحِبونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ؟ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (النور/ 22) ،

وإن كان العفو فى الآية يذهب مذهباً أبعد ، إذ هو عفو من  المحسن عمن يسىء إليه رغم تكرر إحساناته له ،

ثم لا يتوقف الأمر عند حد العفو ، بل يحض الله سبحانه المحسن (وهو أبو بكر الصديق فى المقام الأول ، ثم سائر المسلمين بعد ذلك) على الاستمرار رغم ذلك فى الإحسان والعطاء ، وكأن شيئاً لم يكن !

الفصل التاسع عشر :

الزواج والطلاق :

ولمّا أتَمَّ يَسوعُ هذا الكلامَ ، تَرَكَ الجَليلَ وجاءَ إلى بِلادِ اليَهودِيَّةِ مِنْ عَبرِ الأُردُنِ . 2فتبِعَتْهُ جُموعٌ كبـيرةٌ، فشَفاهُم هُناكَ .

3 ودَنا إلَيهِ بَعضُ الفَرّيسيّينَ وسألوهُ لِـيُحرِجوهُ : " أيَحِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يُطلَّقَ اَمرأتَهُ لأيَّ سَبَبٍ كانَ ؟ " 4فأجابَهُم : " أما قَرأْتُم أنَّ الخالِقَ مِنَ البَدءِ جعَلَهُما ذكَرًا وأُنثى 5 وقالَ : لذلِكَ يَترُكُ الرّجُلُ أباهُ وأُمَّهُ ويَتَّحِدُ باَمرأتَهِ ، فيَصيرُ الاثنانِ جسَداً واحداً ؟ 6فلا يكونانِ اثنينِ ، بل جسَدٌ واحدٌ . وما جمَعَهُ الله لا يُفرَّقُهُ الإنسانُ " .

7 وسألَه الفَرّيسيّونَ : " فلِماذا أوصى موسى بأنْ يُعطيَ الرَّجُلُ اَمرأتَهُ كِتابَ طَلاقٍ فتُطلَّقُ ؟ " 8فأجابَهُم يَسوعُ : " لِقساوَةِ قُلوبِكُم أجازَ لكُم موسى أنْ تُطلَّقوا نِساءَكُم . وما كانَ الأمرُ مِنَ البَدءِ هكذا . 9أمّا أنا فأقولُ لكُم : مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ إلاّ في حالَةِ الزَّنى وتزَوَّجَ غَيرَها زنى " .

10فقالَ لَه تلاميذُهُ : " إذا كانَت هذِهِ حالُ الرَّجُلِ معَ المرأةِ ، فخَيرٌ لَه أنْ لا يتَزوَّجَ " . 11فأجابَهُم يَسوعُ : " لا يَقبلُ هذا الكلامَ إلاّ الَّذينَ أُعطِـيَ لهُم أن يَقبَلوهُ . 12ففي النّاسِ مَنْ ولَدَتْهُم أُمَّهاتُهُم عاجِزينَ عَنِ الزَّواجِ ، وفيهِم مَنْ جَعلَهُمُ النّاسُ هكذا ، وفيهِم مَنْ لا يَتزَوَّجونَ مِنْ أجلِ مَلكوتِ السَّماواتِ. فمَنْ قدِرَ أنْ يَقبَل فليَقبَلْ " .

يسوع يبارك الأطفال :

13 وجاءَهُ بَعضُ النّاسِ بأطفالٍ ليَضَعَ يَدَيْهِ علَيهِم ويُصلّيَ ، فاَنتهَرَهُمُ التَّلاميذ . 14فقالَ يَسوعُ : " دَعُوا الأطفالَ يأْتُونَ إليَّ ولا تَمنَعوهُم ، لأنَّ لأمثالِ هؤلاءِ مَلكوتَ السَّماواتِ " . 15ووضَعَ يَدَيْهِ علَيْهِم ومَضى مِنْ هُناكَ .

الشاب الغني :

16 وأقبَلَ إليهِ شابٌ وقالَ لَه : " أيٌّها المُعَلَّمُ ، ماذا أعمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لأنالَ الحَياةَ الأبدِيَّةَ ؟ " فأجابَهُ يَسوعُ  : " 17 لِماذا تَسألُني عمّا هوَ صالِـحٌ ؟ لا صالِـحَ إلاّ واحدٌ . إذا أَرَدْتَ أنْ تَدخُلَ الحياةَ فاَعمَلْ بالوصايا " . 18فقالَ لَه : " أيَّ وصايا؟  " فقالَ يَسوعُ : " لا تَقتُلْ ، لا تَزْنِ ، لا تَسرِقْ، لا تَشهَدْ بالزٌّورِ ، 19أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ ، أحِبَّ قريبَكَ مِثلما تُحبٌّ نَفسَكَ " .

20 فقالَ لَه الشّابُ : " عَمِلتُ بِهذِهِ الوصايا كُلَّها ، فما يَعوزُني ؟ " 21أجابَهُ يَسوعُ : " إذا أردتَ أنْ تكونَ كامِلاً ، فاَذهَبْ وبِـــــعْ ما تملِكُهُ ووَزَّعْ ثمَنَهُ على الفُقراءِ ، فيكونَ لكَ كنزٌ في السَّماواتِ ، وتعالَ اَتْبَعْني!  "

22 فلمّا سَمِعَ الشابُ هذا الكلامَ. مَضى حَزيناً لأنَّهُ كانَ يملِكُ أموالاً كثيرةً .

23 وقالَ يَسوعُ لِتلاميذِهِ : " الحقَّ أقولُ لكُم : يَصعُبُ على الغنيَّ أنْ يَدخُلَ مَلكوتَ السَّماواتِ . 24بل أقولُ لكُم : مُرورُ الجمَلِ في ثَقبِ الإبرةِ أسهَلُ مِنْ دُخولِ الغنيَّ مَلكوتَ الله " .

25 فتعجَّبَ التَّلاميذُ كثيراً مِنْ هذا الكلامِ وقالوا : " مَنْ يُمكِنُهُ أنْ يَخلُصَ ، إذًا ؟ " 26 فنَظَرَ إلَيهِم يَسوعُ وقالَ لهُم : " هذا شيءٌ غيرُ مُمكنٍ عِندَ النّاسِ ، أمّا عِندَ الله فكُلُّ شيءٍ مُمكِنٌ " .

27 وقالَ لَه بُطرُسُ : " ها نَحنُ تَركْنا كُلَ شيءٍ وتَبِعْناكَ ، فماذا يكونُ نَصيبُنا ؟ "

28 فأجابَ يَسوعُ : " الحقَّ أقولُ لكُم : متى جلَسَ اَبنُ الإنسانِ على عَرشِ مَجدِهِ عِندَ تَجديدِ كُلٌ شيءٍ  ، تَجلِسونَ أنتُم الَّذينَ تَبِعوني على اَثني عشَرَ عَرشاً لتَدينوا عَشائرَ إِسرائيلَ الاثني عشَرَ .

29 وكُلُّ مَنْ ترَكَ بـيوتاً ، أو إخوَةً أو أخواتٍ ، أو أباً ، أو أُماً ، أو أبناءً ، أو حُقولاً مِنْ أجلِ اَسمي ، يَنالُ مِئةَ ضِعفٍ ويَرِثُ الحياةَ الأبديَّةَ . 30 وكثيرٌ مِنَ الأوَّلينَ يَصيرونَ آخِرينَ ، ومِنَ الآخِرينَ يَصيرونَ أوَّلينَ "

التعليق :

_ الحق أننى لا ينقضى عجبى كلما قرأت أن الله أو ابنه (أى عيسى علي السلام حسبما يردد القوم) أكل أو شرب أو تعب أو أُحْرِج أو دخل أو خرج أو صلى وصام ،

ودعونا من جوعه وظمئه ونومه وتبوّله وتبرّزه وقيئه وخوفه وقلقه وتردده ودفعه ضريبة الهيكل خوفاً من اليهود… إلى آخر ما يصنع البشر !

وأتساءل : يا إلهى ، ما الذى دفع بالقوم إلى هذه المضايق والمآزق ، وعندهم سَعَةٌ وسيعةٌ فى التوحيد الذى أتى به سيد الأنبياء والمرسلين ؟

كيف يا إلهى يأكل الله ويشرب وينام ويقلق ويدخل ويخرج ويعمل حساباً لهذا ولذاك ويشعر بالحرج… ؟

ما الفرق بين من يؤمن بهذا إذن وبين الوثنيين ؟

_ وبالنسبة لما نسب إليه من قوله عن الزواج والطلاق ، وهو الجواب الذى أجاب به على الفريسيين فى النص التالى :

" 3 ودَنا إلَيهِ بَعضُ الفَرّيسيّينَ وسألوهُ لِـيُحرِجوهُ : " أيَحِلُّ لِلرَّجُلِ أنْ يُطلَّقَ اَمرأتَهُ لأيَّ سَبَبٍ كانَ ؟ " 4 فأجابَهُم : " أما قَرأْتُم أنَّ الخالِقَ مِنَ البَدءِ جعَلَهُما ذكَراً وأُنثى 5 وقالَ : لذلِكَ يَترُكُ الرّجُلُ أباهُ وأُمَّهُ ويَتَّحِدُ باَمرأتَهِ ، فيَصيرُ الاثنانِ جسَداً واحداً ؟ 6 فلا يكونانِ اثنينِ ، بل جسَدٌ واحدٌ . وما جمَعَهُ الله لا يُفرَّقُهُ الإنسانُ " ،

فعند التحليل لا يثبت على المحك رغم ما قد يبدو عليه من مثالية ..

إن الكلام عما جمعه الله فلا يفرقه إنسان هو فى الواقع كلام لا معنى له ، إذ أن الذى يجمع هو الذى يفرق فى الحالين ، وهو الله بمعنى ، والناس بمعنى آخر :

فالواقع أنه ما من شىء إلا ووراءه مشيئة الله ، صغيراً كان ذلك الشىء أو كبيراً ، جليلاً  أو تافهاً ، ومنه الزواج والطلاق .

ثم إنه ما من شىء يحدث فى دنيا العلاقات الاجتماعية إلا كان الناس هم فاعليه ، ومنه الزواج والطلاق أيضاً ..

فالخاطب يذهب لخطبة امرأة وبعد الاتفاق على كل شىء يأتى بالمأذون والطعام والفرقة التى تحيى الليلة… ، وكل هذا عمل بشرى ، وإن كانت وراءه مشيئة الله فى ذات الوقت ، ولولا هذه المشيئة ما تم شىء فى العالم .

لكن ليس معنى المشيئة الإلهية أن الرجل والمرأة ينامان ثم يقومان من النوم فيجدان نفسيهما ملتصقين بغراء إلهى كما يوحى النص . وبالمثل عندما يقع طلاق فإنه ، وإن كان البشر من زوج ومأذون… إلخ هم مُوقِعيه أيضاً ، فإن وراء ذلك مشيئة الله ، ولولا هذه المشيئة ما وقع طلاق .

إذن فمشيئة الله موجودة فى كل الأحوال زواجاً وطلاقاً .

ثم ما الفرق بين الطلاق المرفوض فى النصرانية والطلاق المقبول (لعلة الزنا) ؟

هل نقول أن الله موجود فى الثانى وغير موجود فى الأول ؟ وهل مثل هذا الكلام مما يجوز قوله أصلاً ؟

إن الله لم يجمع الرجل والمرأة بالمعنى الذى يوحى به كلام النص ، بل خلقهم ذكراً وأنثى ، وقد يجتمعان فيكون الاجتماع بالزنا أو بالزواج ، وربما لا يجتمعان كما هو الحال لو ماتا صغيرين لم يبلغا سن الزواج مثلاً ، أو كانا لا مأرب لهما فى الزواج لعلة من العلل النفسية أو البيولوجية ، أو آثرا ملكوت السماء حسبما قال متّى !

الزواج والطلاق إذن عمل اجتماعى تنظمه الشريعة أو القانون .

ولا شك أن هناك ظروفاً كثيرة جداً قد تجعل من الزواج عبئاً على طرفيه أو على طرف واحد ، فلابد حينئذ من مخرج للمتضرر حتى لا تتحول الحياة إلى جحيم .

إن الإسلام ينادى بالصبر والتسامح والتحمل والتجمل حتى لا تغرق السفينة الزوجية ،

لكن ما العمل إذا كان كل من الطرفين أو أحدهما " رأسه وألف برطوشة قديمة " أنهما لابد أن ينفصلا ؟

أنعاند نحن ونقول : ما جمعه الله لا يفرقه إنسان ؟!

لكن الواقع أنه ما من شىء مجموع إلا والله هو الذى جمعه ، أو شىء مفرّق إلا والله هو الذى فرّقه ، والمهم ألا يكون هناك ظلم ، أو على الأقل تنبغى مراعاة الخروج من الموضوع بأدنى درجة من الخسائر وأعلى قدر من المكاسب !

والطلاق فى الإسلام قد رُوعِىَ فيه كل ما قلته هنا ، وهو أفضل الحلول عند تعذر كل الحلول الأخرى ،

أما أن نقسر الطرفين على أن يستمرا فى وضع يرفضانه ولا يجدان فيه سوى الشقاء والعنت بحجة أن ما جمعه الله… إلخ ، فهو استبداد وتعنت ومكابرة تؤدى إلى مزيد من الشقاء بل إلى الكوارث والتعرض لسخط الله ، على الأقل من خلال الزنا ، الذى لن يجد الزوجان الكارهان سبيلاً سواه لإشباع غرائزهما !

وأمامنا العبرة فى الرهبان والراهبات ، ومعروف مدى العفن الذى يرتكسون فيه رغم التعتيم المقصود على ذلك العفن ،

ولا داعى للتفصيل ، فالله أمر بالستر ، وما ستره الله لايصح أن يهتكه إنسان ، يا زيكو يا عابد الخرفان !

والطلاق إذن ليس دائماً سببه قساوة القلب ، بل كثيراً ، وكثيراً جداً ، ما يكون هو الوسيلة الوحيدة للخروج من جحيم الخلاف والتنافر والتعاسة الذى يقاسى ناره الزوجان ويستحيل معه الاستمرار .

ومن هنا فالقاعدة التى تقول : " مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ إلاّ في حالَةِ الزَّنى وتزَوَّجَ غَيرَها زنى " هى تضييق وإعنات وخلط للأمور وهدم لشريعة موسى دون تقديم بديل أفضل أو حتى مساوٍ لما هو موجود فيها .

ثم هى قبل ذلك كله خروج على ما قاله المسيح نفسه فيما نسبه إليه كتاب الأناجيل حين أكد أنه ما جاء لينقض الناموس ، ثم استدار فى التو واللحظة فنقض الناموس ، يا زيكو يا فلحوس ، يا من يعيث فى دبرك السُّوس !

_ وكالعادة نجد أن ما قاله المسيح (أو بالأحرى : ما هو منسوب إليه) فى شأن المال يتسم بما يتسم به كلامه ووصاياه غالباً ،

فقد اشترط على الشاب الغنى أن يتخلص من جميع ما يملك كى يُكْتَب له ملكوت السماوات ، وهو ما استصعبه الحواريون أنفسهم .

والواقع أنه ليس مستصعَباً فحسب ، بل مستحيلاً فى الواقع ، لأنه يصادر غريزة قوية جداً وضاربة بجذورها الحديدية فى أعماق نفوسنا ،

ومن غير المعقول أن يطالبنا الله بالمستحيل ، إذ " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، وإلا لم يكن هذا عدلاً ، حاشاه تعالى عن ذلك ، فهو ليس أهل العدل وحسب ، بل الرحمة والكرم أيضاً .

وفى الإسلام يستطيع الإنسان أن يتصرف ، بعيداً عما سيتركه لذريته ، فى نطاق الثلث ، والثلث كثير كما قال سيد الرسل والأنبياء رغم أن من الصحابة من كان ينفق فى سبيل الله ووجوه الخير ما يتعدى ذلك كثيراً . إلا أن هؤلاء يمثلون الخروج على القاعدة الذى لا يقاس عليه ، على الأقل فى الظروف العادية .

والقول بغير ذلك من شأنه أن يدعو الناس لليأس ويصرفهم عن الإيمان ، بل عن عمل الخير جملة ، وهو ما حدث للشاب فى القصة التالية :

" 16 وأقبَلَ إليهِ شابٌ وقالَ لَه : " أيٌّها المُعَلَّمُ ، ماذا أعمَلُ مِنَ الصَّلاحِ لأنالَ الحَياةَ الأبدِيَّةَ ؟ " فأجابَهُ يَسوعُ : " 17 لِماذا تَسألُني عمّا هوَ صالِـحٌ ؟ لا صالِـحَ إلاّ واحدٌ . إذا أَرَدْتَ أنْ تَدخُلَ الحياةَ فاَعمَلْ بالوصايا " . 18فقالَ لَه : " أيَّ وصايا ؟ " فقالَ يَسوعُ : " لا تَقتُلْ ، لا تَزْنِ ، لا تَسرِقْ ، لا تَشهَدْ بالزٌّورِ ، 19أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ ، أحِبَّ قريبَكَ مِثلما تُحبٌّ نَفسَكَ " . 20فقالَ لَه الشّابُ : " عَمِلتُ بِهذِهِ الوصايا كُلَّها ، فما يَعوزُني ؟ "

21أجابَهُ يَسوعُ : " إذا أردتَ أنْ تكونَ كامِلاً ، فاَذهَبْ وبِـــــعْ ما تملِكُهُ ووَزَّعْ ثمَنَهُ على الفُقراءِ ، فيكونَ لكَ كنزٌ في السَّماواتِ ، وتعالَ اَتْبَعْني ! " 22 فلمّا سَمِعَ الشابُ هذا الكلامَ. مَضى حَزيناً لأنَّهُ كانَ يملِكُ أموالاً كثيرةً . 23وقالَ يَسوعُ لِتلاميذِهِ : " الحقَّ أقولُ لكُم : يَصعُبُ على الغنيَّ أنْ يَدخُلَ مَلكوتَ السَّماواتِ . 24بل أقولُ لكُم : مُرورُ الجمَلِ في ثَقبِ الإبرةِ أسهَلُ مِنْ دُخولِ الغنيَّ مَلكوتَ الله " . 25فتعجَّبَ التَّلاميذُ كثيرًا مِنْ هذا الكلامِ وقالوا : " مَنْ يُمكِنُهُ أنْ يَخلُصَ ، إذًا ؟ " 26فنَظَرَ إلَيهِم يَسوعُ وقالَ لهُم : " هذا شيءٌ غيرُ مُمكنٍ عِندَ النّاسِ ، أمّا عِندَ الله فكُلُّ شيءٍ مُمكِنٌ "

أما فى الإسلام فــ" نِعْمَ المالُ الصالحُ للعبد الصالح " ،

و " إنك إن تَذَرْ ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرَهم عالةً يتكفّفون الناس (أى يسألونهم ويشحذون منهم) . "

كل ما هو مطلوب منك أن تكسبه من حلال ، وتنفقه فى حلال ، وتُخْرِج حق الآخرين فيه ، ولا يستعبدك المال ويطغى على اهتمامك فيفسد روحك ، وقد يدمر إنسانيتك .

إن بعض الناس يعشقون الكلام الكبير الذى لا يُؤَكّل عيشاً ، وهؤلاء عبيد شقشقة اللسان ، فدعهم بشقشقتهم يتصايحون !

إن المال نعمة من نعم الله ، فكيف يراد لنا النظر إليه على أنه رجس من عمل الشيطان ؟

_ وكالعادة أيضاً نرى السيد المسيح (طبقاً لما يروى لنا كتّاب الأناجيل) يغالى أشد مغالاة فى حديثه عن مصير التلاميذ ..

لقد أعطاهم سلطاناً على الأمراض والشياطين التى تسكن الأجساد ، وقال لهم إن ما يَحُلّونه هنا على الأرض سيكون محلولاً فى السماء ، وما يربطونه سيكون مربوطاً فى السماء ،

لكنه انقلب عليهم أكثر من مرة فنعتهم بقلة الإيمان بل بانعدامه تماماً ، ووصف بطرس بأنه شيطان ومعوِّق عن المهمة التى نزل من السماء لأدائها تبعاً لما يزعمه القوم !!

ثم ها نحن نسمعه هنا يَعِدُهم بالجلوس على العروش فى الملكوت ليحاكموا بنى إسرائيل ، مسنداً إليهم خصيصة من خصائص الألوهية التى لا يمكن عيسى ولا مليون واحد كعيسى عليه السلام أن يدّعيها ، فضلاً عن أن يستولى عليها :

"وقالَ لَه بُطرُسُ :  " 27 ها نَحنُ تَركْنا كُلَ شيءٍ وتَبِعْناكَ ، فماذا يكونُ نَصيبُنا ؟ "

28 فأجابَ يَسوعُ : " الحقَّ أقولُ لكُم: متى جلَسَ اَبنُ الإنسانِ على عَرشِ مَجدِهِ عِندَ تَجديدِ كُلٌ شيءٍ ، تَجلِسونَ أنتُم الَّذينَ تَبِعوني على اَثني عشَرَ عَرشاً لتَدينوا عَشائرَ إِسرائيلَ الاثني عشَرَ. 29وكُلُّ مَنْ ترَكَ بـيوتاً ، أو إخوَةً أو أخواتٍ ، أو أباً ، أو أُماً ، أو أبناءً ، أو حُقولاً مِنْ أجلِ اَسمي ، يَنالُ مِئةَ ضِعفٍ ويَرِثُ الحياةَ الأبديَّةَ . 30وكثيرٌ مِنَ الأوَّلينَ يَصيرونَ آخِرينَ ، ومِنَ الآخِرينَ يَصيرونَ أوَّلينَ "

إن عيسى وموسى ومحمداً وسائر الأنبياء والرسل ما هم إلا عباد له جل وعلا ، لا يملكون يوم القيامة لأنفسهم ، فضلاً عن غيرهم ، شيئاً ، إلا إذا شاء الله لأحد منهم أن يشفع لبعض المؤمنين الذى ربما تكون أعمالهم الصالحة قد قصّرت بهم :

" ما مِنْ شفيعٍ إلا مِنْ بعد إذنه " (يونس/ 3) ،

" يَوْمَئِذٍ َلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً " (طه/ 109)

أما الجلوس على العرش فتلك مرتبة لا يبلغها بشر أو مَلَك ، إذ العرش إنما هو لله فقط :

" الرحمن على العرش استوى " (طه/ 5) ،

وكل كلام غير هذا لا معنى له ، وإن كنا لا نصادر من يريد ترديده رغم مخالفته لمقتضيات الألوهية .

وبالمناسبة فإن الميزة التى أسبغها المسيح على التلاميذ تدل من ناحية أخرى على أن دعوته مقصورة على بنى إسرائيل ، إذ إن التلاميذ سوف يدينون العشائر الإسرائيلية الاثنى عشر فقط .

ولقد سمعناها صريحة من فمه قبل ذلك حينما رد على المرأة الكنعانية التى ابتهلت إليه أن يشفى ابنها بأنه إنما بُعِث لخراف بنى إسرائيل الضالة .

وصدق الله العظيم إذ يقول :

" إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (48)

 وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)

وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) " (آل عمران) ،

" وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ,

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ " (الصف/ 6) .

_ الفصل العشرون :

مثل العمّال في الكرم :

" فمَلكوتُ السَّماواتِ كمَثَلِ صاحِبِ كَرْمِ خرَجَ معَ الفَجْرِ ليَسْتأجِرَ عُمّالاً لِكرمِهِ . 2فاَتفَقَ معَ العُمّالِ على دينارٍ في اليومِ وأرْسلَهُم إلى كرمِهِ . 3ثُمَّ خرَجَ نحوَ السّاعةِ التّاسِعةِ ، فرأى عُمّالاً آخرينَ واقِفين في السّاحَةِ بطّالينَ . 4فقالَ لهُم : اَذهبوا أنتُمْ أيضًا إلى كَرمي ، وسأُعطيكُم ما يَحقٌّ لكُم ، 5فذَهبوا . وخرَجَ أيضًا نحوَ الظٌّهرِ ، ثُمَّ نحوَ السّاعةِ الثّالِثةِ ، وعمِلَ الشّيءَ نفسَهُ . 6وخرَجَ نحوَ الخامِسَةِ مساءً ، فلَقيَ عُمّالاً آخرينَ واقفينَ هُناكَ ، فقالَ لهُم : ما لكُم واقفينَ هُنا كُلَ النَّهارِ بطّالينَ ؟ 7قالوا لَه : ما اَستأجَرَنا أحدٌ. قالَ لهُم : اَذهبوا أنتُم أيضًا إلى كرمي .

8 ولمّا جاءَ المساءُ ، قالَ صاحِبُ الكرمِ لوكيلِهِ : أُدْعُ العُمّالَ كُلَّهُم واَدفَعْ لهُم أجورَهُم، مُبتدِئًا بالآخِرينَ حتَّ ? تَصِلَ إلى الأوَّلينَ . 9فجاءَ الَّذينَ اَستَأْجَرَهُم في الخامِسةِ مساءً وأخَذَ كُلُّ واحدٍ منهُم ديناراً . 10فلمّا جاءَ الأوَّلونَ ، ظَنّوا أنَّهُم سيأخُذونَ زِيادةً ، فأخَذوا هُمْ أيضاً ديناراً لِكُلٌ واحدٍ مِنهُم . 11وكانوا يَأْخُذونَهُ وهُمْ يَتذمَّرونَ على صاحِبِ الكرمِ ، 12فيقولونَ : هَؤُلاءِ الآخِرونَ عَمِلوا ساعةً واحدةً ، فساوَيْتَهُم بِنا نَحنُ الَّذينَ اَحتمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وحَرَّهُ . 13فأجابَ صاحِبُ الكرمِ واحدًا مِنهُم : يا صديقي ، أنا ما ظَلَمتُكَ . أما اَتَّفَقْتُ معَكَ على دينارٍ ؟ 14خُذْ حَقَّكَ واَنصرِفْ . فهذا الَّذي جاءَ في الآخِرِ أُريدُ أنْ أُعطيَهُ مِثلَكَ، 15أما يَجوزُ لي أنْ أتصرَّفَ بِمالي كيفَما أُريدُ ؟ أم أنتَ حسودٌ لأنَّي أنا كَريمٌ ؟ "

16 وقالَ يَسوعُ : " هكذا يَصيرُ الآخِرونَ أوَّلينَ، والأوَّلونَ آخِرينَ " .

يسوع ينبـئ مرّة ثالثة بموته وقيامته :

17 وكانَ يَسوعُ صاعداً إلى أُورُشليمَ ، فأخذَ التَّلاميذَ الاثني عشَرَ على اَنفِرادٍ ، وقالَ لهُم في الطَّريقِ : 18" ها نَحنُ صاعِدونَ إلى أُورُشليمَ ، وسَيُسلَّمُ اَبنُ الإنسانِ إلى رُؤساءِ الكَهنَةِ ومُعلَّمي الشَّريعةِ ، فيَحكمونَ علَيهِ بالموتِ 19ويُسلَّمونَهُ إلى أيدي الغُرباءِ ، فيَستهزِئونَ بِه ويجلِدونَهُ ويَصلِبونَهُ، وفي اليومِ الثّالثِ يقومُ " .

طلب أم يعقوب ويوحنا :

20 وجاءَت إلَيهِ أمٌّ يَعقوبَ ويوحنّا اَبنَي زَبدي ومَعَها اَبناها ، وسَجَدَت لَه تَطلُبُ مِنهُ حاجةً . 21فقالَ لها : " ماذا تُريدينَ ؟ " قالَت : " مُرْ أنْ يَجلِسَ اَبنايَ هذانِ ، واحدٌ عَنْ يمينِكَ وواحدٌ عَنْ شَمالِكَ في مَمْلكتِكَ " .

22 فأجابَ يَسوعُ : " أنتُما لا تعرفانِ ما تَطلُبانِ. أتقْدِرانِ أنْ تَشرَبا الكأسَ التي سأشرَبُها ؟ " قالا لَه: " نَقدِرُ ! " 23فقالَ لهُما : " نعم ، ستَشرَبانِ كَأسي ، وأمّا الجُلوسُ عَنْ يَميني وعَنْ شَمالي فَلا يَحِقٌّ لي أنْ أُعطيَهُ ، لأنَّهُ للَّذينَ هيَّأَهُ لهُم أبـي " .

24 ولمّا سمِعَ التَّلاميذُ العَشَرَةُ ، غَضِبوا على الأخوَينِ . 25فدعاهُمْ يَسوعُ إلَيهِ وقالَ لهُم : " تَعلَمونَ أنَّ رُؤساءَ الأُممِ يَسودونَها ، وأنَّ عُظماءَها يتَسلَّطونَ علَيها ، 26فلا يكُنْ هذا فيكُم . بلْ مَنْ أرادَ أنْ يكونَ عَظيماً فيكُم ، فلْيكُنْ لكُم خادِماً . 27ومَنْ أرادَ أنْ يكونَ الأوَّلَ فيكُم ، فلَيكُنْ لكُم عَبداً : 28هكذا اَبنُ الإنسانِ جاءَ لا ليَخدِمَهُ النّاسُ ، بلْ ليخدِمَهُم ويَفدي بحياتِهِ كثيرًا منهُم " .

يسوع يشفي أعميـين :

29وبَينَما هُم خارِجونَ مِنْ أريحا ، تَبِعَت يَسوعَ جُموعٌ كبـيرةٌ . 30وسَمِعَ أعمَيانِ جالسانِ على جانِبِ الطَّريقِ أنَّ يَسوعَ يمُرٌّ مِنْ هُناكَ ، فأخذا يَصيحان : " اَرحمنا يا سيَّدُ، يا اَبنَ داودَ ! "

31فاَنتَهَرَتْهُما الجُموعُ ليَسكُتا. لكنَّهُما صاحا بصوتٍ أعلى : " اَرحَمْنا ، يا سيَّدُ ، يا اَبنَ داودَ ! " 32فوقفَ يَسوعُ وناداهُما وقالَ لهُما : " ماذا تُريدانِ أنْ أعمَلَ لكُما ؟ " 33أجابا : " أنْ تَفتَحَ أعيُنَنا ، يا سيَّدُ ! " 34فأشفقَ يَسوعُ علَيهِما ولَمَسَ أعيُنَهُما ، فأبصرا في الحالِ وتَبِعاهُ "

التعليق :

_ المسألة الأولى التى بدأ بها هذا الفصل تبدو وكأنها تريد أن تقول إن الجزاء الإلهى لا يقوم عى أساس مفهوم أو عادل ، بل على نزوة أو استبداد على اعتبار أنه سبحانه وتعالى " لا يُسأَل عما يفعل "

ولا أحب ، قبل أن أمضى لمناقشة هذه الفكرة ، أن يفهم أحد أنى أعترض على أنه سبحانه وتعالى " لا يُسْأَل عما يفعل " فعلاً ، فمن أنا أو أى مخلوق حتى نعترض أو لا نعترض ؟

إنه فعلاً وحقاً وصدقاً " لا يُسْأَل عما يفعل " ، وإلا فأَرُونى من استطاع أن يعقِّب على ما يقول وبلغ شيئاً سوى ما يريده الله فى ملكه .

على أن هذا لا يعنى أنه لا توجد فى الدنيا أشياء غير مفهومة ، فما أكثر الأشياء التى لا نستطيع لها فهماً ولا تعليلاً ولا نصل فيها إلى وجه الحكمة ! ومن يَقُلْ بغير ذلك يكن من المدلسين .

إلا أنه لابد أيضاً من إضافة القول بأن هناك عناصر كثيرة فى الصورة غائبة عن أعيننا وعقولنا بل خارج نطاق قدرتنا تماماً على الإدراك والتصور ، مما من شأنه أن يجعل الحكم فى هذه المسألة صعباً بل مستحيلاً .

ومن ثم فإذا أردنا أن نكون منصفين وعاقلين فلْنُقِرّ أننا لا نقدر على إصدار حكم فى تلك القضية ، فذاك أدعى إلى أن نريح ونستريح ، وإن كان لابد من القول كذلك إن هذا لن يمنع الشعور بالقلق والحيرة إزاء كثير من أمور الحياة .

أترانى أريد أن أقول إن على الإنسان أن يسكت فلا يفتح فمه ولا يفكر ولا يحاول البحث عن باب أو نافذة أو حتى كُوّة أو ثَقْب حتى لو  كان هذا الثقب ثقب إبرة ؟

أبداً والله لم أقل هذا ولا خطر لى ببال ،

وإنما أردت أن أقول إن علينا أن نعرف قدراتنا وحدودنا ، فإذا أردنا أن نتناول مثل هذه المسائل فلنتناولها بروح التواضع ولنعرف أننا نخوض محيطاً عميق القرار مهلكاً فنبقى بقدر الإمكان بجوار الشط إلى أن نطمئن إلى مقدرتنا على السباحة فى هذه المنطقة قبل أن ننطلق إلى منطقة أبعد قليلاً ،

وإن كنت  شخصياً لا أعتقد أن أحداً سوف يصل فى الأسئلة الكبرى إلى شىء نافع ، فقد تتالت الأجيال وكَتَبَ الكاتبون وفَكَّر الفلاسفة والمفكرون ، والحيرة هى الحيرة ،

ولا شىء أنجح من الإيمان بأن هناك ربّاً وأن قدراتنا محدودة جداً جداً جداً… ، وأن ثمة عالماً آخر سوف يعوضنا فيه الله عما نشعر أننا لم ننل فيه ما كان يمكننا أن نناله هنا على الأرض .

وقد جرب العبد لله مرات ومرات ووصلت إلى ما ظننته حلولاً حاسمة ، لكننى كنت أكتشف بعد قليل أن هناك فيما أقمته من أبنية فكرية ثغرات كثيرة لم تظهر لى للوهلة الأولى ، لكنها بدت عند المراجعة والمقارنة والصدق مع النفس رغم أنها تبدو لى مع هذا أفضل من كثير من المطروح فى الساحة

لكننى أرجع فأقول لنفسى : ومن أدراك يا فلان أن غيرك لا يرى مخلصاً أن ما بلغه هو أيضاً أفضل من كثير من المطروح فى الساحة ؟

وهكذا أستمر فى الحوار مع نفسى إلى أن أنهى الكلام بالقول بأنى مسؤول فقط عما أعتقد مخلصاً أنه هو الصواب أو الأقرب للصواب ، وأن الله سوف يحاسبنى على مدى جهدى وإخلاصى ، ومن ثم يتعين علىّ فى كل فرصة تسنح لى أن أراجع ما فى يدى كى أطمئن أننى لم أَجُرْ عن الطريق !

فهذا ما أتصور أن المسيح يقصده ، وإلا فليسامحنى الذى بعثه ! ،

بعبارة أخرى أن يقول إن لك ألا تُظْلَم فيما ستأخذ من أجر ، أما ما يأخذه الآخرون فلا شأن لك به لأن هناك عوامل ومعايير كثيرة غائبة عن عقلك وميزانك ، لا أن الله لن يراعى أية معايير أو قواعد ، إلا أن هذه القواعد هو الذى وضعها ولم يفرضها أحد ، وهو وحده الذى يعرف كيف يزن وكيف يحاسب وكيف يعطى وكيف يحرم ، وهذا كل ما هنالك ،

ولعلى لم أخطئ الفهم أو التعبير ، وإلا فإنى مُبْدٍ ندمى واعتذارى من الآن !

مثلاً هل يمكن أن يكون الحساب واحداً لشخصين أحدهما تربى فى بيت علم وفضل وأخلاق ، والثانى فى بيت رقص وبغاء ؟ أو أن يكون الحساب واحداً للذكى والغبى على السواء ؟

أو أن يؤاخَذ العصبى الشديد الانفعال بما يؤاخَذ به الوقور الهادئ الذى تربى منذ صغره على التحكم فى مشاعره وعواطفه ووزن كل شىء بهدوء قبل اتخاذ أى قرار ؟

أو أن يُنْظَر بنفس العين للغنى الشبعان وللفقير المحروم الجوعان العريان ؟

أو أن يعامَل المريض بنفس المعاملة التى يعامَلها القوى الصحيح ؟…إلخ .

لكن من الذى يبت فى ذلك كله ؟

إنه الله لا محمّد ولا المسيح ولا الصحابة ولا الحواريون ، فهؤلاء كلهم إنما هم عباد الله لا شركاؤه ، وهم أول من يعرف هذا ، ولا يمكن أن يكون قد دار فى خاطر أى منهم شىء آخر غير الذى نقول

قال تعالى عن عبده ورسوله محمد :

" لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (آل عمران/ 129) ،

وقال عن عبده ورسوله عيسى بن مريم :

" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟

قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ , إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ *

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ , فَلَمَّا تَوَفيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (المائدة/ 116- 118) .

نفس الكلام هنا وهناك : كلاهما عبد ورسول لله لا يحق له أن يتخطى الحدود ، وليس فى الأمر هزل ، بل هو الجِدّ كل الجِدّ ، ولا مكان  فيه للوثنيات والتطاول على مقام الألوهية تحت أى مسمّى أو ستار !

_ جاء فى الفصل الذى بين يدينا الكلام الآتى المنسوب لعيسى عليه السلام :

" فمَلكوتُ السَّماواتِ كمَثَلِ صاحِبِ كَرْمِ خرَجَ معَ الفَجْرِ ليَسْتأجِرَ عُمّالاً لِكرمِهِ . 2فاَتفَقَ معَ العُمّالِ على دينارٍ في اليومِ وأرْسلَهُم إلى كرمِهِ . 3ثُمَّ خرَجَ نحوَ السّاعةِ التّاسِعةِ ، فرأى عُمّالاً آخرينَ واقِفين في السّاحَةِ بطّالينَ . 4فقالَ لهُم : اَذهبوا أنتُمْ أيضاً إلى كَرمي ، وسأُعطيكُم ما يَحقٌّ لكُم ، 5فذَهبوا . وخرَجَ أيضاً نحوَ الظٌّهرِ ، ثُمَّ نحوَ السّاعةِ الثّالِثةِ ، وعمِلَ الشّيءَ نفسَهُ . 6وخرَجَ نحوَ الخامِسَةِ مساءً ، فلَقيَ عُمّالاً آخرينَ واقفينَ هُناكَ ، فقالَ لهُم : ما لكُم واقفينَ هُنا كُلَ النَّهارِ بطّالينَ ؟ 7قالوا لَه : ما اَستأجَرَنا أحدٌ . قالَ لهُم : اَذهبوا أنتُم أيضاً إلى كرمي .

8ولمّا جاءَ المساءُ ، قالَ صاحِبُ الكرمِ لوكيلِهِ : أُدْعُ العُمّالَ كُلَّهُم واَدفَعْ لهُم أجورَهُم ، مُبتدِئاً بالآخِرينَ حتَّى تَصِلَ إلى الأوَّلينَ . 9فجاءَ الَّذينَ اَستَأْجَرَهُم في الخامِسةِ مساءً وأخَذَ كُلُّ واحدٍ منهُم ديناراً . 10فلمّا جاءَ الأوَّلونَ ، ظَنّوا أنَّهُم سيأخُذونَ زِيادةً ، فأخَذوا هُمْ أيضًا ديناراً لِكُلٌ واحدٍ مِنهُم . 11وكانوا يَأْخُذونَهُ وهُمْ يَتذمَّرونَ على صاحِبِ الكرمِ ، 12فيقولونَ : هَؤُلاءِ الآخِرونَ عَمِلوا ساعةً واحدةً ، فساوَيْتَهُم بِنا نَحنُ الَّذينَ اَحتمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وحَرَّهُ . 13فأجابَ صاحِبُ الكرمِ واحدًا مِنهُم : يا صديقي ، أنا ما ظَلَمتُكَ. أما اَتَّفَقْتُ معَكَ على دينارٍ ؟ 14خُذْ حَقَّكَ واَنصرِفْ. فهذا الَّذي جاءَ في الآخِرِ أُريدُ أنْ أُعطيَهُ مِثلَكَ ، 15أما يَجوزُ لي أنْ أتصرَّفَ بِمالي كيفَما أُريدُ ؟ أم أنتَ حسودٌ لأنَّي أنا كَريمٌ ؟ " 16وقالَ يَسوعُ : " هكذا يَصيرُ الآخِرونَ أوَّلينَ ، والأوَّلونَ آخِرينَ "

صحيح ، هل ظلمك صاحب الكَرْم يا صديقه ؟ أم تراك تحسد زميلك لأن صاحب الكَرْم قد أكرمه ؟

ومن أنت حتى تنصّب من نفسك رباً إلهاً ، أو على الأقل معقّباً ومستدركاً على الرب الإله ؟

لا إله إلا الله ! والله إنك إن لمن الغبيّين ! ‏

وعن ‏جندب ‏أن " رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حَدَّثَ ‏‏أن رجلاً قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وأن الله تعالى قال :

من ذا الذي ‏‏ يتأَلَّى عليّ ألاّ أغفر لفلان ؟ فإني قد غفرتُ لفلان ، وأحبطتُ عملك . ‏أو كما قال " .

_ ثم نأتى للصلب والقتل ، والمسلمون لا يؤمنون بشىء من هذا : فلا خطيئة بشرية قد بقيت طوال تلك الأحقاب دون بَت فيها ، ولا عيسى قد أتى لتكفيرها ولا هو صُلِب وقُتِل ،

بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزاً حكيماً .

أما الكلام الذى يلى ذلك فهو يبعث على الابتسام من أحوال الطبيعة البشرية ، إذ يبدو الأمر وكأننا فى مجلس توزيع تركة من التركات : فهذا الحوارى يطالب بزيادة نصيبه من الميراث لأنه كذا وكذا ، وهؤلاء الحواريون الآخرون يغضبون لأنهم يَرَوْن أنهم بهذه الطريقة سيفقدون ما يعتقدون أنه حق من حقوقهم !

وهناك شىء عندنا مشابه لذلك الموقف ، ولكن من بعيد : عن ‏ ‏عبد الله بن مسعود ‏أنه قال :

" ‏تحدثنا ليلة عند رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏حتى أكرينا ‏الحديث ، ثم رجعنا إلى أهلنا ، فلما أصبحنا ‏غدونا ‏على رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏فقال :

عُرِضَتْ عليَّ الأنبياء بأممها وأتباعها من أممها ، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة من أمته ، والنبي معه ‏ ‏العصابة ‏من أمته ، والنبي معه ‏ ‏النفر ‏من أمته ، والنبي معه الرجل من أمت ، والنبي ما معه أحد ،

حتى مر عليَّ ‏ ‏موسى بن عمران ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏في ‏‏كبكبة ‏‏من  ‏بني إسرائيل .‏ ‏فلما رأيتهم أعجبوني قلت : يا رب ، من هؤلاء ؟

فقال : ‏هذا أخوك ‏ ‏موسى بن عمران ‏ ‏ومن معه من ‏ ‏بني إسرائيل . ‏

‏قلت: يا رب ، فأين أمتي ؟

قال: انظر عن يمينك . فإذا ‏ ‏الظِّرَابُ ،‏ ‏ظرابُ ‏مكة ، ‏ ‏قد سُدّ بوجوه الرجال .

قلت: من هؤلاء يا رب ؟

قال : أمتك .

قلت : رضيت ربِّ .

قال: أرضيت ؟

قلت : نعم .

قال : انظر عن يسارك .

قال : فنظرت ، فإذا ‏ ‏الأفق ‏ ‏قد سُدّ بوجوه الرجال .

فقال : رضيت ؟

قلت : رضيت .

قيل: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة لا حساب لهم .‏

‏فأنشأ ‏‏عكاشة بن محصن ‏ ‏أحد ‏ ‏بني أسد بن خزيمة ‏فقال : يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم .

فقال : اللهم اجعله منهم .

ثم ‏ ‏أنشأ ‏ ‏رجل آخر فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم .

قال: سبقك بها عكاشة‏

فأما وجه الشبه بين القصتين فواضح ،

وأما وجه البُعْد ففى أن الرسول لم يقل إن الرجل الأول سوف يدخل الجنة . ليس ذلك فقط ، بل إن ذلك الصحابى لم يطلبها بل لم يدر فى خاطره أن يفعل . ذلك أن محمداً قد غرس فى نفوسهم المعنى الصحيح للعبودية والربوبية ، فكان كل شىء واضحاً فى نفوسهم وعقولهم ولم تختلط عليهم المفاهيم .

كذلك فأقصى ما قاله الرسول الكريم أن عكاشة قد سبق زميله بها . ولنلاحظ أن المقصود ليس أن عكاشة قد سبقه بالجنة ، بل بالدعوة فحسب .

ولعل هذا التوضيح يكون قد جلَّى الفرق بين الموقفين ، وكذلك بين الصحابة والحواريين ، وهذا إن كان لنا أن نعتمد على ما قاله مَتَّى ، وهذا هو السبب فى أن الصحابيين لم يختلفا حول الأمر ، بل تقبل كل منهما ما قال الرسول رغم حرص كل منهما على الفوز بالجنة .

ومن هنا لم نشاهد ولم نسمع شيئاً مثل الذى دار فى مجلس المسيح بين التلاميذ والأخوين : يعقوب ويوحنا ابن زبدى :

" 24 ولمّا سمِعَ التَّلاميذُ العَشَرَةُ ، غَضِبوا على الأخوَينِ . 25 فدعاهُمْ يَسوعُ إلَيهِ وقالَ لهُم : " تَعلَمونَ أنَّ رُؤساءَ الأُممِ يَسودونَها ،  وأنَّ عُظماءَها يتَسلَّطونَ علَيها ، 26 فلا يكُنْ هذا فيكُم . بلْ مَنْ أرادَ أنْ يكونَ عَظيماً فيكُم ، فلْيكُنْ لكُم خادِماً .

27ومَنْ أرادَ أنْ يكونَ الأوَّلَ فيكُم ، فلَيكُنْ لكُم عَبداً : 28 هكذا اَبنُ الإنسانِ جاءَ لا ليَخدِمَهُ النّاسُ ، بلْ ليخدِمَهُم ويَفدي بحياتِهِ كثيراً منهُم " ،

وهو ما يذكّرنى بما يفعله بعض المسلمين عند الكعبة إذ تراهم يزاحمون الآخرين بمناكبهم فى منتهى الخشونة ويدفعونهم بعيداً عن الحجر الأسود كى يفوزوا بلمسه وتقبيله ،

وكأن المسألة هى مجرد اللمس والتقبيل وليس الإخبات والتقوى والتعامل الرقيق مع الآخرين ،

مع أن الرسول قد نهى الأقوياء عن مثل هذه المزاحمة وآثر لهم الاكتفاء بالإيماء للحجر من بعيد .

والطريف أن الحواريين قد وقعوا فيما كان قد حذر منه السيد المسيح لتوه ، إذ نهانا عن حسد من يعطيه الله من فضله حتى لو قام فى وهمنا أنه يسوّيه بنا فيما نرى أنه لا يصلح فيه التسوية .

فالحمد لله أنهم لم يجلسوا على عرش الملكوت ويحاسبونا كما تقول الأسطورة النصرانية ، وإلا " رُحْنا فى أبى نِكْلَة " من زمان على يد أولئك العصبيين الذين لا صبر ولا تفاهم لديهم ، وليس عندهم شىء من رحمة الله وسَعَة إمهاله ، والذين كانوا كفيلين بــ" طربقة " الدنيا على دماغنا من أول غلطة !

ومرة أخرى نرى البشر يكرهون أن تنال الرحمة سواهم ، فها هى ذى الجموع تضيق باستغاثة الأعميين ورغبتهما فى استعادة النظر وتنهرهما آمرة إياهما بالسكوت ، وكأنها حريصة على عدم إزعاج السيد المسيح ، مع أنه سبق لكثير منهم أن نال الشفاء على يد المسيح عليه السلام وأزعجوه كما يزعجه هذان ، وكان أحرى بهم أن يأخذوا بناصر هذين المسكينين .

لكن لا ، فقد حصلوا على ما يريدون وانتهى الأمر بالنسبة لهم ، وليذهب الباقون إلى الجحيم ! إنها الطبيعة البشرية فى عُرْيها دون تجمل .

والعجيب أن الذى فعل هذا هم الضعفاء الأشقياء الذين يشبهون الأعميين العاجزين :

" 29 وبَينَما هُم خارِجونَ مِنْ أريحا ، تَبِعَت يَسوعَ جُموعٌ كبـيرةٌ . 30 وسَمِعَ أعمَيانِ جالسانِ على جانِبِ الطَّريقِ أنَّ يَسوعَ يمُرٌّ مِنْ هُناكَ ، فأخذا يَصيحان : " اَرحمنا يا سيَّدُ، يا اَبنَ داودَ ! "

31 فاَنتَهَرَتْهُما الجُموعُ ليَسكُتا . لكنَّهُما صاحا بصوتٍ أعلى : " اَرحَمْنا ،  يا سيَّدُ ، يا اَبنَ داودَ ! " 32 فوقفَ يَسوعُ وناداهُما وقالَ لهُما : " ماذا تُريدانِ أنْ أعمَلَ لكُما ؟ " 33 أجابا : " أنْ تَفتَحَ أعيُنَنا ، يا سيَّدُ ! " 34 فأشفقَ يَسوعُ علَيهِما ولَمَسَ أعيُنَهُما ، فأبصرا في الحالِ وتَبِعاهُ " .

آه لو عاش المسيح إلى الأبد يشفى المساكين ويبرئ كل الكُمْه والبُرْص ويحيى الموتى بقدرة الله سبحانه وتعالى فلا يكون هناك مرض ولا شقاء ولا موت !

لكن عيسى نفسه قد عانى وقَلِقَ وخاف وترك الدنيا كلها ومضى لربه ، فكيف إذن يتصور واحد مثلى (المفروض أنه عاقل) أن ذلك ممكن ؟

يا أخى أنا أقول : مثلاً ! أتراك خسرت شيئاً ؟ دعنا إذن نحلم ، الله لا يسوؤك !

وقبل أن نمضى للفصل التالى ينبغى ألا يفوتنا ما نادى الأعميان به عيسى بن مريم، وهو : " يا ابن داود " ! وقد سلف منا القول إن اسم " عيسى بن مريم " أفضل من ذلك لأنه أكثر مباشرة .

الفصل الحادى والعشرون :

يسوع يدخل أورشليم :

" ولمّا قَرُبوا مِنْ أُورُشليمَ ووَصَلوا إلى بَيتِ فاجي عِندَ جبَلِ الزَّيتونِ ، أرسَلَ يَسوعُ اَثنَينِ مِنْ تلاميذِهِ ، 2وقالَ لهُما : " اَذهَبا إلى القريةِ التي أمامكُما ، تَجِدا أتاناً مربوطةً وجَحشُها مَعها ، فحُلاَّ رِباطَهُما وجيئا بِهِما إليَّ . 3وإنْ قالَ لكُما أحدٌ شيئاً ، فأجيبا : " السيَّدُ مُحتاجٌ إلَيهِما ، وسيُعيدُهُما في الحالِ " .

4 وكانَ هذا لِـيَــتِمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ : 5 ." قولوا لابنَةِ صِهيونَ : ها هوَ مَلِكُكِ قادِمٌ إلَيكِ وديعاً راكِباً على أتانٍ وجَحشٍ اَبنِ أتانٍ " .

6 فذهَبَ التَّلميذانِ وفَعَلا ما أمرَهُما بِه يَسوعُ 7وجاءا بالأتانِ والجَحشِ. ثُمَّ وضَعا علَيهِما ثَوبَيْهِما ، فركِبَ يَسوعُ . 8وبَسَطَ كثيرٌ مِنَ النّاسِ ثيابَهُم على الطَّريقِ ، وقطَعَ آخَرونَ أغصانَ الشَّجرِ وفَرَشوا بِها الطريقَ . 9وكانَتِ الجُموعُ التي تتَقَدَّمُ يَسوعَ والتي تَتْبَعُهُ تَهتِفُ :  " المَجْدُ لاَبنِ داودَ ! تبارَكَ الآتي بِاَسمِ الرَّبَّ ! المجدُ في العُلى ! "

10ولمّا دخَلَ يَسوعُ أُورُشليمَ ضَجّتِ المدينةُ كُلٌّها وسألَتْ : " مَنْ هذا ؟ " 11فأجابَتِ الجُموعُ : " هذا هوَ النَّبـيٌّ يَسوعُ مِنْ ناصرةِ الجليلِ " .

يسوع يطرد الباعة من الهيكل :

12 . ودخَلَ يَسوعُ الهَيكلَ وطرَدَ جميعَ الَّذينَ يَبـيعونَ ويَشتَرونَ فيهِ ، فقَلَبَ مناضِدَ الصَّيارِفَةِ ومَقاعِدَ باعَةِ الحَمامِ ، 13وقال لهُم : " جاءَ في الكِتابِ : بَيتي بَيتُ الصَّلاةِ، وأنتُم جَعَلْتُموهُ مغارَةَ لُصوصٍ ! "

14 وجاءَ إلَيهِ العُرجُ والعُميانُ وهوَ في الهَيكلِ فشَفاهُم . 15فغَضِبَ رُؤساءُ الكَهنَةِ ومُعلَّمو الشَّريعةِ عِندَما رَأَوا المُعْجزاتِ التي صَنَعَها ، وغاظَهُم هُتافُ الأولادِ في الهَيكَلِ : " المجدُ لاَبنِ  داودَ ! " 16فقالوا لَه : " أتَسمَعُ ما يَقولُ هؤُلاءِ ؟ " فأجابَهُم : " نعم ، أما قرأتُم هذِهِ الآيةَ : مِنْ أفواهِ الصَّغارِ والأطفالِ أخرَجْتَ كلامَ الحمدِ ؟ " 17ثُمَّ تَركَهُم وخرَجَ مِنَ المدينةِ إلى بَيتِ عَنيا وباتَ فيها .

يسوع يلعن شجرة التين : 

18 وبَينَما هوَ راجِـــعٌ إلى المدينةِ في الصَّباحِ ، أحَسَّ بالجوع 19فَجاءَ إلى شَجرَةِ تِـينٍ رَآها على جانِبِ الطَّريقِ ، فما وجَدَ علَيها غَيرَ الوَرقِ. فقالَ لها : " لن تُثمِري إلى الأبدِ ! " فيَبِسَتِ التّينةُ في الحالِ .

20 ورأى التَّلاميذُ ما جرى، فتَعجَّبوا وقالوا : " كيفَ يَبِسَتِ التّينةُ في الحالِ ? " 21فأجابَهُم يَسوعُ : " الحقَّ أقولُ لكُم : لو كُنتُم تؤمنونَ ولا تَشُكٌّونَ ، لَفعَلْتُم بِهذِهِ التّينةِ مِثلَما فعَلتُ ، لا بلْ كُنتُم إذا قُلتُم لِهذا الجبَلِ : قُمْ واَنطَرِحْ في البحرِ، يكونُ لكُم ذلِكَ . 22فكُلُّ شيءٍ تَطلُبونَهُ وأنتُم تُصلٌّونَ بإيمانٍ، تنالونَهُ " .

السلطة المعطاة ليسوع :

23 ودخَلَ يَسوعُ الهَيكلَ . وبَينَما هوَ يُعَلَّمُ ، جاءَ إلَيهِ رؤَساءُ الكَهنَةِ وشُيوخُ الشَّعبِ وقالوا لَه : " بأيَّةِ سُلطَةٍ تَعمَلُ هذِهِ الأعمالَ؟ ومَنْ أعطاكَ هذِهِ السٌّلطَةَ ؟ "

24 فأجابَهُم يَسوعُ : " وأنا أسألُكُم سُؤالاً واحداً ، إن أجَبْتُموني عَنهُ ، قُلْتُ لكُم بأيَّةِ سُلطَةٍ أعمَلُ هذِهِ الأعمالَ : 25مِنْ أينَ ليوحنّا سُلطةُ المَعمودِيَّةِ ؟ مِنَ السَّماءِ أمْ مِنَ النّاسِ ? "

فقالوا في أنفُسِهِم : " إنْ قُلنا مِنَ الله، يُجيبُنا : فلِماذا ما آمنتُم بِه ؟ 26وإنْ قُلنا مِنَ النّاسِ، نَخافُ الشَّعبَ ، لأنَّهُم كُلَّهم يَعُدٌّون يوحنّا نبـياً " . 27فأجابوا يَسوعَ : " لا نَعرِفُ " . فقالَ لهُم : " وأنا لا أقولُ لكُم بأيَّةِ سُلطَةٍ أعمَلُ هذِهِ الأعمالَ " .

مثل الاِبنينِ :

28 وقالَ يَسوعُ : " ما رأيُكُم ؟ كانَ لِرَجُلٍ اَبنانِ . فجاءَ إلى الأوَّل وقالَ لَه : يا اَبني ، اَذهَبِ اليومَ واَعمَل في كرمي . 29فأجابَهُ : لا أريدُ . ولكِنَّه نَدِمَ بَعدَ حينٍ وذهَبَ إلى الكَرمِ . 30وجاءَ إلى الابنِ الآخَرِ وطَلَبَ مِنهُ ما طلَبَهُ مِنَ الأوَّلِ ، فأجابَهُ : أنا ذاهِبٌ ، يا سيَّدي ! ولكِنَّه ما ذهَبَ . 31فأيَّهُما عَمِلَ إرادةَ أبـيهِ ؟ " قالوا : " الأوَّلُ " . فقالَ لهُم يَسوعُ : " الحقَ أقولُ لكُم : جُباةُ الضَّرائبِ والزَّواني يَسبِقونكُم إلى مَلكوتِ الله . 32جاءَكُم يوحنّا المَعمَدانُ سالِكاً طَريقَ الحَقَّ فما آمنتُم بِه وآمنَ بِه جُباةُ الضَّرائبِ والزَّواني . وأنتُم رأيتُم ذلِكَ ، فما ندِمتُم ولو بَعدَ حينٍ فتـؤْمنوا بِه " .

مثل الكرّامين : 

33 " إسمَعوا مَثَلاً آخَرَ : غرَسَ رجُلٌ كرماً ، فسَيَّجَهُ وحفَرَ فيهِ مَعْصَرَةً وبَنى بُرجًا وسَلَّمَهُ إلى بَعضِ الكرّامينَ وسافَرَ . 34فلمّا جاءَ يومُ القِطافِ ، أرسَلَ خدَمَهُ إليهِم ليأخُذوا ثمَرَهُ . 35فأمسَكَ الكرّامونَ خدَمَهُ وضَرَبوا واحداً منهُم ، وقَتَلوا غَيرَهُ ، ورَجَموا الآخَرَ . 36فأرسَلَ صاحِبُ الكرمِ خَدَماً غَيرَهُم أكثرَ عدداً مِنَ الأوَّلينَ ، ففَعَلوا بِهِم ما فَعلوهُ بالأوَّلينَ . 37وفي آخِر الأمرِ أرسلَ إلَيهِم اَبنَهُ وقالَ : سَيَهابونَ اَبني . 38فلمّا رأى الكرّامونَ الاَبنَ قالوا في ما بَينَهُم : ها هوَ الوارِثُ ! تعالَوْا نَقْتُلُه ونأخُذُ ميراثَهُ ! 39فأمسكوهُ ورمَوْهُ في خارِجِ الكرمِ وقَتَلوهُ .

40 فماذا يفعَلُ صاحِبُ الكرمِ بِهؤلاءِ الكرّامينَ عِندَ رُجوعِهِ ؟ " 41قالوا لَه : " يَقتُلُ هؤُلاءِ الأشرارَ قَتلاً ويُسلَّمُ الكرمَ إلى كرّامينَ آخرينَ يُعطونَهُ الثَمرَ في حينِهِ " .

42 فقالَ لهُم يَسوعُ : " أما قرأتُم في الكُتُبِ المُقَدَّسةِ: الحجَرُ الَّذي رَفضَهُ البنّاؤونَ صارَ رأسَ الزّاويَةِ ؟ هذا ما صنَعَهُ الرَّبٌّ،  فيا للْعجَبِ !

43 لذلِكَ أقولُ لكُم : سيأخُذُ الله مَلكوتَهُ مِنكُم ويُسلَّمُهُ إلى شعبٍ يَجعلُهُ يُثمِرُ . 44مَنْ وقَعَ على هذا الحَجَرِ تَهَشَّمَ . ومَنْ وقَعَ هذا الحجَرُ علَيهِ سَحقَهُ " .

45 فلمّا سَمِعَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والفَرّيسيّونَ هذَينِ المَثلينِ مِنْ يَسوعَ ، فَهِموا أنَّهُ قالَ هذا الكلامَ علَيهِم . 46فأرادوا أن يُمسكوهُ ، ولكنَّهُم خافوا مِنَ الجُموعِ لأنَّهُم كانوا يَعُدّونَهُ نَبـياً ".

التعليق :

_ يبدأ هذا الفصل بعملية سرقة مستوفية الأركان ، فاليسوع يرسل اثنين من حوارييه ليأخذا أتاناً وابنها من أحد البيوت دون إذن من أهله ،

وإن كان قد أضاف على سبيل الاحتياط فى حالة التلبس أن يقول الرسولان إن السيد (أى سيد ؟ لا يهم . المهم أنه السيد ، وخلاص ، رغم أنه لا أحد هناك كان يعرف السيد ! ) قد أرسلنا لأخذهما لأنه محتاج إليهما ، وهو يعدكما بأنه سيعيدهما فى الحال .

ولما لم يرهما أحد عند أخذهما لهما فإن السيد قد حُلَّ من وعده ، ومن ثم لم يعد الجحش ولا الست والدته المحترمة إلى الحظيرة ، وهذا هو السبب فى أن كاتب الإنجيل " طَنَّشَ " على الموضوع .

ثم متى كان المسيح يركب فى أسفاره ؟!

إنه دائماً يسير على قدميه هو وتلاميذه . ولقد أتوا إلى أورشليم على أقدامهم ، بل إنه حتى فى البحر قد مشى مرة على قدميه ، فلماذا الإصرار على الركوب هذه المرة ؟!

إنها النبوءة ! فما أصدقها من نبوءة تلك التى تستلزم سرقة حمارة وحمار !

إن هذا يذكرنا بما كانت تقوله جريدة " الوفد " المصرية فى ثمانينات القرن الماضى حين كانت تكايد الدكتور ر. م. فتشير إلى أقاربه المشهورين (والعهدة عليها) بسرقة الحمير فى قريتهم وجوارها وصبغهم إياها إيغالاً منهم فى التمويه على أصحاب الحمير المسروقة كما يفعل لصوص الكائنات النهاقة فى الأرياف المصرية !

أما العبد لله فيرى أن هذا كله كلام لا حقيقة له ، كلام وطحينة ! ولم يحدث أن المسيح أمر بسرقة جحش وحمارة ، لأنه عليه السلام كان نبياً ولم يكن صبّاغ حمير من أجوار دمياط !

ونقول لهم إن كتابكم محرَّف فيشتمون الرسول الكريم ويتطاولون عليه ، وما دَرَوْا أنهم إنما يتسافلون وينحطون أكثر مما هم سفلة منحطون !

ولعن الله دبر زيكو ، الذى هو السبب فى هذا كله ! وحديثا قيل فى الأمثال : " فتِّشْ عن الدبر " !

_ وبمناسبة النبوءة هناك فزورة كانوا يسألونناها ونحن صغار ، إذ يقولون : لماذا تُبْنَى الجسور فوق الأنهار ؟!

وبدلاً من أن تكون الإجابة الصحيحة : " لكى يعبر عليها الناس من ضفة إلى الضفة الأخرى " يقولون : " إنها قد أقيمت لكى يمر الماء من تحتها " ، قالبين بذلك الآية مثلما قلبها كتبة الأناجيل .

ومثلها القول بأن الله خلق للإنسان أنفاً لكى يضع عليه النظارة !

فكأن المسيح قرأ العهد القديم فى طفولته وصباه كما جاء فى روايات تلك الأناجيل ، وكان يعرف أن هناك نبوءة تقول إنه سوف يدخل أورشليم على جحش وأتان ! (كيف ؟ لا أدرى ، إلا أن يقال إنه سوف يُفَرْشِح فيفتح ساقيه على الآخر حتى تحتويا الركوبتين معاً ، فيتفوق بذلك على لاعبى الأكروبات ) !

لكن فات كاتب السفر ، لأنه ضعيف الخيال ركيك التفكير ، أن يشرح لنا كيف استطاع الرسولان التعرف على البيت الذى حدده لهما السيد ؟

وكيف دخلا البيت دون مفتاح ؟

وكيف سرقا الحمارين من غير أن يتعرض لهما الجيران ، وذلك بافتراض أن أصحاب البيت كانوا مسافرين مثلاً ؟!

لا لا ، إن هذا رجل لا يصلح لحكاية الحواديت !

لكن النبوءة ( يا خسارة ! ) تقول إن هذا الداخل ملك وديع . وهذا هو نصها بالحرف حسبما ساقها السيد متى : 

" قولوا لابنَةِ صِهيونَ : ها هوَ مَلِكُكِ قادِمٌ إلَيكِ وديعاً راكِباً على أتانٍ وجَحشٍ اَبنِ أتانٍ " .

وبطبيعة الحال لم يكن المسيح عليه السلام مَلِكاً ، وهذه لا شك فيها ولا تحتمل الجدال والمراء .

وكذلك لم يكن وديعاً طبقاً للذى افتراه عليه متّى ورفاقه الآخرون :

فقد صوروه لعّاناً عصبياً جافياً قلقاً دائم الاتهام حتى لحوارييه بعدم الإيمان ، وسوف نسمعه بعد أسطر يشنّف آذانهم بهذا الاتهام لا أدرى للمرة الــ" كم " ،

كما سنراه وهو يقلب موائد البيع والشراء والصرافة فى الهيكل ،

وكذلك وهو يلعن شجرة التين المسكينة التى لم يكن فيها تين لأنه لم يكن موسم تين !!

لكن الملك الوديع من وداعته ، بدلاً من أن يمد يده من كم قميصه أو يمد يده فى الهواء (أليس هو اله أو ابن الله؟) فيأتى بما شاء من تين وعنب ورمان وبلح وجوافة وفراولة وكاكا ( لأنى أحب الكاكا ، ولا داعى للموز ، رغم أنى أحبه ، لأنه شديد السكرية ، وخَلِّنا فى البرتقال لأننا فى الشتاء الآن ) ، بدلاً من أن يفعل السيد المسيح ذلك لعنها فيبست فى الحال ! يا سلام على الوداعة !

وانظروا إلى الوداعة أيضاً فى " الهيصة والزمبليطة " التى صاحبت دخوله أورشليم وهتاف الجماهير له وفَرْشهم أثوابهم لدابتيه :

" المَجْدُ لاَبنِ داودَ ! تبارَكَ الآتي بِاَسمِ الرَّبَّ ! المجدُ في العُلى ! " !

يا لها من وداعة لم تحدث من قبل ! لكنْ إذا كانت هذه هى الوداعة ، فما هو الكِبْر والغطرسة إذن ؟

ثم هل كان المسيح ، وهو الذى كان بارعاً فى المعجزات براعةً لم تكن لأحد بهذه الكثافة من قبل ، عاجزاً عن أن يأتى بدابّة أو اثنتين (ويا حبذا لو وفّر لكل تلميذ أيضاً ، ولن نقول: لكل واحد من الجموع التى كانت تصحبه فى هذا الدخول ، دابة خاصة به) من عند أبيه السماوى بدلاً من أن يرسل تلاميذه لأخذ الحمير دون إذن أصحابها ولا علمهم ؟

وما السبب يا ترى فى أن الجماهير خرجت هذه المرة بالذات عن مألوفها ، إذ كانت تكتفى قبل هذا بالالتفاف حوله كى يُبْرِئهم هم وأولادهم من مرض أو يُطْعِمهم من جوع أو يُحْيِىَ موتاهم بإذن الله ، فخالفت هذه المرة عن سلوكها المعتاد وفرشت له الطريق بالملابس والأغصان وأخذت تهتف له حتى داخل الهيكل ؟

ليس ذلك فحسب ، بل إن تفسير النبوءة كله تضليل فى تضليل ، فالنبوءة ليست خاصة بالسيد المسيح ولا بدينه البتة ، بل بخلاص اليهود !

وأين المسيح عليه السلام من خلاص اليهود وعودة مجدهم لهم ، وهو الذى تنبأ فى هذا الفصل نفسه أن ملكوت السماء سوف يتحول عنهم إلى أمة أخرى (هى أمة العرب كما هو واضح) .

ولنقرإ الفصل كله لنرى ونحكم بأنفسنا :

" كلامٌ مُوحًى مِنَ الرّبِّ إلى النَّبيِّ في أرضِ حَدْراخ ودِمشقَ مَوضِعِ إقامتِهِ ، لأنَّ لِلرّبِّ كُلَ البشَرِ كما لَه كُلُّ أسباطِ إسرائيلَ . 2ولَه حماةُ التي تُتاخمُ تِلكَ الأرضَ وصُورُ وصَيدونُ بكُلِّ مَناعتِها . 3بَنتْ صُورُ حِصناً لها وكنَزَتِ الفِضَّةَ كالتُّرابِ ، والذَّهبَ كوحلِ الشَّوارِعِ . 4

ها السَّيِّدُ يَمتلِكُها ويَضرِبُ في البحرِ قُدرَتَها فتُؤكَلُ بالنَّارِ . 5تَرى ذلِكَ أشقَلونُ فتَخافُ ، وغزَّةُ فتنحلُّ عزيمتُها ، وعقرونُ فتَخزى مِنْ ضَعفِها . ويَبيدُ المُلكُ مِنْ غزَّةَ ، وأشقَلونُ لا تُسكنُ ، 6ويَسكُنُ الغُرَباءُ في أشدودَ . وأقضي على كبرياءِ الفلِسطيِّين ، يقولُ الرّبُّ ، 7وأُزِيلُ دَمَ الذَّبائحِ مِنْ أفواهِهِم ، ولَحمَها الرَّجسَ مِنْ بَينِ أسنانِهِم . فتبقى مِنهُم بقيَّةٌ لإلهِنا ، ويألَفونَ السَّكنَ في يَهوذا ، ويكونُ أهلُ عَقرونَ هؤلاءِ كما كانَ اليبوسيُّونَ . 8وأَنزِلُ في بَيتي وأحرسُهُ مِنَ العابرِ والمُقيمِ ، يقولُ الرّبُّ ، فلا يَمرُّ على شعبي طاغيةٌ بَعدَ أنْ رأيتُ الآنَ بعينَيَ ما قاسُوهُ مِنَ الآلامِ .

9إِبْتَهِجي يا بنتَ صِهيَونَ ، واَهتفي يا بِنتَ أُورُشليمَ ها مَلِكُكِ يأتيكِ عادلاً مُخلِّصاً وديعاً راكباً على حمارٍ ، على جحشٍ اَبنِ أتانٍ . 10سأقضي على مَركباتِ الحربِ في أفرايمَ ، والخيلِ وأقواسِ القِتالِ في أورُشليمَ ، فيَتكلَّمُ مَلِكُكِ بالسَّلامِ للأُمَمِ ويكونُ سُلطانُهُ مِنَ البحرِ إلى البحرِ ومِنَ النَّهرِ إلى أقاصي الأرضِ 11ولأجلِ عَهدي المَختومِ بدَمِ الضَّحايا أُطلِقُ أسرَاكِ مِنَ البِئرِ التي لا ماءَ فيها ، 12فأقولُ لهُم : إِرجعوا إلى الحُصنِ أيُّها الأسرَى الذينَ لهُم رجاءٌ . اليومَ أُخبركُم أنِّي أُبارِكُكُم وأعوِّضُكُم منْ آلامِكُم ضِعفَينِ ،

13فأنا سأَحني يَهوذا قَوساً لي وأجعَلُ أفرايمَ سِهاماً لها ،  وأُثيرُ بنيكِ يا صِهيَونُ على بني يونانَ وأُشهِرُكِ كسَيفِ الجبَّارِ . 14ثُمَ يَظهرُ الرّبُّ علَيهم وسَهمُهُ يخرُج كالبَرقِ ، والسَّيِّدُ الرّبُّ يَنفخُ في البُوقِ وينطلِقُ في زوابعِ الجنوبِ . 15الرّبُّ القديرُ يُحامي عَنهُم ، فيرُوزونَ حجارةَ المِقلاعِ ويتناولونَها بمِلءِ أكُفِّهِم ويشربونَ دِماءَ أعدائِهِم كالخمرِ ، ويَمتلئونَ بها كَقِصاعِ المذبَحِ وزواياهُ . 16في ذلِكَ اليومِ يُخلِّصُ الرّبُّ الإلهُ شعبَهُ كما يُخلِّصُ الرَّاعي غنَمَهُ ، فيُقيمونَ في أرضِهِ كالحجارةِ الفريدةِ . 17فما أطيبَها وما أوفاها تكونُ لهُم . بِحِنطتِها ينمو الفِتيانُ وبِخمرِها العَذارَى " .

إن الأمر ، كما هو واضح حتى للعُمْى ، إنما يختص ببنى إسرائيل والخلاص من المذلة التى كتبها الله عليهم وألّفوا له تلك الكتب وادَّعَوْا أنها وحى من الله .

وعلى أية حال فلا القدس عادت أيامها لبنى إسرائيل ، ولا السلام عمّ العالم أو حتى عرفته أرض الشام وفلسطين ، ولا المسيح قامت له حينذاك مملكة ، ولا سلطانه اتسع من البحر للبحر كما جاء فى النبوءة .

يعنى باختصار : كله كلام فى الهجايص !

_ وأخيراً فكل ما وصفته به الجموع ، ولم يعترض عليه السلام على شىء منه بالمناسبة ، أنه " ابن داود " و" النبى يسوع " فقط لا غير !

وهذا هو الذى نقوله نحن المسلمين ، لكن لا نسميه فى لغتنا : " يسوع " بل " عيسى " ، " عيسى بن مريم " عليه السلام ، ودُمْتُمْ !

_ وإلى الهيكل ندخل مع يسوع فنفاجأ به يثور على ما يجده هناك من تحويل اليهود له إلى دكان للبيع والشراء والمراباة ، ويقلب أيضاً الموائد والكراسى ويطرد الباعة والصيارفة قائلاً إن الله إنما جعل الهيكل للعبادة لا للبيع والشراء وخداع الناس وسرقة آمالهم بالغش والتزوير .

ونحن لا نملك إلا أن نكون معه فى هذا الذى فعل ، وإن كنا نستغرب انهزام الأشرار بهذه السهولة أمامه ، وهو الذى لم يكن يمثل أية سلطة : لا دينية ولا سياسية ولا عسكرية !

أتراها المفاجأة والجرأة التى عاملهم بها وقولة الحق التى بدههم بها قبل أن يستعدوا له لأنهم لم بكونوا يتوقعون منه ما صنع ؟

ربما كان هذا أوجه تفسير لما حدث .

إلا أننا فى ذات الوقت نستغرب أن يرضى عن الهتافات التى كانت تجلجل فى داخل الهيكل بتمجيده !

أليست هى أيضاً مما لم يُنْشَأ له الهيكل ؟ أم ماذا ؟!

هذه فقط نقطة نظام ننبه إليها ولا نتوقف لديها طويلاً لأنها غنية بنفسها عن كل شرح أو تعليق .

أما شفاؤه المرضى فى الهيكل فلست أجد به بأساً ، فقد قلنا إن الدين إنما جاء لراحة الإنسان وخدمته لا العكس ،

وإن فضلت مع ذلك لو أنه انتظر حتى يخرج من المعبد ثم يشفيهم كما يحب ، وذلك للحفاظ على هيبة المكان وجلاله ، إذ العامة لا تفهم المعانى العالية التى تحدثنا عنها هنا ، ومن ثم فإن مثل هذا التصرف من جانبه قد يُفْهَم خطأ فيظنون أن كل شىء يجوز عمله فى المعبد .

وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فقد كان النبى محمد عليه الصلاة والسلام يستهجن أن يَنْشُد فاقدُ الشىء شَيْئَه فى المسجد ، ويُؤْثَر عنه أنه كان يعقّب على من يسمعه يفعل ذلك بألا يردّ الله عليه ضالّته ،

إذ كان يريد أن تبقى للمساجد حرمتها فى نفوس الناس لأن المساجد ليست أماكن يؤدى فيها المصلون صلواتهم فحسب ، بل هى فوق هذا وقبل هذا معانٍ وعواطفُ وإشعاعات !

ومع ذلك فقد رأى نبى الرحمة ذات مرة أعرابياً جافياً حديث عهد بالإسلام لم يستطع أن يتحكم فى نفسه فشرع يتبول فى ركن من أركان المسجد فهاج الصحابة عليه وهمّوا به يمنعونه من ذلك ،

لكنه صلى الله عليه وسلم ، بما فُطِر عليه من رحمةٍ هاميةٍ ولمعرفته العميقة الصادقة بالضعف البشرى وبأن ثمة حاجات إنسانية يشقّ على البشر تأجيلها أو تجاهلها ولإدراكه جهل الأعرابى وأنه لم يقصد شيئاً من الإساءة ولا كانت اللامبالاة هى باعثه على ذلك التصرف المشين ، لكل ذلك قد كفّهم عنه قائلاً : لا تقطعوا عليه بَوْلَته .

ذلك أن المبادئ ، حين تنزل من عليائها إلى أرض البشر ، قد تتلون إلى حد ما بالسياق الذى يراد تطبيقها فيه والظروف التى تكتنفها آنذاك ، ومن هنا كان لا بد من المرونة فى بعض الأحيان ، وإلا توقفت سفينة الحياة والنجاة !

وهذه نصوص بعض الأحاديث فى ذلك الموضوع :

‏عن أبى هريرة قال :‏ ‏ " سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول : ‏من سمع رجلاً ‏ ‏يَنْشُد ‏ ‏ضالَّة ‏ ‏في المسجد فليقل : لا رد الله عليك. فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا " ,

‏وعن ‏ ‏أبي هريرة ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏قال :

‏ " ‏إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك . وإذا رأيتم من ‏ ‏يَنْشُد ‏ ‏فيه ‏ ‏ضالَّة ‏ ‏فقولوا : لا رد الله عليك " .

‏قال ‏ ‏أبو عيسى : ‏ ‏حديث ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏حديث حسن غريب ، ‏ ‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، كرهوا البيع والشراء في المسجد ، وهو قول ‏ ‏أحمد ‏ ‏وإسحق . ‏وقد رخص فيه بعض أهل العلم في البيع والشراء في المسجد " .

‏وعن أنس بن مالك ‏قال : ‏" بينما نحن في المسجد مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ،

فقال ‏ ‏أصحاب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : ‏ ‏مَهْ! ‏ ‏مَهْ !‏

‏قال : قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : ‏ ‏لا ‏ ‏تُزْرِموه ، ‏دَعُوه .

فتركوه حتى بال .

ثم إن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏دعاه فقال له :

إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر . إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن . ‏

ثم فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء ‏ ‏فشنّه ‏‏عليه " .

ولست أريد أن أقارن بين تصرف الرسول وتصرف عيسى بن مريم وأقول إن تصرف سيد الأنبياء أحكم وأهدأ وأرفق ، فلكل مقام مقال وسلوك .

ولم يكن اليهود الذين حولوا معبد أورشليم إلى سوق للصيرفة وتجارة الطيور كذلك الأعرابى الجاهل الذى لم يكن عنده أية فكرة عما ينبغى للمساجد من احترام وإجلال ، على عكس الصيارفة والباعة الذين حولوا الهيكل إلى سوق لا تراعى فيه أدنى درجات الحياء ولا الاحتشام  ، مع معرفتهم رغم ذلك بكتابهم وما يوجبه عليهم تجاه بيت عبادتهم .

_ لكن هذا لا يسوغ السكوت على اللعن المنسوب للمسيح لشجرة التين لأنه كان جائعاً وكان يبحث عن شىء يتقوّت به فلم يجد فيها إلا الورق فلعنها ألا تثمر أبداً ، لأنها ما ذنبها ؟!

إنها نبات لا يعقل ولا يفهم ولا يقدّر آلام الجائعين ولا يعرف أنه فى ساعة البطون تتيه عقول البشر الفانين !

فكيف فات هذا عيسى عليه السلام ، وهو نبى الرحمة والسلام كما يصوره من يزعمون أنهم على دينه ، وهو ودينه منهم براء ؟

ولو قلنا إنه إله كما يقولون ، فلماذا لم يوفر لنفسه طعاماً يأكله ، مع ما فى هذا الكلام من مفارقة ، إذ لو كان إلهاً لما جاع ،

ولو افترضنا المستحيل الذى لا تقبله العقول وقلنا إن الآلهة قد تجوع ( الآلهة أم العشرة بمليم ! ) ، أفلم يكن جديراً به ألا يكشف جوعه وضعفه هكذا على رؤوس الأشهاد فيَرَوْه مغتاظاً نافد الصبر لا يستطيع أن يمسك نفسه لدقائق ، مع أنه (فيما ذكروا لنا) قد صام عن الطعام والشراب أربعين يوماً ، فماذا يكون صبر دقائق أو حتى ساعات إزاء ذلك ؟

وعلى أية حال فالتينة لا تملك إلا أن تطيع القوانين الكونية التى خلقها الله على أساسها .

وعلى هذا فلو أراد منها المسيح أن تعطيه تيناً لكان عليه أن يلغى تلك القوانين بوصفه الإله أو ابن الإله .

أما أن يلعن الشجرة المسكينة على شىء ليس لها أى ذنب فيه فهو ما لا أفهمه ولا يفهمه أى عاقل !

ودعونا من هذا كله ، أفلم يكن من آياته إطعام الآلاف من بضع كِسْرات من الخبز وسمكات قليلة لا تصلح إلا لإطعام فرد واحد ؟

أم تراه لا يستطيع أن يصنع المعجزات الطعامية إلا إذا كان عنده أساس من كِسَر وأسماك وما أشبه يقيم عليه معجزته لأنه لا يمكنه أن يبدأ هذه المعجزات من الصِّفْر كما هو الحال مع الخبز ، الذى لا يمكن صنعه إلا بوجود الخميرة أولاً ؟

أعطونى عقولكم أتصبَّر بها أيها القراء ، فقد احترت واحتار دليلى ، لا حَيَّر الله لكم دليلاً !

_ ولكى يزداد الطين بِلّةً نراه عليه السلام وفقاً للأناجيل ، للمرة التى لا أدرى " كَمْ " ، يتهم حوارييه بأنهم شكاكون ليس عندهم إيمان ، قائلاً لهم :

" لو كُنتُم تؤمنونَ ولا تَشُكٌّونَ ، لَفعَلْتُم بِهذِهِ التّينةِ مِثلَما فعَلتُ " !

وكأن ما فعله هو مما يُفْتَخَر به ويُقَاس عليه وينبغى تكراره .

وعلى أية حال إذا كان هذا هو رأى المسيح عليه السلام فى الحواريين فى مسألة الإيمان والتصديق ، فما وضع النصارى العاديين ؟

_ وبالنسبة للنص التالى الذى أبدى فيه عيسى بن مريم عليه السلام رأيه فيمن يسارع من الزوانى وجُبَاة الضرائب إلى الإيمان فى الوقت الذى ينكل فيه رؤساء الكهنة عنه :

" الحقَ أقولُ لكُم : جُباةُ الضَّرائبِ والزَّواني يَسبِقونكُم إلى مَلكوتِ الله . 32جاءَكُم يوحنّا المَعمَدانُ سالِكاً طَريقَ الحَقَّ فما آمنتُم بِه وآمنَ بِه جُباةُ الضَّرائبِ والزَّواني . وأنتُم رأيتُم ذلِكَ، فما ندِمتُم ولو بَعدَ حينٍ فتـؤْمنوا بِه " ،

فهو كلام نبيل ورائع وجميل . وقل فيه ما تشاء من مديح وثناء من هنا للصبح فلن توفيه حقه أبداً .

إنه ، صلى الله عليه وسلم ، يؤسس قاعدة إنسانية عظيمة لا يمكن أن تكون إلا من عند الله الرحيم الكريم الذى لا تغره مظاهر الناس ولا أشكالهم بل تقواهم وإخلاصهم واستعدادهم للانخلاع عن ماضيهم الملوث وبدء صفحة جديدة طاهرة ،

والذى يعلم أنهم كثيراً ما تغلبهم الظروف القاهرة على أنفسهم دون رغبة منهم فيُضْطَرّون اضطراراً إلى مقارفة الإثم ، وإن قلوبهم لتلعنه وتتمنى التخلص منه وتتربص لذلك الفرصَ المواتية .

وفى أحاديث المصطفى أن الإسلام يَجُبّ ما قبله ، وأن الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وأن التقوى فى الصدور لا فى الطقوس ،

وأن مومساً استحقت دخول الجنة بسبب شربة ماء سقتها كلباً برّح به الظمأ فخلعت خفها عطفاً على الحيوان الأعجم ودلّته إلى البئر وملأته ماء وسقته ، فغفر الله لها وأدخلها الجنة ،

وهل يمكن أن يكون الله أقل رحمة بها منها بالكلب ، وهو خالق الرحمات التى فى الدنيا كلها ؟ ‏

عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : " قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم :

‏غُفِر لامرأةٍ ‏ ‏مُومِسَةٍ ‏ ‏مرّت بكلب على رأس رَكِيٍّ يلهث قد كاد يقتله العطش ، ‏ ‏فنزعت خُفّها فأوثقته بخمارها‏ ‏فنزعت ‏ ‏له من الماء ، فغُفِر لها بذلك " .

وفى القرآن نقرأ الآية التالية عن جاريةٍ لزعيم المنافقين كان ابن سَلُول يُكْرِهها على ممارسة البغاء على تضررٍ منها واشمئزازٍ وتطلُّعٍ إلى يوم يتوب الله عليها فيه من هذا القذر :

" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ ,

وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (النور/ 33) .

يا الله لهذا الكلام الرائع العظيم ، وصلى الله على عيسى ومحمد ما ذَرَّ شارقٌ ، وما سجعتْ يمامةٌ على أغصان الحدائق . هكذا الدين الصحيح ، وإلا فلا .

_ وهناك النبوءة الخاصة بالـحَجَر الذى رفضه البناؤون ، فما ذلك الحجر ؟ واضح أن الله قد نَفِدَ صبره مع اليهود ، أى أن المسألة تتعلق بأمة تحل محل بنى إسرائيل .

وأنا أفهم هذا على أن المقصود به أمة العرب ، الذين ينتمون إلى إسماعيل ابن الجارية ، والذين كان بنو إسرائيل فى غبائهم العنصرى ينظرون إليهم مِنْ عَلٍ ، والذين لم يقف فى طريقهم عند دعوتهم بدعوة الإسلام أحد ، إذ انتصروا انتصاراً ساحقاً على إمبراطوريات ذلك الزمان .

وأحسب أننا حين قلنا إن المقصود بالنبوءة هم العرب لم نَفْتَرِ على الحقيقة ولا اعتسفنا الكلام ولا لويناه عن وجهه شيئاً ، وإلا فمَنْ تلك الأمة التى ينطبق عليها هذا الكلام ؟

ليست هناك أمة من أمم الأرض ورثت النبوة وفتحت الأرض وخضعت لها الشعوب وكانت انتصاراتها باهرة لم يسبق لها شبيه سواء فى السرعة أو فى الحسم أو فى اتساع رقعة الفتح غير العرب .

وعلى هذا فالعرب بلا جدال هم المرادون بتلك النبوءة !

وقبل أن ننتهى من هذا الفصل ننبه مرة أخرى إلى أن الذين قبلوا من قوم عيسى عليه السلام دعوته إنما آمنوا به نبياً لا ابناً لله ، فضلاً عن أن يكون هو الله ذاته كما تقول الأساطير المأخوذة عن وثنيات الشعوب القديمة ، فهو عندهم مثل يحيى عليه السلام لا يزيد ولا ينقص !

وبالمناسبة فلو كان السيد المسيح إلهاً أو ابن الله ما جرؤ يحيى على أن يعمّده ولأعلن للناس جميعاً أنه من عنصر إلهى .

وها هو ذا النص الخاص بالنبوءة والنبوة لكى يحكم القراء على ما قلناه بأنفسهم :

" إسمَعوا مَثَلاً آخَرَ : غرَسَ رجُلٌ كرماً ، فسَيَّجَهُ وحفَرَ فيهِ مَعْصَرَةً وبَنى بُرجاً وسَلَّمَهُ إلى بَعضِ الكرّامينَ وسافَرَ . 34فلمّا جاءَ يومُ القِطافِ ، أرسَلَ خدَمَهُ إليهِم ليأخُذوا ثمَرَهُ . 35فأمسَكَ الكرّامونَ خدَمَهُ وضَرَبوا واحداً منهُم ، وقَتَلوا غَيرَهُ ، ورَجَموا الآخَرَ . 36فأرسَلَ صاحِبُ الكرمِ خَدَماً غَيرَهُم أكثرَ عددًا مِنَ الأوَّلينَ ، ففَعَلوا بِهِم ما فَعلوهُ بالأوَّلينَ .

37وفي آخِر الأمرِ أرسلَ إلَيهِم اَبنَهُ وقالَ : سَيَهابونَ اَبني . 38فلمّا رأى الكرّامونَ الاَبنَ قالوا في ما بَينَهُم : ها هوَ الوارِثُ ! تعالَوْا نَقْتُلُه ونأخُذُ ميراثَهُ ! 39فأمسكوهُ ورمَوْهُ في خارِجِ الكرمِ وقَتَلوهُ . 40فماذا يفعَلُ صاحِبُ الكرمِ بِهؤلاءِ الكرّامينَ عِندَ رُجوعِهِ ؟ " 41قالوا لَه : " يَقتُلُ هؤُلاءِ الأشرارَ قَتلاً ويُسلَّمُ الكرمَ إلى كرّامينَ آخرينَ يُعطونَهُ الثَمرَ في حينِهِ " .

42فقالَ لهُم يَسوعُ : " أما قرأتُم في الكُتُبِ المُقَدَّسةِ : الحجَرُ الَّذي رَفضَهُ البنّاؤونَ صارَ رأسَ الزّاويَةِ ؟ هذا ما صنَعَهُ الرَّبٌّ ، فيا للْعجَبِ ! 43

لذلِكَ أقولُ لكُم : سيأخُذُ الله مَلكوتَهُ مِنكُم ويُسلَّمُهُ إلى شعبٍ يَجعلُهُ يُثمِرُ . 44مَنْ وقَعَ على هذا الحَجَرِ تَهَشَّمَ . ومَنْ وقَعَ هذا الحجَرُ علَيهِ سَحقَهُ " . 45

فلمّا سَمِعَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والفَرّيسيّونَ هذَينِ المَثلينِ مِنْ يَسوعَ ، فَهِموا أنَّهُ قالَ هذا الكلامَ علَيهِم . 46 فأرادوا أن يُمسكوهُ ، ولكنَّهُم خافوا مِنَ الجُموعِ لأنَّهُم كانوا يَعُدّونَهُ نَبـياً ".

******************

موضوعات ذات صلة :

_ ردود د/ ابراهيم عوض المفحمة على زكريا بطرس

_ قراءة فى إنجيل متى (1)_ الى القمص زكريا بطرس

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: