موقع القمص زكريا بطرس

قراءة فى إنجيل متى (3)_ الى القمص زكريا بطرس

Posted by doctorwaleed في 25/02/2010


إلى القمص المنكوح (الجزء الثانى)

" قراءة في إنجيل متى (3) "

دراسة نقدية للأناجيل بقلم  د / إبراهيم عوض

(تكملة الجزء الأول و الجزء الثاني)

_ انجيل متى : الفصل الثانى والعشرون :

مثل وليمة الملك :

" وعادَ يَسوعُ إلى مُخاطَبَةِ الجُموعِ بالأمثالِ ، فقالَ : 2 " يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ مَلِكاً أقامَ وليمَةً في عُرسِ اَبنِه . 3 فأرسَلَ خدَمَهُ يَستَدْعي المَدعُوَّينَ إلى الوَليمَةِ ، فرَفَضوا أنْ يَجيئوا . 4 فأرسَلَ خدَماً آخرينَ ليقولوا للمَدعُوّينَ : أعدَدْتُ وليمَتي وذَبَحتُ أبقاري وعُجولي المُسمَّنةَ وهيَّأتُ كُلَ شيءٍ ، فتعالَوْا إلى العُرسِ ! 5 ولكنَّهُم تهاوَنُوا ، فمِنهُم مَنْ خرَجَ إلى حقلِهِ ، ومِنهُم مَنْ ذهَبَ إلى تِجارَتِهِ ، 6 والآخرونَ أمسكوا خَدَمَهُ وشَتَموهُم وقَتَلوهُم .

7 فغَضِبَ الملِكُ وأرسَلَ جُنودَهُ ، فأهلَكَ هؤلاءِ القَتَلةَ وأحرَقَ مَدينَتَهُم . 8 ثمَّ قالَ لخَدَمِهِ : الوَليمةُ مُهيَّأةٌ ولكنَّ المَدعُوّينَ غَيرُ مُستحقّينَ ، 9 فاَخرُجوا إلى مَفارقِ الطٌّرُقِ واَدعُوا إلى الوَليمَةِ كُلَ مَنْ تَجِدونَهُ . 10 فخرَجَ الخَدَمُ إلى الشَّوارعِ وجَمَعوا مَنْ وجَدوا مِنْ أشرار وصالِحينَ ، فاَمتلأتْ قاعَةُ العُرسِ بالمدعُوَّينَ .

11 فلمّا دخَلَ المَلِكُ ليَرى المدعوّينَ، وجَدَ رجُلاً لا يَلبَسُ ثِـيابَ العُرسِ . فقالَ لَه : 12 كيفَ دَخَلتَ إلى هُنا ، يا صَديقي ، وأنتَ لا تلبَسُ ثِـيابَ العُرسِ ? فسكَتَ الرَّجُلُ . 13 فقالَ المَلِكُ للخَدَمِ : اَربُطوا يَدَيهِ ورِجلَيهِ واَطرَحوهُ خارِجاً في الظَّلامِ فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ . 14 لأنَّ المدَعُوّينَ كَثيرونَ ، وأمّا المُختارونَ فَقليلونَ " .

دفع الجزية إلى القيصر :

15 وذهَبَ الفَرّيسيّونَ وتَشاوَروا كيفَ يُمسِكونَ يَسوعَ بِكلِمَةٍ . 16 فأرسلوا إلَيهِ بَعضَ تلاميذِهِم وبَعضَ الهيرودُسيـّينَ يَقولونَ لَه : " يا مُعَلَّمُ ، نَعرِفُ أنَّكَ صادقٌ ، تُعلَّمُ بِالحَقَّ طَريقَ الله ، ولا تُبالي بأحدٍ ، لأنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النّاسِ . 17 فقُلْ لنا : ما رأيُكَ ؟ أيَحِلُّ لنا أنْ نَدفَعَ الجِزْيَةَ إلى القَيصَرِ أم لا ؟ "

18 فعرَفَ يَسوعُ مَكرَهُم ، فقالَ لهُم :  " يا مُراؤونَ ! لِماذا تُحاوِلونَ أنْ تُحْرِجوني ؟ 19 أرُوني نَقدَ الجِزْيةِ ! " فناولوهُ ديناراً . 20 فقالَ لهُم : " لِمَن هذِهِ الصّورَةُ وهذا الاسمُ ؟ " 21 قالوا : " لِلقَيصَرِ ! " فقالَ لهُم : " اَدفَعوا ، إذاً ، إلى القَيصَرِ ما لِلقَيصَرِ ، وإلى الله ما لله ! " 22 فتَعَجَّبوا مِمّا سَمِعوهُ ، وتَركوهُ ومَضَوْا .

قيامة الأموات :

23 وفي ذلِكَ اليومِ جاءَ إلى يَسوعَ بَعضُ الصدّوقيـّينَ ، وهُمُ الَّذينَ يُنكِرونَ القِـيامَةَ ، وسألوهُ : 24 " يا مُعلَّمُ ، قالَ موسى : إنْ ماتَ رجُلٌ لا ولَدَ لَه ، فَلْيَتَزوَّجْ أخوهُ اَمرأتَهُ ليُقيمَ نَسلاً لأخيهِ . 25 وكانَ عِندَنا سبعةُ إخوةٍ ، فتَزوَّجَ الأوَّلُ وماتَ مِنْ غَيرِ نَسلٍ ، فتَرَكَ اَمرأتَهُ لأخيهِ . 26 ومِثلُهُ الثّاني والثّالِثُ حتَّ ? السّابِــــــعُ . 27 ثُمَّ ماتَتِ المرأةُ مِنْ بَعدِهِم جميعاً . 28فلأيَّ واحدٍ مِنهُم تكونُ زوجةً في القيامةِ ؟ لأنَّها كانَت لَهُم جميعاً " .

29فأجابَهُم يَسوعُ : " أنتُم في ضَلالٍ ، لأَّنكُم تَجهَلونَ . الكُتُبَ المُقَدَّسةَ وقُدرَةَ الله . 30ففي القِـيامَةِ لا يَتَزاوَجونَ ، بلْ يكونونَ مِثلَ مَلائِكَةٍ في السَّماءِ . 31 وأمّا قيامَةُ الأمواتِ ، أفما قَرَأتُم ما قالَ الله لكُم : 32 أنا إلــهُ إبراهيمَ ، وإلــهُ إسحقَ ، وإلــهُ يعقوبَ ؟ وما كانَ الله إلــهَ أمواتٍ ، بل إلــهُ أحياءٍ "  .

33وسَمِعَ الجُموعُ هذا الكلامَ ، فتَعَجَّبوا مِنْ تَعليمِهِ .

الوصية العظمى :

34 وعَلِمَ الفَرّيسيّونَ أنَّ يَسوعَ أسكَتَ الصَدّوقيـّينَ ، فاَجتمعوا معاً . 35 فسألَهُ واحِدٌ مِنهُم ، وهوَ مِنْ عُلماءِ الشَّريعةِ ، ليُحرِجَهُ : 36 " يا مُعَلَّمُ ، ما هي أعظمُ وصِيَّةٍ في الشَّريعةِ ؟ "

37 فأجابَهُ يَسوعُ : " أحِبَّ الرَّبَّ إلهَكَ بِكُلٌ قَلبِكَ ، وبِكُلٌ نفسِكَ ، وبكُلٌ عَقلِكَ . 38 هذِهِ هيَ الوصِيَّةُ الأولى والعُظمى . 39والوصِيَّةُ الثّانِـيةُ مِثْلُها : أحِبَّ قَريبَكَ مِثلَما تُحبٌّ نفسَكَ . 40 على هاتينِ الوصِيَّـتَينِ تَقومُ الشَّريعةُ كُلٌّها وتَعاليمُ الأنبـياءِ " .

المسيح وداود :

41 وبَينَما الفَرّيسيّونَ مُجتمِعونَ سألَهُم يَسوعُ : 42 " ما قولُكُم في المَسيحِ ؟ اَبنُ مَنْ هوَ ؟ " قالوا لَه : " اَبنُ داودَ ! " 43قالَ لهُم : " إذاً ، كيفَ يَدعوهُ داودُ رَباً ، وهوَ يَقولُ بِوَحْيٍ مِنَ الرٌّوحِ : 44 قالَ الرَّبٌّ لِرَبّـي : اَجلِسْ عَنْ يَميني حتَّى أجعَلَ أعداءَكَ تَحتَ قَدَمَيْكَ . 45 فإذا كانَ داودُ يَدعو المَسيحَ رَباً ، فكَيفَ يكونُ المَسيحُ اَبنَهُ ؟ "

46 فما قدِرَ أحدٌ أن يُجيبَهُ بكَلِمَةٍ ، ولا تجرَّأَ أحدٌ مِنْ ذلِكَ اليومِ أنْ يَسألَهُ عَنْ شَيءٍ " .

التعليق :

_ أحسب أن القارئ الآن يدرك أفضل من ذى قبل كيف أن رسالة السيد المسيح محصورة فى ضرب الأمثال عن ملكوت السماوات وإلقاء بعض المواعظ المغرقة فى المثالية والتى تبدو للعيون عن بعد شيئاً رائعاً ، لكننا إذا اقتربنا منها وحللناها هالنا عدم واقعيتها وتأبيها على التطبيق مهما فعلنا ،

ببساطة لأنها تدابر الفطرة البشرية ، وإلا فكم واحداً من البشر ، وبالذات من المنافقين الذين يرددون كالثعالب هذا الكلام ، ينفّذ شيئاً من هذا فى الواقع ؟

والعجيب أن فريقاً كبيراً من أولئك الذين يسببون لنا خَوْتة الدماغ بسبب تصايحهم الساذج بهذه الشعارات الخاوية هم أول الناس تمرداً عليها ونفوراً من التمسك بها على أرض الواقع ،

فتراهم قليلى الأدب سفلة هجامين معتدين كذابين مزورين متباذئين يتطاولون على أشرف المرسلين رغم كل كلامهم عن التسامح و " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر " حتى مللنا وأحسسنا بالغثيان والرغبة فى القىء !

هذه هى رسالة السيد المسيح (المنسوبة اليه) ، ولست أقلل منها ولا منه عليه السلام ، لكنى أقول إننا إذا وضعناها تجاه رسالة المصطفى لبدا لنا للوهلة الأولى كيف أن نبوة ابن مريم لا تشكل أكثر من ركن صغير لطيف من الدار الوسيعة الفسيحة التى بناها ابن عبد الله ،

أو هى بمثابة " دكّانة صغيرة مُحَنْدَقة " بالنسبة لما يسمونه فى الإنجليزية : " هايبر ماركت " …

هذا بالضبط هو الوضع الحقيقى لتَيْنِك الرسالتين ورسوليهما ، مع احترامنا للاثنين لأنهما كليهما من عند الله .

وقد وصلتنى الليلة رسالة مضحكة ينصحنى فيها السذج الثلاثة الذين نقلوها من أحد المواقع المهجرية وبعثوا بها لى أن أُسْلِم نفسى للسيد المسيح وأترك الإسلام ، ذلك الدين النرجسى السادى الذى أتى به رسول شيطان . يقولون هذا بكل أدب ظاهرى ، لكن فيه قلة الأدب التى تخطر والتى لا تخطر على البال ، وفيه كذلك الكفر كله ، والسفالة التى فى الدنيا جمعاء .

وهؤلاء المآبين الزِّيكُووِيّون السادرون فى سذاجتهم وهمجيتهم وبدائية تفكيرهم وتدنى مستوى فهومهم وعامية منطقهم يتصورون أن هذا الأسلوب يمكن أن يؤثر فى أحدٍ ممن لديه ذرة من العقل والثقافة ،

ولا يريدون أن يفهموا أن ما يطلبونه إنما هو التخلف بعينه ، وأن أتباع محمد (لا الذين يعبدون عيسى من دون الله) هم فى الحقيقة محبّو عيسى الذين يفهمون رسالته حق الفهم ويخلصون لها من كل قلوبهم .

إننا مع التوحيد الذى جاء به المسيح وكل الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين ، ولا يعقل أن يشذ المسيح عليه السلام عن جميع النبيين والمرسلين فيأتى وحده دونهم بالتثليث . هذه وثنية وتخلف عقيدى ذهب وذهبت أيامه ، لا أرجعها الله ،

أما إذا أرادت طائفة من البشر أن يتمسكوا بهذا التخلف وتلك البدائية التى إنما تناسب الناس فى جاهليتهم الأولى فهُم وشأنهم ، لكن ينبغى أن يتمتعوا بما يسمَّى فى لغة المتحضرين : " الذوق " !

فليس من المعقول أن يأتى رجلٌ كلُّ حظه من الثقافة أنه يفك الخط فيطلب من أستاذ جامعى مثلاً أن يترك أستاذيته وينصت لما عنده من علم عظيم لم يأت به عالم من قبل ولن يأتى به من بعد !

بالله ما الذى يمكن أن تقوله لمثل هذا الجاهل المتخلف الذى يتصور بجهله وتخلفه أن الله يتجسد ويتبول ويخرأ ويقتله عباده ويهينونه ويبصقون عليه ؟ أى إلهٍ هُزُؤٍ هذا الإله ؟

أَوَعَدِمَتِ الآلهةُ ولم يعد هناك آلهة بحق وحقيق ؟ بئست هذه ألوهية !

_ ثم عاد المسيح إلى تهديده لبنى إسرائيل بأن النبوة ستتحول عنهم جراء صلابة رقابهم واستمرار كفرهم وإيذائهم الأنبياء أو قتلهم إياهم ، وهذا هو المغزى الذى يومئ إليه المثل الأول فى هذا الفصل .

لقد فضل الله سبحانه وتعالى بنى إسرائيل يوماً على العالمين ، لكنهم لقصور عقولهم وغرورهم حسبوا أنه جل وعلا إنما فضلهم لما فيهم من فضل ذاتى لا لنزول رسالات السماء فيهم وتمثيلهم العقيدة التوحيدية ردحاً من الزمن فى المحيط الوثنى العالمى من حولهم ،

وظنوا أنهم مهما فعلوا وعاندوا وكفروا لا يمكن أن يحاسَبوا ويعاقَبوا كسائر الأمم ، أما إن كانت هناك مؤاخذة وحساب فلن تمسهم النار إلا أياما معدودات ، " وغَرَّهم فى دينهم ما كانوا يَفْتَرُون " كما جاء فى القرآن الكريم ،

فنبههم السيد المسيح أنْ " صَحّ النوم " ، فقد أصبحنا فى " الضُّحَى العالى" و " راحت عليكم نومة " بل راح عليكم كل شىء ، واقتضى الوضع الجديد أن تتحول عنكم النبوة إلى أمة أخرى هى أمة العرب ، التى اقتضت مشيئة الله أن يظهر من بينها رسول يحمل رسالة السماء إلى الدنيا كلها لا إلى قومه وحدهم ،

وهو ما كان ….

لكن بنى إسرائيل ظلوا بعقولهم الزَّنِخة على جحودهم وعنادهم ماضين لا يريدون أن يفهموا أن الدنيا قد تغيرت ، ثم جاء أتباع السيد المسيح فغَلَوْا فيه وبدلاً من أن يصلحوا الأمر أفسدوه إفساداً شنيعاً . ولنقرأ :

" وعادَ يَسوعُ إلى مُخاطَبَةِ الجُموعِ بالأمثالِ ، فقالَ : 2 " يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ مَلِكاً أقامَ وليمَةً في عُرسِ اَبنِه . 3فأرسَلَ خدَمَهُ يَستَدْعي المَدعُوَّينَ إلى الوَليمَةِ ، فرَفَضوا أنْ يَجيئوا . 4 فأرسَلَ خدَمًا آخرينَ ليقولوا للمَدعُوّينَ : أعدَدْتُ وليمَتي وذَبَحتُ أبقاري وعُجولي المُسمَّنةَ وهيَّأتُ كُلَ شيءٍ ، فتعالَوْا إلى العُرسِ ! 5 ولكنَّهُم تهاوَنُوا ، فمِنهُم مَنْ خرَجَ إلى حقلِهِ ، ومِنهُم مَنْ ذهَبَ إلى تِجارَتِهِ ، 6 والآخرونَ أمسكوا خَدَمَهُ وشَتَموهُم وقَتَلوهُم .

7 فغَضِبَ الملِكُ وأرسَلَ جُنودَهُ ، فأهلَكَ هؤلاءِ القَتَلةَ وأحرَقَ مَدينَتَهُم . 8 ثمَّ قالَ لخَدَمِهِ : الوَليمةُ مُهيَّأةٌ ولكنَّ المَدعُوّينَ غَيرُ مُستحقّينَ ، 9فاَخرُجوا إلى مَفارقِ الطٌّرُقِ واَدعُوا إلى الوَليمَةِ كُلَ مَنْ تَجِدونَهُ . 10فخرَجَ الخَدَمُ إلى الشَّوارعِ وجَمَعوا مَنْ وجَدوا مِنْ أشرار وصالِحينَ ، فاَمتلأتْ قاعَةُ العُرسِ بالمدعُوَّينَ .

11 فلمّا دخَلَ المَلِكُ ليَرى المدعوّينَ ، وجَدَ رجُلاً لا يَلبَسُ ثِـيابَ العُرسِ . فقالَ لَه : 12 كيفَ دَخَلتَ إلى هُنا ، يا صَديقي ، وأنتَ لا تلبَسُ ثِـيابَ العُرسِ ? فسكَتَ الرَّجُلُ . 13 فقالَ المَلِكُ للخَدَمِ : اَربُطوا يَدَيهِ ورِجلَيهِ واَطرَحوهُ خارِجاً في الظَّلامِ فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ . 14 لأنَّ المدَعُوّينَ كَثيرونَ ، وأمّا المُختارونَ فَقليلونَ "

صلى الله وسلم على عيسى بن مريم ، الذى جاء بالحق وصدّق المرسلين ، لكن القوم ألّهوه وأعادونا إلى المربع رقم واحد ، وكأنك يا أبا زيد ما غزوت !

ومع ذلك فمذهبنا أن كل إنسان حر فيما يختار لنفسه ، لكن قلة الأدب والسفالة لا يمكن أن يسكت عليها أىّ حرّ كريم !

_ ثم ينتقل متّى فى حكايته المسماة خطأً بــ" الإنجيل " إلى موضوع آخر مهم هو موضوع الجزية ..

وأرجو أن يقرأ الجميع (مسلمون ونصارى وعفاريت زرق) الكلام الذى قاله السيد المسيح فى هذا الموضوع طبقاً لما حدثنا به متّى :

" 15  وذهَبَ الفَرّيسيّونَ وتَشاوَروا كيفَ يُمسِكونَ يَسوعَ بِكلِمَةٍ . 16 فأرسلوا إلَيهِ بَعضَ تلاميذِهِم وبَعضَ الهيرودُسيـّينَ يَقولونَ لَه : " يا مُعَلَّمُ ، نَعرِفُ أنَّكَ صادقٌ ، تُعلَّمُ بِالحَقَّ طَريقَ الله ، ولا تُبالي بأحدٍ ، لأنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النّاسِ . 17فقُلْ لنا : ما رأيُكَ ؟ أيَحِلُّ لنا أنْ نَدفَعَ الجِزْيَةَ إلى القَيصَرِ أم لا ؟ "

18 فعرَفَ يَسوعُ مَكرَهُم ، فقالَ لهُم : " يا مُراؤونَ ! لِماذا تُحاوِلونَ أنْ تُحْرِجوني ؟ 19 أرُوني نَقدَ الجِزْيةِ ! " فناولوهُ ديناراً . 20 فقالَ لهُم : " لِمَن هذِهِ الصّورَةُ وهذا الاسمُ ؟ "

21قالوا : " لِلقَيصَرِ ! "

فقالَ لهُم : " اَدفَعوا ، إذاً ، إلى القَيصَرِ ما لِلقَيصَرِ ، وإلى الله ما لله ! " 22 فتَعَجَّبوا مِمّا سَمِعوهُ ، وتَركوهُ ومَضَوْا " .

فعيسى بن مريم يوجب على أتباعه أن يدفعوا الجزية لحكامهم أيا كان هؤلاء الحكام وألا يثيروا بشأنها شَغْباً تحت أى دعوى .

فهل يتصرف من يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام بناء على هذه الفتوى الصريحة الواضحة التى لا تحتمل لبساً ،

ورغم ذلك نراهم يختلقون المشاكل فى البلاد الإسلامية التى يعيشون فيها على أحسن ما يرام ودون أن يدوس أحد لهم على طرف ، فيزعمون أن دفعهم الجزية أمر غير مقبول ، مع أن أحداً من المسلمين لم يقل لهم : ادفعوا الجزية . وهل هناك دولة إسلامية تمشى الآن على شريعة محمد كاملة ؟

هذه واحدة ،

والثانية أن المسيح يقول فى معرض رده على سؤال المنافقين اليهود الغَدَرة إنهم يريدون أن يحرجوه ، ومن الواضح أنه كان ضائق الصدر بهذا الإحراج !!

فهل هناك إله يقول هذا لعباده ، اللهم إلا أن يكون إلهاً فالصو وارد العالم الثالث من الآلهة التى تصنع تحت السلم ، وليس إلهاً أصلياً من الذين تصنعهم اليابان ؟

لقد كنت أظن أنه سيمحقهم بكلمة واحدة من فمه أو بإشارة من إصبعه أو بمكالمة من هاتفه الخلوى لمَلَكٍ من الملائكة الذين وضعهم الله فى ملكوت السماوات تحت أمره وفى خدمته !

أم تراه لما وجد نفسه وحيداً دون ملائكة حوله شعر بالارتباك والحيرة وأخذه الخجل وكان ما كان من خوفه من الإحراج ، ناسياً أنه إله أو ابن إله ، وأنه من العيب أن يشعر إله بالحرج ، وممن ؟ من بعض مخلوقاته !

ونقول لهم إن هذا الكلام لا يمكن أن يكون وحياً سماوياً ولا أن يكون وراءه الروح القدس ، فيتركون الجواب عن هذا الاعتراض ويستديرون يشتمون الرسول الكريم صلى لله عليه وسلم ! يا سفلة ، هل عليكم عفريت اسمه " محمد " ؟

فأين الوداعة والسماحة والرقة والمحبة والتواضع والسلام والسكينة (كفاية يا عمنا ! قطّعتَ قلبى ! حرام عليك ! ) ؟ ودعونا من حكاية الصفع على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر !

ثم لماذا الإحراج ، وهو إنما جاء ليُقْتَل على الصليب ؟ فمم يخاف إذن ؟ إنه مقتول مقتول ، فلم الخوف ؟

أم تراه كان يريد أن يفطّ من أداء المهمة التى كلفه أبوه بها ؟

ولنلاحظ أنه لم يعترض على مناداة اليهود له بــ" يا معلم " ، أى أنه لا هو ابن الله ولا الله ذاته ، أستغفر الله .

_ ثم السؤال الخاص بالعلاقة بين الرجال والنساء فى ملكوت السماوات : كيف ستكون ؟ وقد طرح اليهود السؤال وكأنه سيكون هناك زواج وتزويج وعقدٌ وتسجيل وشهود وتحريمٌ وتحليلٌ كالذى هنا .

وبطبيعة الحال لا يوجد شىء كهذا هناك ، بل سعادة دائمة ولذائذ لا حصر لها ولا تَنْفَد أبداً ولا يعتريها قلق ولا ألم ولا خوف ، ولا يصاحبها شىء مما يصاحبها فى الدنيا من مَغْص أو طَمْث أو بول أو بَراز أو صُنَان…إلخ .

لذلك كان جواب المسيح ، إن صح أنه جوابه فعلاً ، أن هؤلاء المنافقين الغَدَرَة لا يعرفون شيئاً عن الكتب المقدسة وقدرة الله …

وهذا صحيح ، فقدرة الله لا حد لها ، وقياس الجنة أو ملكوت الله على الدنيا خطأ منهجى وإيمانى معاً ، فللعالم الآخر قوانينه التى تختلف عن قوانين الدنيا : " يومَ تُبَدَّل الأرضُ غَيْرَ الأرض والسماواتُ " .

وما المانع إذن أن يخلق الله من كل شخص أكثر من نسخة إن أراد أكثرُ من واحد من أهل الجنة أن يستمتعوا بصحبته أو صداقته أو مسامرته… إلخ .

وعلى هذا فلا نستبعد أن تكون هناك أكثر من نسخة لتلك المرأة التى ضربها اليهود مثلاً يحرجون به المسيح عليه السلام ، بحيث تكون لكل واحد من السبعة التى يريدونها جميعاً : نسخته الخاصة به . وهذا طبعاً إن راح أولئك الغجر الأوغاد رائحتها من على بُعْد مليون سنة ضوئية ، ولا إخال !

_ أما سؤال عيسى عليه السلام : من يكون المسيح ؟ وابن من هو ؟ فهو خِزْىٌ ما بعده خزى لكل الأطراف ، وإلى القراء بيان ذلك :

إن عيسى يعترض على من قال إنه " ابن داود " بقوله : لو أنه كان حقاً ابن داود فلماذا قال عنه داود : " ربّى " ؟ ومعنى هذا أنه ليس ابن داود !!

مع أنه قد سبق (كما رأينا أكثر من مرة) أن ناداه بعضهم أو وصفه بــ" ابن داود " ، فلم يعترض عليه ولا قدم له البديل الصحيح ، بل كان يجيبه ويقضى له ما يريد !

ليس ذلك فقط ، بل إن كاتب الإنجيل الذى بين يدينا ، وهو السيد متّى ، يقول بعظمة لسانه إنه من سلالة داود كما شاهدنا فى سلسلة النسب الكريم التى تضم بين حلقاتها " داود وبتشبع " ،

ولا داعى لأن نقلب الصفحات القديمة الفاضحة الخاصة بهذين العاشقين الفاجرين ولا بنسبة السيد المسيح إلى يوسف النجار حسبما يَرْوُون هم لا نحن ، لأن كلامنا " كخّة " !

ثم كيف يمكننا أن نعتمد على كلام داود ، ذلك الزانى المُجرم قتَّال القَتَلة كما صوروه ؟ هذه أولاً .

وثانياً كيف يمكن من يدعى أن المسيح هو الرب أن يثبت أن كلام داود هنا هو عن السيد المسيح ؟

هل يصدقنى أحد إذا قلت له إننى أنا المقصود بكلمة " ربى " هذه ؟!

طبعاً ستقولون : وما دليلك على هذا ؟

وهذه فى الواقع إجابة سديدة وحصيفة ، ولذلك سوف أتكئ عليها فى ردى على هذا التخبيص ، فأقول : وأين الدليل على أن المقصود بــ" ربى " فى كلام داود هو المسيح ؟

لا دليل والله العظيم ، إنما هو العبث والتعسف والاستبلاه !

هل جاء ذكر المسيح فى هذا المزمور على نحو ينصرف الكلام معه حتماً إلى عيسى بن مريم ؟

ورابعاً (أو خامساً ، لا أدرى بالضبط ) : أليس داود هذا هو ابن الله كما جاء فى العهد القديم ذاته الذى تريدون منا أن نصدق الآن بما قاله عن " رَبِّى " هذه كى تَبْنُوا عليها أن المسيح هو ابن الله ؟

فارْسُوا لكم أوّلاً على بَرّ : من هو ابن الله ؟ داود أم المسيح أم آدم أم لا أدرى من أيضاً ؟

فإذا أردتم أن تعتمدوا على العهد القديم فى إثبات بنوة المسيح لله رب العالمين ، فقولوا أولاً إن آدم ابن الله ، وإن داود ابن الله ، وإن أولئك الشبان الذين كانوا فى مبتدإ التاريخ البشرى والذين رَأَوْا أن بنات الناس حَسَنات واتخذوهن زوجات لهم حسبما ذكر لنا ملفقو سفر " التكوين " هم أبناء الله أيضاً ،

كما لا بد لكم أولاً من الإقرار بأن كل النصارى هم أبناء الله بنصّ الصلاة التى علمهم إياها المسيح : " أبانا الذى فى السماوات…"…إلخ ،

وأن موسى كان إله هارون ، وهارون نبيّه طبقاً لما قاله ملفّق سِفْر " الخروج " .

كما أنكم لصوصٌ غُشْم ، وهذا النوع من التزوير والبكش يحتاج لموهبة لصّ أذكى منكم كثيراً ، لصّ يستطيع أن يسرق الكحل من العين ، وهو ما لم وما لن تصلوا إليه !

وسادساً أن كلمة " ربى " (كما جاء فى " تفسير الكتاب المقدس " للدكتور فرانسيس دافدسون وغيره/ ط2/ دار منشورات التفسير/ بيروت/ 3/ 110) هى ترجمة لكلمة " أدوناى " بالعبرية التى تعنى أيضاً مجرد لقب يدل على الاحترام مثلما ورد فى سفر " التكوين " (23/ 6) ،

ولذلك تُرْجِمت فى نسخة الكتاب المقدس اللبنانية التى أعتمد عليها هنا بــ" سيدى الملك " :

" قالَ الرّبُّ لسيِّدي الملِك : إجلسْ عَنْ يَميني حتى أجعَلَ أعداءَكَ مَوطِئًا لِقدَمَيكَ " ،

بالإضافة إلى ما جاء فى ذلك التفسير من أن هذا الكلام ينطبق ، على نحو ما ، على داود وسليمان ، اللذين كانا يمارسان الحكم باسم الرب .

كما ورد فى الفصل الأول من إنجيل لوقا أنها تعنى " المعلم " :

" 35 وَفِي الْغَدِ أَيْضاً كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفاً هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ ، 36 فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِياً ، فَقَالَ : هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ ! . 37

فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ ، فَتَبِعَا يَسُوعَ . 38 فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ ، فَقَالَ لَهُمَا : مَاذَا تَطْلُبَانِ ؟

فَقَالاَ : رَبِّي ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ : يَا مُعَلِّمُ ،  أَيْنَ تَمْكُثُ ؟ " !

ولماذا نضيع وقتنا إذا كان بمكنتنا أن نضع نص المزمور كله بين أيدى القراء الكرام ليَرَوْا بأنفسهم ماذا يقصد كاتبه ؟

ها هو ذا النص من النسخة اللبنانية التى أعتمد عليها فى هذه الدراسة :

" مزمورٌ لِداوُدَ : قالَ الرّبُّ لسيِّدي الملِك : " إجلسْ عَنْ يَميني حتى أجعَلَ أعداءَكَ مَوطِئًا لِقدَمَيكَ » .  2صَولجانُ عِزِّكَ يُرسِلُهُ الرّبُّ مِنْ صِهيَونَ ، ويقولُ : « تسَلَّطْ في وسَطِ أعدائِكَ » . 3شعبُكَ يَلتَفُّ حَولَكَ طَوعاً يومَ تقودُ جنودَكَ على الجبالِ المُقدَّسةِ ، فَمِنْ رَحِمِ الفَجرِ حَلَ كالنَّدى شبابُكَ .

4 أقسَمَ الرّبُّ ولن يندَمَ : « أنتَ كاهنٌ إلى الأبدِ على رُتبَةِ مَلكي صادَقَ " . 5 الرّبُّ يقِفُ عَنْ يَمينِكَ ويُهَشِّمُ المُلوكَ يومَ غضَبِهِ .  6يَدينُ في الأمَمِ ، وبالجثَثِ يملأُ الأوديةَ . تحْمَرُّ تِلالُ الأرضِ الشَّاهِقَة ُ 7 وتُسقَى الأوديةُ دِماءً ، فيرتَفِعُ رَأسُكَ أيُّها المَلِكُ "

وكما ترى فمتّى قد اقتطع كعادته المهبَّبة ما يريد وما يظن أنه ينفعه وتَرَك ما لا يريد لأنه سيفضحه . كيف ؟

لقد أخذ الجلوسَ على يمين الرب ظناً منه أنه يدل على أن المسيح هو ابن الله ، مع أنه رغم ذلك لا يدل على هذا المعنى .

وفوق هذا فإن الله لم يجعل أعداء المسيح موطئاً لقدميه ، بل مكّنهم من قتله وصلبه وإهانته وشتمه وتكسير ركبتيه وطعْنه فى جنبه بالرمح كما أخبرنا كتاب الأناجيل .

ثم إن المسيح لم يكن له جنود يقودها لا على الجبال المقدسة ولا على الجبال المدنسة لأنه لم يكن قائداً أصلاً : لا عسكرياً ولا سياسياً ،

بل عندما سئل عن الجزية قال لهم : أَدُّوها لقيصر ، وعدّ ذلك إحراجاً له ، وهرب بتلك الطريقة بعيداً عن الموضوع ، وليس هذا تصرف القادة .

ثم متى كان المسيح كاهناً على رتبة ملكي صادق أو حتى على رتبة الفريق صادق ؟

لقد كانت منه حملة شرسة على الكهانة والكهان كما رأينا .

وفى النهاية ففى أول النص أن الله سيُجْلِسه على يمينه ، على حين نفاجأ فى آخر النص بأنه سوف يُجْلِسه على شماله (ما دام سبحانه سوف يجلس عن يمينه) . وحين يجدون لهذه وحدها حلاً يستطيعون أن يقابلونى !

ثم عندما نقول لهم : إن كتابكم مخرِّف ومحرَّف ، يشتمون سيد البشر والأنبياء !

خيبة الله على أصحاب العقول المظلمة التى يخيّم عليها العنكبوت ويَعيث فيها الدود مثل أدبارهم المنتنة !

* الفصل الثالث والعشرون :

يسوع يحذر من معلمي الشريعة والفريسيـين :

" وخاطَبَ يَسوعُ الجُموعَ وتلاميذَهُ ، 2قالَ : " مُعلَّمو الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ على كُرسِيَّ موسى جالسونَ ، 3 فاَفعَلوا كُلَ ما يَقولونَهُ لكُم واَعمَلوا بِه . ولكِنْ لا تَعمَلوا مِثلَ أعمالِهِم ، لأنَّهُم يَقولونَ ولا يَفعلونَ : 4 يَحزِمونَ أحمالاً ثَقيلَةً شاقَّةَ الحَمْلِ ويُلْقونَها على أكتافِ النّاسِ ، ولكنَّهُم لا يُحَرَّكونَ إصْبَعاً تُعينُهُم على حَمْلِها .

5 وهُمْ لا يَعمَلونَ عَمَلاً إلاّ لِـيُشاهِدَهُمُ النّاسُ : يجعَلونَ عَصائِبَهُم عريضَةً على جِباهِهِم وسواعِدِهم ، ويُطَوَّلونَ أطرافَ ثِـيابِهِم ، 6 ويُحبّونَ مَقاعِدَ الشَّرَفِ في الوَلائِمِ ومكانَ الصَّدارَةِ في المجامِـعِ 7 والتحِيّاتِ في الأسواقِ ، وأنْ يَدْعُوَهُمُ النّاسُ : يـا مُعلَّمُ .

8 أمّا أنتُم فلا تَسمَحوا بأنْ يَدْعُوَكُم أحدٌ : يا مُعلَّمُ ، لأنّـكُم كُلَّكُم إخوَةٌ ولكُم مُعلَّمٌ واحدٌ . 9 ولا تَدْعوا أحداً على الأرضِ يا أبانا ، لأنَّ لكُم أباًَ واحداً هوَ الآبُ السَّماويٌّ . 10 ولا تَسمَحوا بأنْ يَدْعوَكُم أحدٌ : يا سيَّدُ ، لأنَّ لكُم سيَّداً واحداً هوَ المَسيحُ . 11 وليكُنْ أكبَرُكُم خادِماً لكُم . 12فَمَن يَرفعْ نَفسَهُ يَنخفِضْ ، ومَنْ يَخفِضْ نفسَهُ يرتَفِـعْ .

13 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تُغلِقونَ مَلكوتَ السَّماواتِ في وُجوهِ النّاسِ ، فلا أنتُم تَدخُلونَ، ولا تَترُكونَ الدّاخلينَ يَدخُلونَ .

14 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تأكُلونَ بُيوتَ الأرامِلِ وأنتُمْ تُظهِرونَ أنَّـكُم تُطيلونَ الصَّلاةَ ، سيَنـالُكُم أشدٌّ العِقابِ .

15 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تَقطَعونَ البحرَ والبَـرَّ لتكسِبوا واحداً إلى دِيانَتِكُم ، فإذا نَجَحتُم ، جَعَلْتموهُ يستَحِقٌّ جَهنَّمَ ضِعفَ ما أنتُم تَستَحِقٌّونَ !

16 الوَيلُ لكُم أيٌّها القادَةُ العُميانُ ! تَقولونَ : مَنْ حَلفَ بالهَيكلِ لا يَلتزِمُ بـيَمينِهِ ، ولكنْ مَنْ حَلَفَ بذَهَبِ الهَيكَلِ يَلتَزِمُ بـيَمينِهِ . 17 فأيٌّما أعظمُ ، أيٌّها الجُهّالُ العُميانُ ؟ الذهَبُ أمِ الهَيكَلُ الَّذي قَدَّسَ الذهَبَ ؟ 18 وتَقولونَ : مَنْ حلَفَ بالمَذبحِ لا يلتَزمُ بـيمينِهِ ، ولكِنْ من حَلفَ بالقُربانِ الَّذي على المذبَحِ يَلتَزِمُ بـيَمينِهِ .

19 فأيٌّما أعظمُ ، أيٌّها العُميانُ ؟ القُربانُ أمِ المَذبحُ الَّذي يُقدَّسُ القُربانَ ؟ 20 أما ترَوْن أنَّ الَّذي يَحلِفُ بالمذبَحِ يَحلِف بِه وبِكُلٌ ما علَيهِ ، 21 والَّذي يَحلِفُ بالهَيكَلِ يَحلِفُ بِه وبالله السَّاكنِ فيهِ ، 22 والَّذي يحلِفُ بالسَّماءِ يحلِفُ بعَرشِ الله وبالجالِسِ علَيهِ ؟

23 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيٌّونَ المُراؤونَ ! تُعطُونَ العُشْرَ مِنَ النَعْنعِ والصَعتَرِ والكَمّونِ ، ولكنَّـكُم تُهمِلونَ أهمَّ ما في الشَّريعةِ : العَدلَ والرَّحمةَ والصَّدقَ ، وهذا ما كانَ يَجبُ علَيكُم أنْ تَعمَلوا بِه مِنْ دونِ أن تُهمِلوا ذاكَ . 24أيٌّها القادَةُ العُميانُ ! تُصَفّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ ، ولكنَّـكُم تَبتَلِعونَ الجمَلَ .

25 الويلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تُطَهَّرونَ ظاهِرَ الكأسِ والصَّحنِ ، وباطنُهُما مُمتلِـئ بِما حصَلتُم علَيهِ بالنَّهبِ والطَمَعِ . 26 أيٌّها الفَرَّيسيٌّ الأعمى ! طَهَّرْ أوَّلاً باطنَ الوِعاءِ ، فيَصيرَ الظَّاهِرُ مِثلَهُ طاهراً .

27 الويلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! أنتُم كالقُبورِ المبـيَضَّةِ ، ظاهرُها جميلٌ وباطِنُها مُمتَلئ بعِظامِ الموتى وبكُلٌ فسادٍ . 28وأنتُم كذلِكَ ، تَظهَرونَ لِلنّاسِ صالحينَ وباطِنُكُم كُلٌّهُ رِياءٌ وشَرٌّ .

29 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيٌّونَ المُراؤونَ ! تَبْنونُ قُبورَ الأنبـياءِ وتُـزَيَّنونَ مدافِنَ الأتقياءِ ، 30 وتَقولونَ : لو عِشنا في زَمَنِ آبائِنا ، لما شارَكْناهُم في سَفْكِ دَمِ الأنبـياءِ . 31 فتَشهَدونَ على أنفُسِكُم بأنَّـكُم أبناءُ الَّذينَ قَتلوا الأنبـياءَ . 32 فتَمَّموا أنتُم ما بَدأَ بِه آباؤُكُم .

33 أيٌّها الحيّاتُ أولادَ الأفاعي ! كيفَ ستَهرُبونَ مِنْ عِقابِ جَهنَّمَ ؟ 34 لذلِكَ سأُرسِلُ إلَيكُم أنبـياءَ وحُكَماءَ ومُعَلَّمينَ ، فمِنهُم مَنْ تَقتُلونَ وتَصلِبونَ ، ومِنهُم مَنْ تَجلِدونَ في مجامِعِكُم وتُطارِدونَ مِنْ مدينةٍ إلى مدينةٍ ، 35 حتَّ ? يَنزِلَ بِكُم العِقابُ على سَفكِ كُلٌ دمِ بريءٍ على الأرضِ ، مِنْ دمِ هابـيلَ الصَّدّيقِ إلى دمِ زكريّا بنِ بَرَخِيّا الَّذي قتَلتُموهُ بَينَ المَذبحِ وبَيتِ الله . 36 الحقُّ أقولُ لكُم : هذا كُلٌّهُ سيَقَعُ على هذا الجِيلِ !

محبة يسوع لأورشليم :

37 " أُورُشليمُ، أُورُشليمُ ! يا قاتِلَةَ الأنبـياءِ وراجِمةَ المُرسَلينَ إلَيها . كَم مَرَّةٍ أرَدتُ أنْ أجمَعَ أبناءَكِ ، مِثلَما تَجمَعُ الدَّجاجةُ فِراخَها تَحتَ جَناحَيْها ، فما أردتُم . 38وها هوَ بَيتُكُم مَتروكٌ لكُم خَراباً . 39أقولُ لكُم : لَن تَرَوْني إلاّ يومَ تهتِفونَ : تَبارَكَ الآتي بِاَسمِ الرَّبَّ "

التعليق :

_ سبق أن سمعنا المسيح (وفقاً لمتى) يقرر أنه إذا كان القدماء قد قالوا كذا وكذا فهو يقول شيئاً آخر لم تأت به الشريعة من قبل

وها نحن أولاء الآن نسمعه يقول شيئاً مختلفاً عن هذا الذى قال ، إذ يوصى تلاميذه والجموع التى كانت تلتف حوله بأن يفعلوا كل ما يأمرهم به رجال الدين اليهودى !

أى أن عليهم الالتزام بقوانين الشريعة كما يعلمهم إياها معلّمو الشريعة والفَرِّيسيّون ، وهو ما لا معنى له سوى أن عليهم نسيان ما كان قد قاله لهم .

وهذا تناقض آخر من التناقضات الحادة فى مواقف السيد المسيح وفى كلامه طبقاً لما كتبته عنه الأناجيل ، وإن كنا نحن لا نصدق شيئاً من هذا الذى تتقوله عليه تلك الأناجيل . وهذا هو النص المريب :

" مُعلَّمو الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ على كُرسِيَّ موسى جالسونَ ، 3 فاَفعَلوا كُلَ ما يَقولونَهُ لكُم واَعمَلوا بِه " .

_ أما ما جاء بعد هذا فى هجومه على المعلمين والفريسيين فهو يستحق أن يسجَّل بالإبر على آماق البَصَر لأنه من الكنوز الوعظية النفيسة التى لا يمكن تقويمها ولا دفع ثمنها :

" 4 يَحزِمونَ أحمالاً ثَقيلَةً شاقَّةَ الحَمْلِ ويُلْقونَها على أكتافِ النّاسِ ، ولكنَّهُم لا يُحَرَّكونَ إصْبَعاً تُعينُهُم على حَمْلِها . 5 وهُمْ لا يَعمَلونَ عَمَلاً إلاّ لِـيُشاهِدَهُمُ النّاسُ : يجعَلونَ عَصائِبَهُم عريضَةً على جِباهِهِم وسواعِدِهم ، ويُطَوَّلونَ أطرافَ ثِـيابِهِم ، 6 ويُحبّونَ مَقاعِدَ الشَّرَفِ في الوَلائِمِ ومكانَ الصَّدارَةِ في المجامِـعِ 7والتحِيّاتِ في الأسواقِ ، وأنْ يَدْعُوَهُمُ النّاسُ : يـا مُعلَّمُ . 8

أمّا أنتُم فلا تَسمَحوا بأنْ يَدْعُوَكُم أحدٌ : يا مُعلَّمُ ، لأنّـكُم كُلَّكُم إخوَةٌ ولكُم مُعلَّمٌ واحدٌ .

9 ولا تَدْعوا أحداً على الأرضِ يا أبانا ، لأنَّ لكُم أباً واحداً هوَ الآبُ السَّماويٌّ .

10 ولا تَسمَحوا بأنْ يَدْعوَكُم أحدٌ : يا سيَّدُ ، لأنَّ لكُم سيَّداً واحداً هوَ المَسيحُ . 11وليكُنْ أكبَرُكُم خادِماً لكُم . 12 فَمَن يَرفعْ نَفسَهُ يَنخفِضْ ، ومَنْ يَخفِضْ نفسَهُ يرتَفِـعْ .

13 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تُغلِقونَ مَلكوتَ السَّماواتِ في وُجوهِ النّاسِ ، فلا أنتُم تَدخُلونَ ، ولا تَترُكونَ الدّاخلينَ يَدخُلونَ . 14

[الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تأكُلونَ بُيوتَ الأرامِلِ وأنتُمْ تُظهِرونَ أنَّـكُم تُطيلونَ الصَّلاةَ ، سيَنـالُكُم أشدٌّ العِقابِ] .

15 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تَقطَعونَ البحرَ والبَـرَّ لتكسِبوا واحداً إلى دِيانَتِكُم ، فإذا نَجَحتُم جَعَلْتموهُ يستَحِقٌّ جَهنَّمَ ضِعفَ ما أنتُم تَستَحِقٌّونَ !

16 الوَيلُ لكُم أيٌّها القادَةُ العُميانُ ! تَقولونَ : مَنْ حَلفَ بالهَيكلِ لا يَلتزِمُ بـيَمينِهِ ، ولكنْ مَنْ حَلَفَ بذَهَبِ الهَيكَلِ يَلتَزِمُ بـيَمينِهِ . 17فأيٌّما أعظمُ ، أيٌّها الجُهّالُ العُميانُ ؟ الذهَبُ أمِ الهَيكَلُ الَّذي قَدَّسَ الذهَبَ ؟

18 وتَقولونَ : مَنْ حلَفَ بالمَذبحِ لا يلتَزمُ بـيمينِهِ ، ولكِنْ من حَلفَ بالقُربانِ الَّذي على المذبَحِ يَلتَزِمُ بـيَمينِهِ . 19 فأيٌّما أعظمُ ، أيٌّها العُميانُ ؟ القُربانُ أمِ المَذبحُ الَّذي يُقدَّسُ القُربانَ ؟ 20 أما ترَوْن أنَّ الَّذي يَحلِفُ بالمذبَحِ يَحلِف بِه وبِكُلٌ ما علَيهِ ، 21 والَّذي يَحلِفُ بالهَيكَلِ يَحلِفُ بِه وبالله السَّاكنِ فيهِ ، 22 والَّذي يحلِفُ بالسَّماءِ يحلِفُ بعَرشِ الله وبالجالِسِ علَيهِ ؟

23 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيٌّونَ المُراؤونَ ! تُعطُونَ العُشْرَ مِنَ النَعْنعِ والصَعتَرِ والكَمّونِ ، ولكنَّـكُم تُهمِلونَ أهمَّ ما في الشَّريعةِ : العَدلَ والرَّحمةَ والصَّدقَ ، وهذا ما كانَ يَجبُ علَيكُم أنْ تَعمَلوا بِه مِنْ دونِ أن تُهمِلوا ذاكَ .

24 أيٌّها القادَةُ العُميانُ ! تُصَفّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ ، ولكنَّـكُم تَبتَلِعونَ الجمَلَ .

25 الويلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! تُطَهَّرونَ ظاهِرَ الكأسِ والصَّحنِ ،  وباطنُهُما مُمتلِـئ بِما حصَلتُم علَيهِ بالنَّهبِ والطَمَعِ . 26 أيٌّها الفَرَّيسيٌّ الأعمى ! طَهَّرْ أوَّلاً باطنَ الوِعاءِ ، فيَصيرَ الظَّاهِرُ مِثلَهُ طاهراً .

27 الويلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! أنتُم كالقُبورِ المبـيَضَّةِ ، ظاهرُها جميلٌ وباطِنُها مُمتَلئ بعِظامِ الموتى وبكُلٌ فسادٍ . 28 وأنتُم كذلِكَ ، تَظهَرونَ لِلنّاسِ صالحينَ وباطِنُكُم كُلٌّهُ رِياءٌ وشَرٌّ .

29 الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيٌّونَ المُراؤونَ ! تَبْنونُ قُبورَ الأنبـياءِ وتُـزَيَّنونَ مدافِنَ الأتقياءِ ، 30وتَقولونَ : لو عِشنا في زَمَنِ آبائِنا ، لما شارَكْناهُم في سَفْكِ دَمِ الأنبـياءِ . 31فتَشهَدونَ على أنفُسِكُم بأنَّـكُم أبناءُ الَّذينَ قَتلوا الأنبـياءَ . 32فتَمَّموا أنتُم ما بَدأَ بِه آباؤُكُم .

33 أيٌّها الحيّاتُ أولادَ الأفاعي ! كيفَ ستَهرُبونَ مِنْ عِقابِ جَهنَّمَ ؟

34 لذلِكَ سأُرسِلُ إلَيكُم أنبـياءَ وحُكَماءَ ومُعَلَّمينَ ، فمِنهُم مَنْ تَقتُلونَ وتَصلِبونَ ، ومِنهُم مَنْ تَجلِدونَ في مجامِعِكُم وتُطارِدونَ مِنْ مدينةٍ إلى مدينةٍ ، 35حتَّى يَنزِلَ بِكُم العِقابُ على سَفكِ كُلٌ دمِ بريءٍ على الأرضِ ، مِنْ دمِ هابـيلَ الصَّدّيقِ إلى دمِ زكريّا بنِ بَرَخِيّا الَّذي قتَلتُموهُ بَينَ المَذبحِ وبَيتِ الله .

36 الحقُّ أقولُ لكُم : هذا كُلٌّهُ سيَقَعُ على هذا الجِيلِ " !

وهذا الكلام الذى يُنْسَب للمسيح يَصْدُق على كثير من علماء الدين ورجاله الذين اتخذوه حرفة وقتلوا روحه وقلبوه رأساً على عقب ،

وهو لا يقتصر على رجال الدين اليهود وحدهم ، بل يشملهم هم وعلماء الدين النصارى والمسلمين أيضاً ، إذ قد يتحول الدين على أيديهم إلى شكليات ميتة لا تحيى روحاً ولا تستنهض همة ولا تدفئ قلباً ولا تصحح مفهوماً ولا تسعد نفساً ولا تخلق عطفاً ولا مرحمة ولا تنشر محبة ولا تطرد الوحشة من حياة أى إنسان .

ترى ما فائدة الدين إذن ؟

إن كثيراً من المتدينين وعلماء الدين يقيمون الدنيا مثلاً كلاماً عن تقصير الثياب أو تطويل اللحية ، فى الوقت الذى لا يتطرقون إلى الحديث عن حقوق الشعوب تجاه حكامها أو حقوق الفقراء فى أموال القادرين .

وكثير ممن يمارسون الدعوة إلى الدين يحرصون أشد الحرص على تصدر المجالس وتقدم الصفوف وتمجيد الناس لهم وتلقيبهم بأفخم الألقاب ، وإلا فلا دعوة ولا يحزنون .

ومنهم من يأكلون الدنيا باسم الدين ، ويبتلعون السحت ويقولون : هل من مزيد ؟ وكأنهم جهنم الحمراء التى سَيَصْلَوْنها ويُشْوَوْن فيها يوم القيامة .

وكما حمل السيد المسيح حملته الشعواء على المرائين من كهان اليهود فقد حمل القرآن أيضاً على الرهبان والأحبار من اليهود والنصارى جميعاً :

" يَا أَيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة/ 34- 35) ،

" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

* ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ,

وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا , فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ "(الحديد/ 26- 27) .

_ ولننظر فى نَهْى السيد المسيح لتلاميذه عن أن ينادوا أحداً على وجه الأرض بكلمة " يا أبانا " لأنهم ليس لهم ، كما قال ، إلا أب واحد هو الله فى السماء !

وهذا دليل آخر على أن أبوة الله للسيد المسيح ، إذا كان حقاً قد قالها ، إنما هى أبوة الرمز والدلالة على أنه هو الخالق الرازق الكريم الرحيم الغفور الودود …

_ ثم عندنا أيضاً الكلام المنسوب له عن القَسَم :

وكلامه فى هذا المضمار يدل على أنه قد نَسِىَ ما قاله من النهى عن الحَلِف ، فها هو ذا يحاجّ الفريسيين ومعلمى الشريعة بأن الحَلِف بالهيكل أقوى من الحَلِف بذهب الهيكل لأن الحلف بالهيكل يساوى الحلف بالله الساكن فيه ، كما أن الحلف بالسماء يساوى الحلف بعرش الله وبالله ذاته .

ولو كان القَسَم منهيّاً عنه فعلاً لما أتعب نفسه فى هذا الجدال ولقال باختصار إن القَسَم مرفوض فى دينه ، ولكنه كما نرى لم يفعل .

فعلام يدل هذا ؟

ألا يدل على أن معظم ما جاء فى الأناجيل هو مجرد " كلام فى الهجايص " ؟

_  كذلك لدينا هذا العنف فى الخطاب العيسوى مع الكتبة والفريسيين ، وهو عنف يناقض الصورة التى يرسمها البكاشون له بناء على ما جاء فى الأناجيل على زعمهم ، ويسوقونها زاعمين أنه كان وديعاً وعطوفاً ورحيماً مع الجميع : الأعداء قبل التابعين !

إنها كذبة كبرى استطاعت للأسف أن تعشش فى أذهان الأغبياء قروناً وقروناً ، وساعد على هذا ما وصف به القرآن أخلاق عيسى بن مريم وسلوكه .

لكن لا بد من معرفة أن ثمة فارقاً واسعاً وعميقاً بن العيسيين : عيسى القرآن ، وهو عِيسًى رقيقٌ لطيفٌ ودودٌ بارٌّ بأمه يدعو إلى التوحيد ويعرف حدوده فيلتزمها ولا يتعالى على قدره ولا يخطر له التطلع إلى مقام الألوهية .

ثم عيسى الأناجيل ، وهو عِيسًى شتامٌ هجامٌ يتربص بالآخرين الأخطاء ولا يحترم أمه ولا يتورع عن تحقير تلاميذه متهماً إياهم بقلة الإيمان بل بانعدامه ، ويهدد الدنيا بأنه إنما جاء بالسيف لا بالسلام ، وبإثارة المنازعات حتى داخل البيت الواحد لا بالحب والمودة والتعايش السلمى بين الطوائف المختلفة !

وهذه بعض شتائمه وسخائمه :

الوَيلُ لكُم يا مُعَلَّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ ! _ الوَيلُ لكُم أيٌّها القادَةُ العُميانُ ! _ أيٌّها العُميانُ ! أيٌّها الجُهّالُ العُميانُ ! _ أيٌّها الحيّاتُ أولادَ الأفاعي ! _ كيفَ ستَهرُبونَ مِنْ عِقابِ جَهنَّمَ ؟ تُصَفّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ ، ولكنَّـكُم تَبتَلِعونَ الجمَلَ . _ أيٌّها الفَرَّيسيٌّ الأعمى _ ! أُورُشليمُ ، أُورُشليمُ ! يا قاتِلَةَ الأنبـياءِ وراجِمةَ المُرسَلينَ إلَيها !

إننى حين أقول هذا لا أريد الانحياز لصفوف الفريسيين والمعلمين ،

بل كل ما أبغيه أن أبين للقراء الكرام أن ما يقال عن وداعة عيسى وتواضعه فى الإنجيل ليس إلا دعوى يكذّبها الرجوع بأنفسنا لذلك الإنجيل كما فعل العبد لله ، فعندئذ تتضح الصورة الصحيحة على الفور بمجرد لمسك القشرة الرقيقة لذلك الإنجيل ، تلك القشرة التى تتساقط من مجرد اللمس !

وبالمناسبة فالكتبة الدينيون اليهود والفريسيون يستحقون فعلاً كل ما قاله فى حقهم السيد المسيح ، لكن القول بأن المسيح ، حسبما صوره الإنجيل ، هو شخص وديع بَلْهَ المثال الأعلى فى الرقة والرحمة والوداعة والتواضع ، هو قولٌ كاذب أو على الأقل : قولٌ واهم .

وبالمناسبة أيضاً فإن جرابيع المهجر وكلابه المسعورة لهى أشد استحقاقاً لأن يقال لها : أيٌّها الجُهّالُ العُميانُ ! أيها المراؤون الكذبة ! أيتها الحيات أولاد الأفاعى ! الوَيلُ لكُم أيٌّها الصمّ العُميانُ ذوى العقول والقلوب الغُلْف !

ليس لكم يوم القيامة عند الله إلا ربط أيديكم وأرجلكم بالجنازير الشائكة وطَلْى أبدانكم المنتنة بالزفت والقَطِران ثم إلقاؤكم فى قعر جهنم جزاءاً وفاقاً على كفركم بالله وإشراككم به ثم التطاول على سيد النبيين والمرسلين ! ألا لعنة الله عليكم أجمعين أكتعين أبصعين !

* الفصل الرابع والعشرون :

يسوع ينبـئ بخراب الهيكل :

" وخرَجَ يَسوعُ مِنَ الهَيكَلِ . وبَينَما هوَ يَبتَعِدُ عَنهُ ، دَنا إلَيهِ تلاميذُهُ يُوجَّهونَ نظَرَهُ إلى أَبنِـيةِ الهَيكَلِ . 2فقالَ لهُم : " أتَرَونَ هذا كُلَّهُ ؟ الحقَّ أقولُ لكُم : لن يُترَكَ هُنا حجَرٌ على حجَرٍ ، بل يُهدَمُ كُلٌّهُ " .

الاضطراب والاضطهاد :

3 وبَينَما يَسوعُ جالسٌ في جبَلِ الزَّيتونِ ، سألَهُ تلاميذُهُ على اَنفِرادٍ : " أخبِرْنا متى يَحدُثُ هذا الخَرابُ ، وما هِـيَ علامَةُ مَجيئِكَ واَنقِضاءِ الدَّهرِ ؟ "

4 فأجابَهُم يَسوعُ : " اَنتَبِهوا لِـئلاّ يُضلَّلَكُم أحدٌ . 5سيَجيءُ كثيرٌ مِنَ النّاسِ مُنتَحِلينَ اَسمي ، فيقولونَ: أنا هوَ المَسيحُ ! ويَخدعونَ كثيراً مِنَ النّاسِ . 6 وستَسمَعونَ بالحُروبِ وبِأخبارِ الحُروبِ ، فإيّاكُم أن تَفزَعوا . فهذا لا بُدَّ مِنهُ ، ولكنَّها لا تكونُ هيَ الآخِرةَ . 7 ستَقومُ أُمَّةٌ على أُمَّةٍ ، ومَملَكَةٌ على مملَكَةٍ ، وتَحدُثُ مجاعاتٌ وزَلازِلُ في أماكِنَ كثيرةٍ . 8 وهذا كُلٌّهُ بَدءُ الأوجاعِ .

9 وفي ذلِكَ الوَقتِ يُسلَّمونَكُم إلى العَذابِ ويَقتُلونَكُم . وتُبغِضُكُم جميعُ الأُممِ مِنْ أجلِ اَسمي . 10 ويَرتَدٌّ عَنِ الإيمانِ كثيرٌ مِن النّاسِ ، ويَخونُ بعضُهُم بَعضاً ويُبغِضُ واحدُهُم الآخَرَ . 11 ويَظهَرُ أنبـياءُ كذّابونَ كثيرونَ ويُضلَّلونَ كثيراً مِنَ النّاسِ . 12 ويَعُمٌّ الفَسادُ ، فَتبرُدُ المَحبَّةُ في أكثرِ القُلوبِ . 13 ومَنْ يَثبُتْ إلى النَّهايَةِ يَخلُصْ . 14 وتَجيءُ النَّهايةُ بَعدَما تُعلَنُ بِشارةُ مَلكوتِ الله هذِهِ في العالَمِ كُلَّهِ ، شَهادةً لي عِندَ الأُمَمِ كُلَّها .

الخراب العظيم :

15 " فإذا رَأيتُم " نَجاسَةَ الخَرابِ " التي تكلَّمَ علَيها النَّبـيٌّ دانيالُ قائِمةً في المكانِ المُقَدَّسِ (إفهَمْ هذا أيٌّها القارئْ) ، 16 فَلْيَهرُبْ إلى الجِبالِ مَنْ كانَ في اليهودِيَّةِ . 17 ومَنْ كانَ على السَّطحِ ، فلا يَنزِلْ لِـيأخُذَ مِنَ البَيتِ حوائجَهُ . 18 ومَنْ كانَ في الحَقْلِ فلا يَرجِـــعْ ليَأخُذَ ثَوبَهُ. 19 الوَيلُ لِلحَبالى والمُرضِعاتِ في تِلكَ الأيّامِ . 20

صَلٌّوا لِـئلاَّ يكونَ هرَبُكُم في الشَّتاءِ أو في السَّبتِ . 21 فسَتَنزِلُ في ذلِكَ الوقتِ نكبةٌ ما حدَثَ مِثلُها مُنذُ بَدءِ العالَمِ إلى اليومِ ، ولن يَحدُثَ . 22 ولولا أنَّ الله جعَلَ تِلكَ الأيّامَ قَصيرةً ، لَما نَجا أحدٌ مِنَ البشَرِ . ولكِنْ مِنْ أجلِ الَّذينَ اَختارَهُم جعَلَ تِلكَ الأيّامَ قصيرةً .

23 فإذا قالَ لكُم أحدٌ : ها هوَ المَسيحُ هُنا ، أو ها هوَ هُناكَ ! فلا تُصدَّقوهُ ، 24 فسيَظهرُ مُسَحاءُ دجّالونَ وأنبـياءُ كذّابونَ ، يَصنَعونَ الآياتِ والعَجائبَ العَظيمةَ ليُضَلَّلوا ، إنْ أمكَنَ ، حتَّى الذينَ اَختارَهُمُ الله . 25 ها أنا أُنذِرُكُم . 26

فإنْ قالوا لكُم : ها هوَ في البرّيَّةِ ! فلا تَخرُجوا إلى هُناكَ ، أو ها هوَ في داخِلِ البُيوتِ ! فلا تُصدَّقوا ، 27 لأنَّ مجيءَ اَبنِ الإنسانِ يكونُ مِثلَ البَرقِ الَّذي يلمَعُ مِنَ المشرقِ ويُضيءُ في المغرِبِ . 28وحَيثُ تكونُ الجِيفَةُ تَجتَمِـعُ النٌّسورُ .

مجيء ابن الإنسان :

29 " وفي الحالِ بَعدَ مصائبِ تِلكَ الأيّامِ ، تُظلِمُ الشَّمسُ ولا يُضيءُ القمَرُ . وتتساقَطُ النٌّجومُ مِنَ السَّماءِ ، وتَتَزعزعُ قُوّاتُ السَّماءِ . 30 وتَظهَرُ في ذلِكَ الحينِ علامةُ اَبنِ الإنسانِ في السَّماءِ ، فتَنتَحِبُ جميعُ قبائِلِ الأرضِ ، ويَرى النّاسُ اَبنَ الإنسانِ آتـياً على سَحابِ السَّماءِ في كُلٌ عِزّةٍ وجلالٍ . 31 فيُرسِلُ ملائِكَتَهُ بِبوقٍ عَظيمِ الصَوتِ إلى جِهاتِ الرّياحِ الأربعِ ليجمَعوا مُختاريهِ مِنْ أقصى السَّماواتِ إلى أقصاها .

عبرة التينة :

خُذوا مِنَ التَّـينةِ عِبرةً : إذا لانَتْ أغصانُها وأورَقَتْ ، علِمتُم أنَّ الصَّيفَ قريبٌ . 33 وكذلِكَ إذا رأيتُم هذا كُلَّهُ ، فاَعلَموا أنَّ الوقتَ قريبٌ على الأبوابِ . 34 الحقَّ أقولُ لكُم : لن ينقضِيَ هذا الجِيلُ حتى يتِمَّ هذا كُلٌّهُ . 35 السَّماءُ والأرضُ تَزولانِ وكلامي لنْ يَزولَ .

السهر الدائم :

36 " أمّا ذلِكَ اليومُ وتِلكَ السَّاعةُ فلا يَعرِفُهُما أحدٌ ، لا ملائِكةُ السَّماواتِ ولا الاَبنُ ، إلاّ الآبُ وحدَهُ .

37 وكما حدَثَ في أيّامِ نوحِ فكذلِكَ يَحدُثُ عِندَ مجيءِ اَبنِ الإنسانِ . 38 كانَ النّاسُ في الأيّامِ التي سَبَقتِ الطُوفانَ يأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتَزاوَجونَ ، إلى يومِ دخَلَ نوحٌ الفُلكَ . 39 وما كانوا ينتَظِرونَ شيئاً ، حتَّى جاءَ الطُوفانُ فأغرَقهُم كُلَّهُم . وهكذا يَحدُثُ عِندَ مَجيءِ اَبنِ الإنسانِ : 40 فيكونُ رَجُلانِ في الحقلِ ، فيُؤخذُ أحدُهُما ويُترَكُ الآخَرُ . 41 وتكونُ اَمرأتانِ على حجَرِ الطحنِ ، فتُؤخَذُ إحداهُما وتُتركُ الأُخرَى .

42 فاَسهَروا ، لأنَّكُم لا تَعرِفونَ أيَّ يومِ يَجيءُ رَبٌّكُم . 43 واَعلَموا أنَّ رَبَّ البَيتِ لو عَرَفَ في أيَّةِ ساعَةٍ مِنَ اللَّيلِ يَجيءُ اللَّصٌّ ، لسَهِرَ وما تَركَهُ يَنقُبُ بَيتَهُ . 44 فكونوا أنتُم أيضاً على اَستِعدادٍ ، لأنَّ اَبنَ الإنسانِ يَجيءُ في ساعةٍ لا تَنتَظِرونَها .

مثل الخادم الأمين :

45 " فَمَن هوَ الخادِمُ الأمينُ العاقِلُ الَّذي أوكَلَ إلَيهِ سيَّدُهُ أن يُعطِيَ خَدمَهُ طعامَهُم في حينِهِ ؟ 46

هنيئاً لذلِكَ الخادِمِ الَّذي يَجدُهُ سيَّدُهُ عِندَ عَودَتِهِ يقومُ بِعَمَلِهِ هذا . 47 الحقَّ أقولُ لكُم : إنَّه يُوكِلُ إلَيهِ جميعَ أموالِهِ .

48 أمّا إذا كانَ هذا الخادِمُ شِرَّيراً وقالَ في نَفسِهِ : سيَــتأخَّرُ سيَّدي ، 49 وأخذَ يَضرِبُ رِفاقَهُ ويأكُلُ ويَشرَبُ معَ السِكَّيرينَ ، 50 فيَرجِـــعُ سيَّدُهُ في يومِ لا يَنتَظِرُهُ وساعةٍ لا يَعرِفُها ، 51 فيُمزَّقُهُ تَمزيقاً ويَجعلُ مصيرَهُ معَ المُنافِقينَ . وهُناكَ البُكاءُ وصريفُ الأسنان " ِ.

التعليق :

_ أما الهيكل فقد انتهى أمره ، والنبوءة نبوءة صحيحة ، ومن هنا فإننا نؤمن أنها جزء من الوحى السماوى الذى نزل على عيسى بن مريم عليه السلام لأنه ما من بشر يستطيع أن يعلم الغيب إلا بإلهام من السماء

أما القول المنسوب إليه من أنه " سيَجيءُ كثيرٌ مِنَ النّاسِ مُنتَحِلينَ اَسمي ، فيقولونَ : أنا هوَ المَسيحُ ! ويَخدعونَ كثيراً مِنَ النّاسِ " ، فيبدو أنه أقل مصداقية من نبوءة تهدم الهيكل ، فإن " كثيرين " لم يأتوا منتحلين اسمه صلى الله عليه وسلم .

وأذكر الآن اثنين من هؤلاء : الأول هو اليهودى التركى سباتاى زفى ، الذى ظهر فى النصف الثانى من القرن السابع عشر وادعى أنه المسيح المنتظر ، ثم تحول ظاهرياً بعد ذلك إلى الإسلام . وهذا الرجل هو الجذر الذى نبت وتفرع منه يهود الدونمة فى تركيا .

والثانى نبى قاديان المزيف غلام أحمد الهندى ، الذى أعلن دعواه فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر

أما الأنبياء الكذبة فمنهم مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسى فى الماضى ، والقاديانى والباب والبهاء ورشاد خليفة وبريقع والخنزير شاروش ، الذى زعم هبوط " الفرقان الحق" على استه المنتنة وعدد آخر من الرجال والنساء لا يحضرنى أسماؤهم الآن فى العصر الحديث .

_ ويبقى قوله إن حروباً ستقع ، وزلازل وبراكين ستثور وما إلى ذلك ، وهو كلام عام فى وقائع لا يختص بها عصر دون عصر ، فالحروب والزلازل والبراكين عنصر أساسى من عناصر تاريخ البشر وجغرافية الأرض التى يعيشون فوقها لم يتوقف نشاطه فى يوم من الأيام .

_ ثم نأتى إلى تصريحاته عن القيامة ، ونلاحظ أن كلامه يختلف فى بعض الأشياء عما قاله الرسول محمد ، ويتفق معه فى بعض الأشياء الأخرى :

فمثلاً نرى أن ما نصح به من أنه " إذا رَأيتُم " نَجاسَةَ الخَرابِ " التي تكلَّمَ علَيها النَّبـيٌّ دانيالُ قائِمةً في المكانِ المُقَدَّسِ ،  16 فَلْيَهرُبْ إلى الجِبالِ مَنْ كانَ في اليهودِيَّةِ . 17 ومَنْ كانَ على السَّطحِ ، فلا يَنزِلْ لِـيأخُذَ مِنَ البَيتِ حوائجَهُ . 18 ومَنْ كانَ في الحَقْلِ فلا يَرجِـــعْ ليَأخُذَ ثَوبَهُ "

لا يتسق مع ما طالب الرسول به المسلمين من أنه " ‏إن قامت على أحدكم القيامة ، وفي يده ‏ ‏فَسْلة ، ‏‏ فلْيغرسها " ،

وإن كان كل من القولين يتسق مع المنحى العام للدين الذى يتبعه :

فعيسى عليه السلام ، إذا كان لنا أن نصدق كل ما نُسِب له فى الأناجيل ، يدعو إلى هجران الدنيا وتطليقها بالثلاث وعدم الاهتمام بأمورها بتاتاً كما قرأنا فى نصوص غير قليلة مرت بنا قبلاً ، فما بالنا إذا كانت الدنيا تلفظ أنفاسها الأخيرة فعلاً ؟

أما محمد ودينه فيدعوان بغير هذه الدعوة . إنهما يعملان على أن يجمع المسلم ، مثلما رأينا من قبل ، بين خَيْرَىِ الدنيا والآخرة .

_ ولنلاحظ أيضاً أنه حين سأل التلاميذُ معلّمَهم عن رجوعه بعد موته إلى الحياة لم يذكر سوى عودته قبيل القيامة ، ولم يتطرق إلى عودته الأخرى التى لا يذكرها إلا النصارى ، وهى قيامه المزعوم من الأموات بعد ثلاثة أيام من موته ودفنه ،

مما لا نصدق نحن المسلمين منه شيئاً لأننا نؤمن أنه لم يُصْلَب ولم يقتل ، بل " شُبّه لهم " كما قال القرآن ، ولا ندرى ماذا حدث له بالضبط لأن القرآن قد سكت عن ذلك تماماً .

_ وهناك توافق بين ما جاء فى الإنجيل عن علامات يوم القيامة وما ذكره القرآن عن ذات الموضوع :

ففى الإنجيل نقرأ :

" تُظلِمُ الشَّمسُ ولا يُضيءُ القمَرُ . وتتساقَطُ النٌّجومُ مِنَ السَّماءِ ، وتَتَزعزعُ قُوّاتُ السَّماءِ .

30 وتَظهَرُ في ذلِكَ الحينِ علامةُ اَبنِ الإنسانِ في السَّماءِ ، فتَنتَحِبُ جميعُ قبائِلِ الأرضِ ، ويَرى النّاسُ اَبنَ الإنسانِ آتـياً على سَحابِ السَّماءِ في كُلٌ عِزّةٍ وجلالٍ . 31

فيُرسِلُ ملائِكَتَهُ بِبوقٍ عَظيمِ الصَوتِ إلى جِهاتِ الرّياحِ الأربعِ ليجمَعوا مُختاريهِ مِنْ أقصى السَّماواتِ إلى أقصاها "

وهو ما تنبأ القرآن بأشياء مشابهة له مثل قوله تعالى فى سورة " القيامة " :

" بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) " ،

وقوله فى سورة " التكوير " :

" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ(11) "

وقوله فى سورة " الانفطار " :

  " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) " .

_ كذلك هناك البوق العظيم الصوت الذى  يزعم كاتب الإنجيل أن ابن الإنسان " سيُرسِلُ ملائِكَتَهُ (به) إلى جِهاتِ الرّياحِ الأربعِ ليجمَعوا مُختاريهِ مِنْ أقصى السَّماواتِ إلى أقصاها " ..

إذ لدينا نحن أيضاً " النفخ فى الصور " الذى ذُكِر فى سورة " الزمر " و " ق" و " الحاقة " ، بيد أن هذا النفخ لا يجمع المختارين وحدهم ، بل يقوم الموتى جميعاً لدن سماعه من مقابرهم ويحدث البعث والنشور استجابة لأمر الله لا لأمر ابن الإنسان أو خلافه !

كما سيأتى الله سبحانه بكل جلاله فى ظُلَلٍ من الغمام ومعه ملائكته حاملين عرشه طبقاً لما ورد فى سورة " البقرة " و"الحاقة" و" الفجر " مثلاً ، وليس هناك ذكر بأى شىء لابن الإنسان لأنه ليس لله شريك لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ، بل هو الله الواحد الأحد :

" هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (210) " ،

" فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) " ،

" كَلاّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) " .

_ إلا  أن القول المنسوب للمسيح من أنه " لن ينقضِيَ هذا الجِيلُ حتى يتِمَّ هذا كُلٌّهُ " هو قول غير صحيح ، ببساطة لأنه لم يحدث ، وهذا يكفى فى تكذيبه !

ومثله قوله : " السَّماءُ والأرضُ تَزولانِ وكلامي لنْ يَزولَ " ، إذ لا أظن إلا أن القراء قد تيقنوا بأنفسهم أن الإنجيل الحقيقى لم يعد له وجود ، وأن ما يسمى بالأناجيل قد تم العبث بها والتحريف فيها .

لكن قوله : " أمّا ذلِكَ اليومُ وتِلكَ السَّاعةُ فلا يَعرِفُهُما أحدٌ ، لا ملائِكةُ السَّماواتِ ولا الاَبنُ ، إلاّ الآبُ وحدَهُ " فهو نفسه ما يقوله الإسلام :

" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ؟ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ , ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً . يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ! قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " (الأعراف/ 187) ،

" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا " (النازعات/ 42-  46) .

ولا شك أن  التفرقة بن الآب  من جهة ، والابن والملائكة من ناحية أخرى فى مسألة الوقت الذى تقوم فيه الساعة هو برهان خطير على أن ما يزعمه القوم عن أن الآب هو الابن هو الروح القدس ، فهم جميعاً شىء واحد بأقانيم ثلاثة ، كلام غير صحيح ،

فهاهو ذا عيسى عيه السلام ينكر  بكل حسم ووضوح قدرته هو أو الملائكة على معرفة الوقت الذى تقوم فيه القيامة

أى أنه ، عليه السلام ، ليس فيه شىء من الألوهية ، بل هو مجرد بشر من البشر رغم الحمل الإعجازى !

_ الفصل الخامس والعشرون :

مثل العذارى :

" ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ عَشرَ عَذارى حمَلْنَ مَصابـيحَهُنَّ وخرَجْنَ لِلقاءِ العَريسِ . 2 وكانَ خَمسٌ مِنهُنَّ جاهِلاتٍ وخَمسٌ عاقِلاتٍ . 3 فحَمَلتِ الجاهِلاتُ مَصابـيحَهُنَّ ، وما أخَذنَ معَهنَّ زَيتاً . 4 وأمّا العاقِلاتُ ، فأخَذْنَ معَ مَصابـيحِهِنَّ زَيتاً في وِعاءٍ . 5 وأبطأَ العَريسُ ، فنَعِسنَ جميعاً ونِمنَ .

6 وعِندَ نِصفِ اللَّيلِ عَلا الصَّياحُ : جاءَ العَريسُ ، فاَخْرُجْنَ لِلقائِهِ ! 7 فقامَتِ العَذارى العَشْرُ وهيَّأْنَ مَصابـيحَهُنَّ .

8 فقالَتِ الجاهِلاتُ لِلعاقِلاتِ : أعطينَنا من زَيْتِكُنَّ ، لأنَّ مَصابـيحَنا تَنطفِـئْ . 9 فأجابَتِ العاقِلاتُ : رُبَّما لا يكفي لنا وَلكُنَّ ، فاَذهَبْنَ إلى البَــيّاعينَ واَشترِينَ حاجَتَكُنَّ .

10 وبَينَما هُنَّ ذاهباتٌ ليَشترينَ ، وصَلَ العَريسُ . فدَخلَتْ معَهُ المُستعِدّاتُ إلى مكانِ العُرسِ وأُغلقَ البابُ .

11 وبَعدَ حينٍ رجَعَتِ العَذارى الأُخَرُ فقُلنَ : يا سيَّدُ ، يا سيَّدُ ، اَفتَحْ لنا ! 12 فأجابَهُنَّ العريسُ : الحقَّ أقولُ لكُنَّ : أنا لا أعرِفُكُنَّ .

13 فاَسهَروا ، إذاً ، لأنََّـكُم لا تَعرِفونَ اليومَ ولا السّاعَةَ .

مثل الوزنات :

14 " ويُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ رجُلاً أرادَ السَّفَرَ ، فدَعا خدَمَهُ وسَلَّمَ إلَيهِم أموالَهُ ، 15 كُلُّ واحدٍ مِنهُم على قَدْرِ طاقَتِهِ . فأعطى الأوّلَ خمسَ وزَناتٍ مِنَ الفِضَّةِ ، والثّاني وزْنَــتَينِ ، والثّالثَ وزنَةً واحدةً وسافرَ . 16 فأسرَعَ الَّذي أخذَ الوَزَناتِ الخَمسَ إلى المتُاجَرةِ بِها ، فربِـحَ خَمسَ وزَناتٍ . 17 وكذلِكَ الَّذي أخذَ الوَزْنَتينِ ، فرَبِـحَ وزْنَتينِ . 18 وأمّا الَّذي أخذَ الوَزْنَة الواحدَةَ ، فذهَبَ وحفَرَ حُفْرةً في الأرضِ ودفَنَ مالَ سيَّدِهِ .

19 وبَعدَ مُدّةٍ طويلةٍ ، رجَعَ سيَّدُ هؤُلاءِ الخَدَمِ وحاسَبَهُم . 20 فجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزَناتِ الخَمسَ ، فدَفَعَ خَمسَ وزَناتٍ مَعَها وقالَ : يا سيَّدي ، أعطيتَني خَمسَ وَزَناتٍ ، فخُذْ خَمسَ وزَناتٍ رَبِحتُها . 21 فقالَ لَه سيَّدُهُ : أحسَنتَ ، أيٌّها الخادمُ الصالِـحُ الأمينُ ! كُنتَ أميناً على القليلِ ، فسَأُقيمُكَ على الكَثيرِ : اَدخُلْ نَعيمَ سيَّدِكَ .

22 وجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزْنتَينِ ، فقالَ : يا سيَّدي ، أعطَيتَني وزْنَــتَينِ ، فخُذْ معَهُما وزْنتَينِ رَبِحتُهُما . 23 فَقالَ لَه سيَّدُهُ : أحسنتَ ، أيٌّها الخادِمُ الصّالِـحُ الأمينُ ! كُنتَ أميناً على القَليلِ ، فسأُقيمُكَ على الكَثيرِ : اَدخُلْ نَعيمَ سيَّدك

َ24 وجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزْنةَ الواحِدَةَ ، فقالَ : يا سيَّدُ ، عَرَفْتُكَ رجُلاً قاسِياً ، تحصِدُ حيثُ لا تَزرَعُ ، وتَجمَعُ حيث لا تَبذُرُ ، 25 فخِفتُ . فذَهبتُ ودفَنْتُ مالَكَ في الأرضِ ، وها هوَ مالُكَ . 26 فأجابَهُ سيَّدُهُ : يا لَكَ من خادِمِ شِرّيرٍ كَسلانَ ! عَرَفتَني أحصِدُ حَيثُ لا أزرَعُ وأجمَعُ حيثُ لا أبذُرُ ، 27 فكانَ علَيكَ أنْ تضَعَ مالي عِندَ الصَّيارِفَةِ ، وكُنتُ في عَودتي أستَرِدٌّهُ معَ الفائِدَةِ .

28 وقالَ لخَدَمِه : خُذوا مِنهُ الوَزْنَةَ واَدْفَعوها إلى صاحِبِ الوَزَناتِ العَشْرِ ، 29 لأنَّ مَنْ كانَ لَه شيءٌ ، يُزادُ فيَفيضُ . ومَنْ لا شيءَ لَه ، يُؤخذُ مِنهُ حتى الَّذي لَه . 30 وهذا الخادِمُ الَّذي لا نَفْعَ مِنهُ ، اَطرَحوهُ خارِجاً في الظّلامِ . فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ .

يوم الدينونة :

31 " ومَتى جاءَ اَبنُ الإنسانِ في مَجدِهِ ، ومعَهُ جميعُ ملائِكَتِهِ يَجلِسُ على عرشِهِ المَجيدِ ، 32 وتَحتَشِدُ أمامَهُ جميعُ الشٌّعوبِ ، فيُفرِزُ بَعضَهُم عَنْ بَعضٍ ، مِثلَما يُفرِزُ الرّاعي الخِرافَ عَنِ الجداءِ ، 33 فيَجعَلُ الخِرافَ عَنْ يَمينِهِ والجِداءَ عن شِمالِه .

34 ويقولُ المَلِكُ للَّذينَ عن يَمينِهِ : تَعالَوا ، يا مَنْ باركهُم أبـي ، رِثُوا المَلكوتَ الذي هَيَّـأهُ لكُم مُنذُ إنشاءِ العالَمِ ، 35 لأنَّي جُعتُ فأطعَمتُموني ، وعَطِشتُ فسَقَيْتُموني ، وكُنتُ غَريبًا فآوَيْتُموني ، 36 وعُرياناً فكَسَوْتُموني ، ومَريضاً فَزُرتُموني ، وسَجيناً فجِئتُم إليَّ .

37 فيُجيبُهُ الصّالِحونَ : يا ربٌّ ، متى رأيناكَ جوعاناً فأطْعَمناكَ ؟ أو عَطشانًا فَسَقيْناكَ ؟ 38 ومتى رَأيناكَ غَريباً فآويناكَ ؟ أو عُرياناً فكَسوناكَ ؟ 39 ومتى رَأيناكَ مَريضاً أو سَجيناً فزُرناكَ ؟ 40

فيُجيبُهُمُ المَلِكُ : الحقَّ أقولُ لكُم : كُلَ مَرَّةٍ عَمِلْتُم هذا لواحدٍ من إخوتي هَؤلاءِ الصَّغارِ ، فلي عَمِلتُموهُ !

41 ثُمَّ يَقولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمالِهِ : اَبتَعِدوا عنَّي ، يا ملاعينُ ، إلى النّارِ الأبدِيَّةِ المُهيّـأةِ لإبليسَ وأعوانِهِ : 42 لأنَّي جُعتُ فما أطعَمْتُموني ، وعَطِشتُ فما سَقَيْتُموني ، 43 وكُنتُ غَريباً فما آوَيْتموني ، وعُرياناً فما كَسَوْتُموني ، ومريضاً وسَجيناً فما زُرْتُموني .

44 فيُجيبُهُ هؤُلاءِ : يا ربٌّ ، متى رأيناكَ جوعاناً أو عَطشاناً ، غريباً أو عُرياناً ، مريضاً أو سَجيناً ، وما أسْعَفْناكَ ؟

45 فيُجيبُهُم المَلِكُ : الحقَّ أقولُ لكُم :  كُلَ مرَّةٍ ما عَمِلتُم هذا لِواحدٍ مِنْ إخوتي هؤلاءِ الصَّغارِ ، فلي ما عمِلتُموهُ . 46 فيذهَبُ هؤُلاءِ إلى العَذابِ الأبديَّ ، والصّالِحونَ إلى الحياةِ الأبدِيَّةِ "  .

التعليق :

_ قد يستغرب قارئ الأناجيل حين يجد هذا الإلحاح على ملكوت السماوات وكأنه لا يوجد تقريباً شىء آخر من بضاعة الروح عند السيد المسيح .

وقد وقفت طويلاً أمام تلك الظاهرة فبدا لى أنها ربما ترجع إلى أن طوائف من اليهود لم تكن تعتقد فى القيامة والبعث والحساب والثواب والعقاب ، وأنه حتى لو كان هناك بعث وحساب فإن الله محابيهم ولن يعذّبهم (إن عذّبهم) إلا أياماً معدودات كما ورد فى القرآن تصويراً لعقائد أولئك البشر :

_ " وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً . قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80)

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (البقرة/ 80-82) ،

_ " قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(94)

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " (البقرة/ 94-  96) ،

_ " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ *

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ *

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " (آل عمران/ 23-  25) ،

_ " مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً , بئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *

قلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *

وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *

قلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " (الجمعة/ 5_8 ) .

ولا ننس أن القرآن يمتلئ هو أيضاً بالحديث المتكرر كثيراً عن البعث والجنة والنار ،

لكن فى القرآن ، إلى جانب هذا ، كلاماً كثيرا كذلك عن أمور الدنيا المختلفة من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمل واجتهاد وإتقان وتفكير وعلم وعلاقات اجتماعية وأوضاع اقتصادية وشؤون عسكرية وسياسية ومعاملات يومية وزواج وطلاق وميراث وتركات… إلخ

مما لا نظير له فى الأقوال المنسوبة للمسيح إلا فى بعض الأمور الضيقة ، وليس بهذا الاتساع والتفصيل كما بينت مراراً .

_ شىء آخر يلفت النظر فى الأمثال التى يضربها السيد المسيح حسبما هو موجود فى الأناجيل ، ألا وهو حديثه أحياناً عن العُرْس والزواج والأطفال رغم ما هو معروف فى النصرانية الحاليّة من ميل طائفة من رجال دينها إلى الترهب مما دانه القرآن لما اعتراه من غلوّ لا تستحبّه السماء ورغم ما هو معروف عنه ، صلى الله عليه وسلم ، من أنه لم يتزوج ، ومن ثم لم ينجب أطفالاً .

ومعروف كذلك ما نطالعه فى إعلانات وَفَيَات القوم فى الصحف من أن الآنسة الفلانية المتوفاة ستكون عروساً للمسيح فى السماوات ، مع أن المسيح ، حسبما قلنا ، لم يخطب ولم يتزوج ، وإن لم يمنع هذا بعض الملاحدة الغربيين من غمزه ولمزه واتهامه ، كما سبقت الإشارة ، بأنه كانت له علاقة بهذه المرأة أو ذلك الشاب من أتباعه ، لعن الله كل من يسىء إلى أى نبى من المُصْطَفَيْن الأخيار ، وعلى رأسهم سيد الرسل والأنبياء .

وفى ضوء هذا نقرأ المثل التالى الذى ذكره كاتب الإنجيل فى الفصل الذى نحن فيه الآن :

" يُشبِهُ مَلكوتُ السَّماواتِ عَشرَ عَذارى حمَلْنَ مَصابـيحَهُنَّ وخرَجْنَ لِلقاءِ العَريسِ . 2 وكانَ خَمسٌ مِنهُنَّ جاهِلاتٍ وخَمسٌ عاقِلاتٍ . 3 فحَمَلتِ الجاهِلاتُ مَصابـيحَهُنَّ ، وما أخَذنَ معَهنَّ زَيتاً . 4 وأمّا العاقِلاتُ ، فأخَذْنَ معَ مَصابـيحِهِنَّ زَيتاً في وِعاءٍ . 5 وأبطأَ العَريسُ ، فنَعِسنَ جميعاً ونِمنَ .

6 وعِندَ نِصفِ اللَّيلِ عَلا الصَّياحُ : جاءَ العَريسُ ، فاَخْرُجْنَ لِلقائِهِ ! 7 فقامَتِ العَذارى العَشْرُ وهيَّأْنَ مَصابـيحَهُنَّ . 8 فقالَتِ الجاهِلاتُ لِلعاقِلاتِ : أعطينَنا من زَيْتِكُنَّ ، لأنَّ مَصابـيحَنا تَنطفِـئْ .

9 فأجابَتِ العاقِلاتُ : رُبَّما لا يكفي لنا وَلكُنَّ ، فاَذهَبْنَ إلى البَــيّاعينَ واَشترِينَ حاجَتَكُنَّ .

10 وبَينَما هُنَّ ذاهباتٌ ليَشترينَ ، وصَلَ العَريسُ . فدَخلَتْ معَهُ المُستعِدّاتُ إلى مكانِ العُرسِ وأُغلقَ البابُ . 11 وبَعدَ حينٍ رجَعَتِ العَذارى الأُخَرُ فقُلنَ : يا سيَّدُ ، يا سيَّدُ ، اَفتَحْ لنا ! 12

فأجابَهُنَّ العريسُ : الحقَّ أقولُ لكُنَّ : أنا لا أعرِفُكُنَّ . 13 فاَسهَروا ، إذاً ، لأنََّـكُم لا تَعرِفونَ اليومَ ولا السّاعَةَ " .

ومما هو جدير بالذكر ولم يلتفت إليه على خطورته أحد فى حدود علمى أن المسيح قد جعل للعريس الواحد عدة عرائس بلغ عددهن عشراً ، وإن كان بعضهن لم يتم زواجهن لكسلهن وتهاونهن لا لشىء آخر .

تُرى أولو كان تعدد الزوجات أمراً محرماً فى ديانة عيسى ، أكان عليه السلام يضرب مِثْل هذا المَثَل ؟

الواقع والحق والحقيقة أنه لا يوجد فى الأناجيل نص واحد فى تحريم تعدد الزوجات ، فلماذا إذن التطاول والتسافه والتباذؤ والسفالة وشغل الصياعة والإجرام مع سيد الخلق ودينه العظيم ؟

_ كذلك يلفت النظر فى أمثال الأناجيل تكرر الكلام فيها عن المال والتجارة والزراعة والصَّيْرَفة… إلخ مما يبدو متناقضاً مع مناداة المسيح ، حسبما رأينا من قبل ، بنبذ الدنيا وما فيها من مال ومناصب ، وهو ما من شأنه أن يؤدى إلى العدمية أو فى أقل القليل : إلى التخلف والرضا بالدونية فى كل شؤون الحياة .

ومن هنا قلنا ونقول إن النصرانية بوضعها الحالى لا تصلح لتنظيم أمور الدنيا ، بل هى ديانة هروبية لا تواجه الواقع وتكتفى بالمثاليات المتشنجة التى لا تؤكّل عَيْشاً ولا جُبْناً لأنها لا تخاطب الطبيعة البشرية ، بل تهوّم فى الفراغ ولا حديث لها تقريباً إلا عن الملكوت ، وكأنه لا يوجد قبل ذلك الملكوت حاجة اسمها : " الدنيا " !

وفى هذا المثل لا يتحرج ضاربه (أستغفر الله) من تشبيهه سبحانه وتعالى بالمرابى الشحيح المتحجر القلب الذى يعبد الدينار والدرهم ولا هَمّ له سوى زيادة رأس ماله ، والسلام ، ولا يطيق أحداً أن يضيّع عليه أية صفقة من صفقات الربا ، فلذلك يكون تعذيبه لمثل هذا الشخص رهيباً لا رحمة فيه :

" 24 وجاءَ الَّذي أخَذَ الوَزْنةَ الواحِدَةَ ، فقالَ : يا سيَّدُ ، عَرَفْتُكَ رجُلاً قاسِياً ، تحصِدُ حيثُ لا تَزرَعُ ، وتَجمَعُ حيث لا تَبذُرُ ، 25 فخِفتُ . فذَهبتُ ودفَنْتُ مالَكَ في الأرضِ ، وها هوَ مالُكَ . 26

فأجابَهُ سيَّدُهُ : يا لَكَ من خادِمِ شِرّيرٍ كَسلانَ ! عَرَفتَني أحصِدُ حَيثُ لا أزرَعُ وأجمَعُ حيثُ لا أبذُرُ ، 27 فكانَ علَيكَ أنْ تضَعَ مالي عِندَ الصَّيارِفَةِ ، وكُنتُ في عَودتي أستَرِدٌّهُ معَ الفائِدَةِ .

28 وقالَ لخَدَمِه : خُذوا مِنهُ الوَزْنَةَ واَدْفَعوها إلى صاحِبِ الوَزَناتِ العَشْرِ ، 29 لأنَّ مَنْ كانَ لَه شيءٌ ، يُزادُ فيَفيضُ . ومَنْ لا شيءَ لَه ، يُؤخذُ مِنهُ حتى الَّذي لَه .

30 وهذا الخادِمُ الَّذي لا نَفْعَ مِنهُ ، اَطرَحوهُ خارِجاً في الظّلامِ . فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأسنانِ " .

أما فيا يلى فإنى لعلى يقين أن كتبة هذه السير العيسوية التى يسمونها : " الأناجيل" قد استبدلوا " ابن الإنسان " باسم الله كما حدث من قبل فى بعض الحالات التى نبهنا إليها فى حينها :

" ومَتى جاءَ اَبنُ الإنسانِ في مَجدِهِ ، ومعَهُ جميعُ ملائِكَتِهِ يَجلِسُ على عرشِهِ المَجيدِ ، 32 وتَحتَشِدُ أمامَهُ جميعُ الشٌّعوبِ ، فيُفرِزُ بَعضَهُم عَنْ بَعضٍ ، مِثلَما يُفرِزُ الرّاعي الخِرافَ عَنِ الجداءِ ، 33 فيَجعَلُ الخِرافَ عَنْ يَمينِهِ والجِداءَ عن شِمالِه .

34 ويقولُ المَلِكُ للَّذينَ عن يَمينِهِ : تَعالَوا ، يا مَنْ باركهُم أبـي ، رِثُوا المَلكوتَ الذي هَيَّـأهُ لكُم مُنذُ إنشاءِ العالَمِ ، 35 لأنَّي جُعتُ فأطعَمتُموني ، وعَطِشتُ فسَقَيْتُموني ، وكُنتُ غَريباً فآوَيْتُموني ، 36 وعُريانًا فكَسَوْتُموني ، ومَريضاً فَزُرتُموني ، وسَجيناً فجِئتُم إليَّ . 37

فيُجيبُهُ الصّالِحونَ : يا ربٌّ ، متى رأيناكَ جوعاناً فأطْعَمناكَ ؟ أو عَطشاناً فَسَقيْناكَ ؟ 38 ومتى رَأيناكَ غَريباً فآويناكَ ؟ أو عُرياناً فكَسوناكَ ؟ 39 ومتى رَأيناكَ مَريضاً أو سَجيناً فزُرناكَ ؟

40 فيُجيبُهُمُ المَلِكُ : الحقَّ أقولُ لكُم : كُلَ مَرَّةٍ عَمِلْتُم هذا لواحدٍ من إخوتي هَؤلاءِ الصَّغارِ ، فلي عَمِلتُموهُ ! 41

ثُمَّ يَقولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمالِهِ : اَبتَعِدوا عنَّي ، يا ملاعينُ ، إلى النّارِ الأبدِيَّةِ المُهيّـأةِ لإبليسَ وأعوانِهِ : 42 لأنَّي جُعتُ فما أطعَمْتُموني ، وعَطِشتُ فما سَقَيْتُموني ، 43 وكُنتُ غَريباً فما آوَيْتموني ، وعُرياناً فما كَسَوْتُموني ، ومريضاً وسَجيناً فما زُرْتُموني .

44 فيُجيبُهُ هؤُلاءِ : يا ربٌّ ، متى رأيناكَ جوعاناً أو عَطشاناً ، غريباً أو عُرياناً ، مريضاً أو سَجيناً ، وما أسْعَفْناكَ ؟

45 فيُجيبُهُم المَلِكُ : الحقَّ أقولُ لكُم : كُلَ مرَّةٍ ما عَمِلتُم هذا لِواحدٍ مِنْ إخوتي هؤلاءِ الصَّغارِ ، فلي ما عمِلتُموهُ . 46 فيذهَبُ هؤُلاءِ إلى العَذابِ الأبديَّ ، والصّالِحونَ إلى الحياةِ الأبدِيَّةِ "  .

إن الذى ستحمل الملائكة عرشه يوم القيامة ويحاسب البشر إنما هو الله لا ابن الإنسان .

ونستطيع فى ضوء هذا أن نقرأ النصوص التالية من سورة " مريم " و"يس" و " فُصِّلَتْ " و " الحاقّة " و " المطفِّفين" و " الانشقاق " على التوالى :

_ " يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) " ،

_ " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)

وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)

وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) " ،

_ " فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ (29) " ،

_ " فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ويحمل عرشَ ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية * يومئذ تُعْرَضون لا تَخْفَى منكم خافية " ،

_ " أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) " ،

_ " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6)

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15) " .

أما المسيح بن مريم عليه السلام فيقول عنه القرآن المجيد ، ولنكتف بما جاء فى سورة " المائدة " :

_ " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (المائدة/ 17) ،

_ " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبي وَرَبَّكُمْ  إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) " ،

_ " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ , إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (116)

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ , فَلَمَّا تَوَفيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) " .

وامتداداً لهذه العقيد فى السيد المسيح هناك حديث عن رب العزة  يقول فيه سبحانه ما نُسِب فى الفصل الحالىّ للسيد المسيح عليه السلام ، وهو ما يرجع إلى أن كتبة الأناجيل قد استبدلوا فى بعض المواضع اسم المسيح باسم الله :

" ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏قال : ‏‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم :

 ‏إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : ‏يا ابن ‏‏ آدم ، ‏‏مرضتُ فلم تعدني .

قال : يا رب ، كيف ‏ ‏أعودك ‏ ‏وأنت رب العالمين؟

قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟

يا ابن ‏ ‏آدم ، ‏استطعمتُك فلم تطعمني .

قال : يا رب ، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟

قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟

يا ابن ‏ ‏آدم ، ‏‏استسقيتك فلم تسقني .

قال : يا رب ، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟

قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " .

فهأنت ترى ، أيها القارئ العزيز ، أننا قريبون من الله لدرجة انهدام الحواجز تماماً بيننا وبينه جل وعلا ، فنحن إذن فى معيته على الدوام ، وأن ما نفعله لإخواننا فى البشرية إنما يقع فى يد الله قبل أن يقع فى أيديهم ويرضيه سبحانه كما لو كان هو المنتفع به ، تعالى الله عن الحاجة إلى أى شىء أو الانتفاع بأى شىء ،

لكنه أسلوب المجاز الأقوى على التأثير وتحريك النفوس ، والأفعل فى إجاشة القلوب وبعثها على فعل الخير

وإلا فالله سبحانه أكبر من الكون ومن الزمن والتاريخ لأنه هو خالق الزمن والكون والتاريخ ،

ويستحيل من ثم أن يتجسد فيحتويه ما صنعته يداه من كون وزمن وتاريخ ،

فضلاً عن أن يُعْطَى ثدى أمه ويُرْضَع ويعضه الجوع فيبكى (خُذِ البِزَّة ونَمْ ! ) ، ويبول ويخرأ ويُضْرَب ويهان وتُكْسَر ركبته ويُطْعَن بالرمح فى جنبه ويتألم ويصرخ ويُصْلَب ويُقْتَل

(أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله! أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله ! أستغفر الله ! وأعوذ بالله من غضب الله !)

وإلا كانت الألوهية مَلْعَبَةً ومَعْيَلَةً ، تعالى الله عن ذلك !

_  ولنلاحظ كيف استبدل كاتب الإنجيل أيضاً عبارة " واحد من إخوتى هؤلاء الصغار " بكلمة " عبدى فلان " تمشياً مع اتجاهه فى تأليه المسيح وزعمه أنه عليه السلام هو الذى سوف يجلس على العرش يوم القيامة ويحاسب البشر .

بيد أن هاهنا موضعاً لملاحظة سريعة هى أن المسيح عليه السلام قد وَجَدَ فى الدنيا ، من بين محبّيه على الأقل ، من يطعمه ويسقيه ويقف معه فى أوقات التعب والقلق ، فبأى حق ينكر هذا كله ؟

الواقع أنْ ليس ذلك إلا ثمرة من ثمرات العبث والتبديل الذى تعرضت له النصرانية والأناجيل .

هذا ما نؤمن به بشأنه صلى الله عليه وسلم ، وطبعاً هذا لا يُرْضِى القوم فى المهجر مثلما لا يرضينا قولهم إنه هو الله أو ابن الله ، وهم يَرَوْن أن عقيدتنا هذه فى المسيح تسىء إليهم ،

ويريدون منا  أن نكف عن الإيمان بما نؤمن به فيما يخصه عليه السلام حسبما قرأت فى أحد مواقعهم السافلة المنحطة التى تسب القرآن والرسول عليه السلام والمسلمين وتشمت بهم لأنهم أخيراً ، كما جاء فى ذات الموقع المأبون كالقائمين عليه ، أخذوا يذوقون من نفس الكأس ويستمعون لأول مرة فى حياتهم نقداً وسَبّاً لدينهم وكتابهم ونبيهم .

وإنى لأسأل ولا أتوقع بل لا أريد منهم جواباً ، فهم أهون عندى من هذا : أَوَتعدَّى المسلمون يوماً على المسيح بن مريم بالسب والتحقير والكذب واختلاق الروايات كما يفعلون هم مع سيد النبيين والمرسلين ؟

بطبيعة الحال نحن المسلمين قلنا ونقول وسنظل نقول إن عيسى ليس إلا عبداً رسولاً ، وليس فيه من الألوهية بعض شىء على الإطلاق .

فإن أغضبهم هذا ، ولسوف يغضبهم بكل يقين ، فهو ما لا نملك لهم ولا لنا فيه شيئاً ، لأننا إذا لم نقل ذلك كنا كافرين بما نزل على نبينا ولم نكن مسلمين ،

وليس من المعقول ألا يؤمن أحد بما يقتنع به إلا بعد أن يلف " كعب داير " وفى يديه " الكَلَبْشَات " على سائر الملل والديانات والفلسفات والمذاهب يطلب منهم السماح بأن يتركوه يؤمن بما يؤمن به .

نحن لم ولن نطلب من القوم  أو من غيرهم أن يراعوا مشاعرنا فى ما يؤمنون به ، لكننا نقول إن قلة الأدب مع سيد الأنبياء والرسل ليست داخلة فى الإيمان بالسيد المسيح ،

وإلا فهل هناك نص واحد فى الأناجيل أو فى العهد القديم يسب محمداً عليه الصلاة والسلام أو يقول فيه ما لا نقوله نحن المسلمين ، وبالتالى فهم يتعبدون به ولا يملكون تجاهه شيئاً ؟ أبداً لا وجود لمثل هذا النص ،

ومن ثم فإننا لا نكلفهم من أمرهم عسراً إذا قلنا إن قلة أدبهم وسفالتهم لا معنى لها على الإطلاق .

ومع هذا فليمضوا إذا شاء لهم شيطانهم فى هذه  السفالة والسفاهة كما يحبون ،

ونحن نشعر أن ديننا أقوى من كل هذا السخف الذى يشنّعون  به بالباطل على نبينا ،

والمهم ألا يصرخوا تحت وقع مطارق الحق التى لا تعرف إلا قول الحق ، ولاشىء إلا الحق ، ولا تتوسل إلى ما تريد بما يتوسلون هم به من البكش والكذب واللف والدوران واختراع القصص والبهلوانيات الفكرية والعقيدية مما لم  ولن يوصلهم إلى شىء !

خذوا راحتكم على الآخر واشتموا واصرخوا كما تَبْغُون (وكل أموركم بَغْىٌ وعدوانٌ وإجرامٌ) ، فوَحَقِّ جلالِ الله لن يزيد بَغْيُكم وجَئِيرُكم وصراخُكم جلالَ رسولِ الله إلا عظمة وتألقاً وسطوعاً ،

ولا دينَه (رغم ضعف أتباعه لتكاسلهم ورضاهم بالدنيّة والتخلف والهوان) إلا عزّاً وانتشاراً ،

ولا أمريكا فى بلاد المسلمين (رغم كل التفوق الحربى والعلمى والاقتصادى الذى تحظى به ، ومعه الخيانة التى يتبرع بها بعض المسلمين لمساعدتهم ضد أمتهم) إلا انهزاماً فى نهاية المطاف واندحاراً !

أتظنون أن نجاستكم  المنتنة يا أنجاس يمكنها ، من مجارى البلاعات والبكابورتات التى تسكنها الصراصير والديدان والخنافس والفيران ، أن تطول أو تنال الطاهر ابن الطاهرين ؟

تفُوّ على وجوهكم الكريهة الكالحة أجمعين ،

وهذه " التفُوّ " بالمناسبة ليست من عندى حتى لا أُتَّهم بالسرقة وتكتبنى " عرب تايمز " عندها فى باب " اللصوص الظرفاء " ، بل أخذته من عنوان رسالة  إلى د. أسامة فوزى محرر تلك الجريدة كان المرسل يشتمه فيها !

وفى النهاية نعلنها واضحة صريحة من أعماق قلوبنا رغم ذلك كله فنقول إننا لا يمكننا أن نفكر ولو فى مس شعرة فى قدم عيسى بن مريم بأية  كلمة مسيئة ،

بل نحن مستمرون فى تبجيله واحترامه وحبه والإيمان به ، صلى الله عليه وعلى آله  وعلى كل من آمن بما دعا إليه  من التوحيد النقى الصافى ولم يشركه مع  الله فى شىء ، وصدّق بما بشر به من رسالة أحمد المصطفى  وسَلَّمَ تسليماً كثيراً ،  والحمد لله رب العالمين .

_ الفصل السادس والعشرون :

محاولة قتل يسوع :

" ولمّا أتمَّ يَسوعُ هذا الكلامَ كُلَّهُ ، قالَ لِتلاميذِهِ : 2 " تَعرِفون أنَّ الفِصحَ يَقَعُ بَعدَ يَومينِ ، وفيهِ يُسلَّمُ اَبنُ الإنسانِ ليُصلَبَ "

3 واَجتَمَعَ في ذلِكَ الحينِ رُؤساءُ الكهَنةِ وشُيوخُ الشَّعبِ في دارِ قيافا رَئيسِ الكَهنَةِ ، 4 وتَشاوروا ليُمسِكوا يَسوعَ بحيلَةٍ ويقتُلوهُ . 5 ولكنَّهُم قالوا : " لا نفعَلُ هذا في العيدِ، لِـئلاَّ يَحدُثَ اَضطِرابٌ في الشَّعبِ " .

امرأة تسكب الطيب على يسوع :

6 وبَينَما يَسوعُ في بَيتَ عَنْيا عِندَ سِمْعانَ الأبرصِ ، 7 دَنَتْ مِنهُ اَمرأةٌ تَحمِلُ قارورةَ طِيبٍ غالي الثَّمَنِ ، فسكَبَتهُ على رأسِهِ وهوَ يَتناولُ الطعامَ . 8 فلمّا رأى التَّلاميذُ ما عمِلَتْ ، اَستاؤُوا وقالوا : " ما هذا الإسرافُ ؟ 9 كانَ يُمكِنُ أنْ يُباعَ غالِـياً ، ويُوزَّعَ ثَمنُهُ على الفُقَراءِ ! "

10 فعَرفَ يَسوعُ وقالَ لهُم : " لِماذا تُزعِجونَ هذِهِ المَرأةَ ؟ فهيَ عَمِلَتْ لي عَملاً صالِحاً . 11 فالفُقراءُ عِندَكُم في كُلٌ حينٍ ،  وأمَّا أنا فلا أكونُ في كُلٌ حينٍ عِندَكُم .

12 وإذا كانَت سكبَتْ هذا الطّيبَ على جَسدي ، فَلِتُهَيَّئَهُ للدَفْنِ . 13 الحقَّ أقولُ لكُم : أينَما تُعلَنُ هذِهِ البِشارةُ في العالَمِ كُلَّهِ ، يُحدَّثُ أيضاً بعمَلِها هذا ، إحياءً لِذكرِها " .

خيانة يهوذا :

14 وفي ذلِكَ الوقتِ ذَهبَ أحدُ التَّلاميذِ الاثنَي عشَرَ ، وهوَ يهوذا الملقَّبُ بالإسْخَريوطِـيَّ ، إلى رُؤساءِ الكهَنَةِ 15 وقالَ لهُم : " ماذا تُعطوني لأُسَلَّمَ إلَيكُم يَسوعَ ؟ " فوَعدوهُ بثلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ . 16 وأخَذَ يَهوذا مِنْ تِلكَ السّاعةِ يترَقَّبُ الفُرصةَ ليُسَلَّمَ يَسوعَ .

عشاء الفصح مع التلاميذ :

17 وفي أوّلِ يومِ من عِيدِ الفَطير ، جاءَ التَّلاميذُ إلى يَسوعَ وقالوا لَه : " أينَ تُريدُ أنْ نُهيَّـئَ لكَ عشاءَ الفِصحِ ؟ " 18 فأجابَهُم : " إذهَبوا إلى فُلانٍ في المدينةِ وقولوا لَه : يقولُ المُعلَّمُ : جاءَتْ ساعَتي ، وسأتناوَلُ عَشاءَ الفِصحِ في بَيتِكَ معَ تلاميذي " . 19 فعَمِلَ التّلاميذُ ما أمرَهُم بِه يَسوعُ وهيَّـأوا عَشاءَ الفِصحِ .

20 وفي المَساءِ ، جلَسَ يَسوعُ لِلطَّعامِ معَ تلاميذِهِ الاثني عشَرَ . 21 وبَينَما هُمْ يأكُلونَ ، قالَ يَسوعُ : " الحقَّ أقولُ لكُم : واحدٌ مِنكُم سيُسلَّمُني " . 22 فحَزِنَ التَّلاميذُ كثيراً وأخَذوا يسألونَهُ ، واحداً واحداً : " هل أنا هوَ ، يا سيَّدُ ؟

" 23 فأجابَهُم : " مَنْ يَغمِسُ خُبزَهُ في الصَّحنِ معي هوَ الَّذي سَيُسلِمُني . 24 فاَبنُ الإنسانِ سيَموتُ كما جاءَ عَنهُ في الكِتابِ ، ولكِنَّ الويلَ لمن يُسلَّمُ اَبنَ الإنسانِ ! كانَ خيراً لَه أنْ لا يُولدَ " . 25 فسألَهُ يَهوذا الَّذي سيُسلِمُهُ : " هل أنا هوَ ، يا مُعَلَّمُ ؟ " فأجابَهُ يَسوعُ : " أنتَ قُلتَ " .

عشاء الرب :

26 وبَينَما هُم يأكُلونَ ، أخذَ يَسوعُ خُبزاً وبارَكَ وكَسَّرَهُ وناوَلَ تلاميذَهُ وقالَ : " خُذوا كُلوا ، هذا هوَ جَسَدي " . 27 وأخَذَ كأساً وشكَرَ وناوَلَهُم وقالَ : " إشرَبوا مِنها كُلٌّكُم . 28 هذا هوَ دَمي ، دمُ العَهدِ الَّذي يُسفَكُ مِنْ أجلِ أُناسٍ كثيرينَ . لِغُفرانِ الخطايا .

29 أقولُ لكُم : لا أشرَبُ بَعدَ اليومِ مِنْ عَصيرِ الكَرمةِ هذا ، حتى يَجيءَ يومٌ فيهِ أشرَبُهُ مَعكُم جَديداً في مَلكوتِ أبـي "  . 30 ثُمَّ سبَّحوا وخَرَجوا إلى جبَلِ الزَّيْتونِ .

يسوع ينبـئ بإنكار بطرس :

31 وقالَ لهُم يَسوعُ : " في هذِهِ اللَيلَةِ ستَترُكوني كُلٌّكُم ، فالكِتابُ يَقولُ : سَأضرِبُ الرّاعيَ ، فتَتَبدَّدُ خِرافُ القَطيعِ . 32 ولكِنْ بَعدَ قيامَتي مِنْ بَينِ الأمواتِ أسبُقُكُم إلى الجليلِ " . 33

فقالَ بُطرُسُ : " لَو تَركوكَ كُلٌّهُم ، فأنا لن أترُكَكَ " . 34 فقالَ لَه يَسوعُ : " الحقَّ أقولُ لكَ : في هذِهِ اللَّيلَةِ ، قَبلَ أن يَصيحَ الدّيكُ ، تُنكِرُني ثلاثَ مرّاتٍ " . 35 فأجابَهُ بُطرُسُ : " لا أُنكِرُكَ وإنْ كانَ علَيَّ أن أموتَ معَكَ " . وهكذا قالَ التَّلاميذُ كُلٌّهُم .

يسوع يصلّي في جتسماني :

36 ثمَّ جاءَ يَسوعُ معَ تلاميذِهِ إلى موضِعِ اَسمُهُ جَتْسِماني ، فقالَ لهُم : " أُقعُدوا هُنا ، حتَّى أذهَبَ وأُصلّيَ هُناكَ " . 37 وأخَذَ مَعهُ بُطرُسَ واَبنيْ زَبَدي ، وبَدأَ يَشعُرُ بالحُزنِ والكآبَةِ .

38 فقالَ لهُم : " نفسي حَزينَةٌ حتَّى الموتِ . اَنتَظِروا هُنا واَسهَروا مَعي " .

39 واَبتَعَدَ عنهُم قَليلاً واَرتَمى على وجهِهِ وصلَّى فَقالَ : " إنْ أمكَنَ يا أبـي ، فلْتَعبُرْ عنّي هذِهِ الكأسُ . ولكن لا كما أنا أُريدُ ، بل كما أنتَ تُريدُ " .

40 ورجَعَ إلى التَّلاميذِ فوجَدَهُم نِـياماً ، فقالَ لبُطرُسَ : " أهكذا لا تَقدِرونَ أنْ تَسهَروا مَعي ساعةً واحدةً ؟ 41 إسهَروا وصلٌّوا لِـئلاَّ تَقَعُوا في التَّجرِبَةِ . الرّوحُ راغِبةٌ ، ولكنَّ الجسَدَ ضَعيفٌ " .

42 واَبتَعدَ ثانيةً وصلّى ، فقالَ : " يا أبـي ، إذا كانَ لا يُمكِنُ أنْ تَعبُرَ عنّي هذِهِ الكأسُ ، إلاّ أنْ أشرَبَها ، فلْتكُنْ مَشيئتُكَ " . 43 ثُمَّ رجَعَ فوَجَدَهُم نِـياماً ، لأنَّ النٌّعاسَ أثقَلَ جُفونَهُم .

44 فتَركَهُم وعادَ إلى الصَّلاةِ مرَّةً ثالِثةً ، فردَّدَ الكلامَ نفسَهُ . 45 ثُمَّ رجَعَ إلى التَّلاميذِ وقالَ لهُم : " أنِـيامٌ بَعدُ ومُستَريحونَ ؟ جاءَتِ السّاعَةُ الَّتي فيها يُسلَّمُ ابنُ الإنسان إلى أيدي الخاطِئينَ . 46 قوموا نَنصرِفُ ! اَقترَبَ الَّذي يُسَلَّمُني " .

القبض على يسوع :

47 وبَينَما يَسوعُ يتكَلَّمُ وصَلَ يَهوذا ، أحدُ التَّلاميذِ الاثنَي عشَرَ ، على رأسِ عِصابةٍ كبـيرةٍ تَحمِلُ السُيوفَ والعِصِيَّ ، أرسلَها رُؤساءُ الكَهنَةِ وشُيوخُ الشَّعبِ .

48 وكانَ الَّذي أسلَمَهُ أعطاهُم عَلامَةً ، قالَ : " هوَ الَّذي أُقبَّلُهُ ، فأمسِكوهُ ! " 49 ودَنا يَهوذا في الحالِ إلى يَسوعَ وقالَ لَه : " السَّلامُ علَيكَ ، يا مُعَلَّمُ ! " وقَبَّلَهُ . 50 فقالَ لَه يَسوعُ : " اَفعَلْ ما جِئتَ لَه . يا صاحِبـي ! " فتَقدَّموا وألقَوا علَيهِ الأيدي وأمْسكوهُ . 51 ومَدَّ واحدٌ مِنْ رِفاقِ يَسوعَ يدَهُ إلى سَيفِهِ واَستلَّهُ وضرَبَ خادِمَ رئيسِ الكَهنَةِ ، فقَطَعَ أُذُنَهُ .

52 فقالَ لَه يَسوعُ : " رُدَّ سيفَكَ إلى مكانِهِ . فمَنْ يأخُذْ بالسّيفِ ، بالسّيفِ يَهلِكُ . 53 أتظُنٌّ أنَّي لا أقدِرُ أنْ أطلُبَ إلى أبـي ، فيُرسِل لي في الحالِ أكثَرَ مِنْ اَثنَي عشَرَ جَيشاً مِنَ المَلائِكَةِ ؟ 54 ولكِنْ كيفَ تتِمٌّ الكُتبُ المقدَّسةُ التي تَقولُ إنَّ هذا ما يَجبُ أنْ يَحدُثَ ؟ "

55 وقالَ يَسوعُ لِلجُموعِ : " أعَلى لِصٍّ خَرَجتُم بسُيوفٍ وعِصِيٍّ لتأخُذوني ؟ كُنتُ كُلَ يومِ أجلِسُ مَعكُم في الهَيكَلِ أعَلَّمُ ، فَما أخذتُموني . 56 ولكِنْ حدَثَ هذا كُلٌّهُ لِتَتِمَّ كُتبُ الأنبـياء ِ" . فتَركَهُ التَّلاميذُ كُلٌّهُم وهرَبوا .

يسوع في مجلس اليهود :

57 فالَّذينَ أمسكوا يَسوعَ أخَذوهُ إلى قَيافا رَئيسِ الكَهنَةِ ، وكانَ مُعَلَّمو الشَّريعةِ والشٌّيوخُ مُجتَمِعينَ عِندَهُ . 58 وتَبِعَه بُطرُسُ عَنْ بُعدٍ إلى دارِ رَئيسِ الكَهنَةِ . فدخَلَ وقَعدَ معَ الحَرَسِ ليرى النِهايةَ .

59 وكانَ رُؤساءُ الكَهنَةِ وجميعُ أعضاءِ المَجلِسِ يَطلُبونَ شَهادةَ زُورٍ على يَسوعَ ليَقتُلوهُ ، 60 فما وجَدوا ، معَ أنَّ كثيراً مِنْ شهودِ الزّورِ تَقدَّموا بشَهاداتِهِم . ثُمَّ قامَ شاهدان 61 وقالا : " هذا الرَّجُلُ قالَ : أقدِرُ أنْ أهدِمَ هَيكَلَ الله وأبنِـيَهُ في ثلاثةِ أيّامِ " . 62 فقامَ رئيسُ الكَهنَةِ وقالَ ليَسوعَ : " أما تُجيبُ بِشيءٍ ؟ ما هذا الَّذي يَشهَدانِ بِه علَيكَ ؟ "

63 فظَلَ يَسوعُ ساكِتاً . فقالَ لَه رَئيسُ الكَهنَةِ : " أستَحلِفُكَ بالله الحيَّ أنْ تَقولَ لنا : هَل أنتَ المَسيحُ اَبنُ الله ؟

" 64 فأجابَ يَسوعُ : " أنتَ قُلتَ . وأنا أقولُ لكُم : سترَوْنَ بَعدَ اليومِ اَبنَ الإنسانِ جالِساً عَنْ يَمينِ الله القَديرِ وآتــياً على سَحابِ السَّماءِ ! "

65 فشَقَّ رَئيسُ الكَهنَةِ ثيابَهُ وقالَ : " تجديفٌ ! أنَحتاجُ بَعدُ إلى شُهودٍ ؟ ها أنتُم سَمِعتُم تَجديفَهُ . 66 فما رأيُكُم ؟ " فأجابوهُ : " يَسْتَوجِبُ الموتَ ! "

67 فبَصَقوا في وَجهِ يَسوعَ ولطَموهُ ، ومِنهُم مَنْ لكَمَهُ 68 وقالوا : " تَنبّـأْ لنا ، أيٌّها المَسيحُ ، مَنْ ضَربَكَ ! "

بطرس ينكر يسوع :

69 وكانَ بُطرُسُ قاعِداً في ساحَةِ الدّارِ ، فدنَتْ إلَيهِ جاريَةٌ وقالَت : " أنتَ أيضاً كُنتَ معَ يَسوعَ الجليلّي ! " 70 فأنكَرَ أمامَ جميعِ الحاضرينَ ، قالَ : " لا أفهَمُ ما تَقولينَ " . 71 وخرَجَ إلى مَدخَلِ السّاحةِ ، فَرأتهُ جاريةٌ أخرى . فقالَت لِمَن كانوا هُناكَ : " هذا الرَّجُلُ كانَ معَ يَسوعَ النّاصريَّ ! " 72 فأنكَرَ بُطرُسُ ثانيةً وحلَفَ ، قالَ : " لا أعرِفُ هذا الرَّجُلَ ! "

73 وبَعدَ قَليلٍ جاءَ الحاضِرونَ وقالوا لِبُطرُسَ :  " لا شَكَّ أنَّكَ أنتَ أيضاً واحدٌ مِنهُم ، فلَهْجتُكَ تَدُلُّ علَيكَ ! "  74 فأخذَ يَلعَنُ ويحلِفُ : " أنا لا أعرِفُ هذا الرَّجُلَ " . فصاحَ الدّيكُ في الحالِ ،

75 فتذكَّرَ بُطرُسُ قَولَ يَسوعَ : " قَبلَ أنْ يَصيحَ الدّيكُ تُنكِرُني ثلاثَ مرّاتٍ " . فخرَجَ وبكى بُكاءً مُراً " .

التعليق :

_ مما لا أستطيع أن أفهمه فى حكاية الصلب : السبب الذى دفع يهوذا إلى خيانة للمسيح : ترى هل آذاه المسيح بشىء ؟ وهذا إذا كان المسيح بشراً ، وهو ما نعتقده ولا نتصور سواه لأن سواه مخالف للمنطق ولطبيعة الألوهية تمام المخالفة .

أما إن كان إلهاً أو ابن إله ، فكيف واتت يهوذا نفسه فأقدمت على ذلك الجرم الشنيع ، جُرْم الاعتداء على الله أو ابن الله ، ويهوذا بوصفه أحد الحواريين كان يعرف ، فيما هو مفترض ، أن عيسى كذلك ؟

وليس من المعقول فوق هذا أن يكون يهوذا منافقاً ويَخْفَى نفاقه طوال تلك المدة منذ عرف المسيح واتّبعه ، وبخاصة أنه لم يكن فى الظروف المحيطة به وبالمسيح ما يدفعه إلى إعلان الإيمان به تقية ونفاقاً ، إذ لم يكن فى يد عيسى عليه السلام من السلطان ما يمكن اتخاذه تكأةً للقول بإيمان يهوذا رياءاً ونفاقاً ؟

ولو افترضنا أنه رغم ذلك كله كان منافقاً منذ البداية ، فكيف فات هذا الأمر ابن الله الذى يعلم (أو يعلم والده) دبة النملة ذاتها وماركة فانلّة صدّام حسين الداخلية ؟

أمعقول أن تكون السى آى إيه الأمريكية أفضل من السى آى إيه السماوية ؟ بأمارة إيه إن شاء الله ؟

ولو تغاضينا عن ذلك كله وقلنا : لا داعى لتفتيح تلك المسائل المحرجة ،

فكيف يدين المسيح من سيسلمه لأعدائه كى يقتلوه فتتم مهمته التى أُنْزِل إلى الأرض من أجلها ، تلك المهمة النبيلة القائمة على التضحية وتحمل الآلام وألوان العذاب رغم أن ابن الله ، فيما نظن ، وبعض الظن ليس إثماً ، أكبر من كل ألم وعذاب ؟

هل كان يريد منه أن يقف حائلاً دون تنفيذ القبض عليه ومحاكمته وصَلْبه وقتله فيكون هو وأبوه أول من يدينانه ويقذفان به فى الجحيم لاعتراضه على المشيئة الإلهية الرحيمة ولعرقلته إنقاذ أرواح البشر المساكين القلقين الخائفين من حساب يوم الدين ، وبخاصة أولئك الذين تتقلقل أرواحهم فى قبورهم منذ بدء الخليقة حتى ذلك الوقت (واحسبوها أنتم براحتكم وقولوا لنا كم قرناً أو كم مليوناً من السنين مرت منذ ذلك الحين) ؟

إننى فى حيرة من أمرى وأمر السيد يهوذا معاً ؟

ولو كنت فى مكانه وعرفت من السيد المسيح أنه إنما نزل من السماء للصلب والقتل ,

  لكنت أول من يَسْعَوْن فى هذه الموضوع بكل همة وحماسة بوصفى ناشطاً فى سبيل الدفاع عن حق الإنسان فى البراءة من الخطيئة الأصلية التى لم يكن له فيها ذنب ، وعن حقه فى العيش دون خوف وقلق من مباحث أمن الكون أن تَطُبّ عليه فى أية لحظة وتسوقه أمامها إلى مصيره الأسود مثل وجهه دون إِحِمٍ ولا دستور ، لأنه سيكون هو البرهان القاطع على أننى أومن بأنه ابن الله أو الله !

ولا شك أن أية مؤاخذة ليهوذا (أو لى أنا إذا أقللت عقلى وحشرت نفسى فى هذه القضية المعقدة تعقيد " حِسْبة بِرْمَا " القريبة من قريتى ! ) هى ظلم غير مبرر ولا مفهوم !

لكن ألا تَرَوْن معى أيها القراء العاقلون (العاقلون فقط ، أما الغبيّون المهجريون فيمتنعون !) فى أن هذه " حَشْكَلَة " ليس لها نظير ؟

واحدٌ (أم تراهما اثنين : آدم وحواء؟ ) ارتكب غلطة عمره منذ أول الخليقة وأكل من الشجرة ، وسكت الله عليه مئات السنين حسب العهد القديم (أو ملايينها إذا كان لنا أن نصدق علماء الجيولوجيا والبيولوجيا) دون أن يفاتحه فى أمر هذا الذنب بكلمة منذ أنزله إلى الأرض ، فظن المسكين أنه ليس هناك شىء ضده وأن المسألة انتهت عند ذلك الحد ،

على حين أن الله سبحانه وتعالى كان يخمّرها له على نار هادئة وفى السر طوال تلك الحقب والأزمان (يا طيبة قلب آدم ! أكان يظن أن الغلطة ستمر هكذا ببساطة لمجرد أنه طُرِد من الفردوس ؟ لا يا آدم يا حبيبى ، كله إلا هذا ! ودعك من حكاية " إنا أَسْفَأْناكم " ! ) ،

ثم فجأة تغير الموقف (ولا تسألونى كيف !) وأراد الله أن يكفّر عن آدم وجنس بنى آدم تلك الخطيئة ، فاستبشرْنا خيراً وقلنا : الحمد لله أنه يريد أن يتوب علينا توبة نهائية ،

لنفاجأ مرة أخرى أن هناك كفارة وفداء يستلزمان نزول ابن الله الوحيد (مع أننا كنا نعرف بيقين أن الله ليس له ابن ولا بنت !) من السماء ليتعذب ويموت على الصليب ، وهو ما بدا لنا عملاً لا معنى (أو فى أحسن الأحوال : لا ضرورة) له ، إذ الأمر كله هو أمره ، ولا معقب عليه ولا يستطيع أجعص جعيص أن يفتح فمه اعتراضاً بكلمة ، وكان يمكن أن يعلن توبته على آدم وذريته بكلمة واحدة منه فينتهى الأمر عند هذا الحد .

أم عند أحد منكم يا متخلفى العقل والفكر المهجريين القليلى الأدب والذوق أى اعتراض ؟

أو تظنون أن بمستطاعنا الإيمان بأن ابن الله أو الله ذاته قد تعرض لهذا الذى يقوله مؤلفو الأناجيل من مثل :

" 67 فبَصَقوا في وَجهِ يَسوعَ ولطَموهُ ، ومِنهُم مَنْ لكَمَهُ 68 وقالوا : " تَنبّـأْ لنا ، أيٌّها المَسيحُ ، مَنْ ضَربَكَ ! "

وهذه ليست إلا " تصبيرة " ع الماشى ، فما زلنا فى البداية ، و " القادم مُذْهِلٌ أكثر " !

ومع ذلك فقد قلنا إنه سبحانه يفعل ما يشاء ولا يُسْأَل عما يفعل ، واستبشرنا خيراً على كل حال بأن ذنبنا القديم سوف ( أخيييييييييييييييييييييييييييراً ) يُغْفَر ،

لكننا قرأنا فى الإنجيل أن يهوذا الذى أعده الله لتسهيل الخطة الإلهية الخاصة بغفران الذنوب البشرية قد أدِين !!

غريبة ! إذن لقد رجعنا إلى خط البداية مرة أخرى وإلى خطيئة لا تَقِلّ (إن لم تزد) عن خطيئة آدم ، ألا وهى خطيئة قتل ابن الله الوحيد !

وهو ما يستلزم خلق ابن جديد مثل المسيح ليقتله ناس جُدُد ويخونه يهوذا جديد مرتكباً خطيئة جديدة يخلق الله من أجلها ابناً جديداً ليُقْتَل من جديد مما يستدعى خلق يهوذا جديداً يرتكب خطيئة جديدة تستلزم خلق ابن جديد كى يقتل من جديد فــ… (كَفَى ! كَفَى ! ارحمونا يا خلق هوووووه من هذه السلسلة التى لا تنتهى حلقاتها !) !

ثم لماذا انتظرت السماء كل تلك الأحقاب والدهور قبل أن تقرر الفداء والغفران ؟

وما وضْع الذين كانوا قد مَضَوْا قبل ذلك ولم يؤمنوا بأن المسيح هو فاديهم ومكفر سيئاتهم عنهم ؟

وما وضعنا نحن الآن ؟ أوبإمكاننا أن نرتكب الخطايا براحتنا دون خوف من عقاب ؟

يقولون : لا .

إذن فما جدوى كل هذه التعقيدات والحَشْكَلات التى دوّخت الإنسان السبع دوخات (دوخة تنطح دوخة !) إذا كنا كما يقول المثل العامى : وكأنك يا أبا زيد لا رحت ولا جئت ؟

دعونا من هذه القضية التى هى ، كما يقول العرب القدماء ، أعقد من ذَنَب الضَّبّ ،

وتعالوا إلى الشعور بالألم الذى كان على المسيح أن يقاسيه :

فيا ترى من الذى عانى ذلك الشعور ؟ أهو الله (أو ابن الله) ؟

لكن الآلهة لا تشعر بالآلام ، ولو كانت تشعر بالآلام لما كانت هناك حاجة لتجسُّد المسيح واتخاذه صورة البشر حتى يستطيع أن يشعر بالألم كما يشعرون !

أهو إذن النصف الثانى من المسيح ، النصف البشرى ؟!

إذن فالذى تعذب وقاسى واحد من البشر وليس ابن الله ، وعلى هذا فلا فداء ولا كفارة من ناحيته سبحانه ولا حاجة !

فأين الرحمة الإلهية فى الأمر إذا كان الذى عَزَمَنا على الطعام ليس هو الذى دفع الحساب ؟

ألم يسمع بقولهم : " من يُفَنْجِرْ يُفَنْجِرْ من جيبه ! " .

ثم هل من الممكن أن يتضاءل الله ، وهو المطلق اللامحدود ، فيصبح كائناً محدوداً يشغل حيزاً ذا أبعاد متناهية (تُعَدّ بالمناسبة بالسنتيمترات) ؟

إن الأمر كله مستحيل على أى وضع .

ولقد كان ممكناً فى الأزمنة القديمة أن يتصور متخلف قليل العقل أن الله يمكن أن يتجسد ، أما الآن ، ونحن نعرف شيئاً من اتساع الكون الرهيب الذى يدير العقل ويصيبه بالانبهار الخاطف للأنفاس ، فنستطيع من ثم أن نتصور على نحو ما معنى كلمة " اللامحدود " التى نصف بها الله سبحانه وتعالى ،

وأن نقتنع بأنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتجسد فى مكان وزمان معينين ، وهو (كما قلنا) خالق الزمان والمكان ، ومُطْبق قبضته على كل الكائنات والمخلوقات فى هذا العالم الذى تقاس مسافاته بملايين السنين الضوئية ، فكيف يمكن أن يحتويه عَزَّ وجَلَّ شىء من خَلْقه ؟

بصراحة لقد توقف مخى عن التفكير أمام هذا الخلل والتخلف العقلى ، وبالتالى سوف أسكت وأقول إن كل إنسان وكل طائفة حرة فى أن تؤمن بما تشاء . لكن ما معنى أن يُشْتَم سيد الخلق ؟

ومع هذا فهم أحرار فى شتمهم وقلة أدبهم . ونحن لا نستطيع أن نجاريهم فى سفاهتهم فننال المسيح عليه الصلاة والسلام بالأذى ، ذلك أننا نحبه حبّاً جمّاً ونؤمن أنه أطهر من الطهر ذاته كسائر أنبياء الله ورسله

لكننا نستطيع أن نكشف سوآتهم الفكرية والعقيدية ، والمهم ألا يتصايحوا ويقولوا إننا نعتدى عليهم ، فنحن إنما نرد العدوان على نبينا ، عليه وعلى عيسى بن مريم الصلاة والسلام .

_ وعودةً إلى ما رواه الإنجيل من قصة المسيح نتساءل : ألم يكن التلاميذ يرافقون المسيح عليه السلام ليل نهار ويتبعونه أينما ذهب أو جاء إلا أن يكلفهم بشىء يستدعى مفارقتهم له ؟

فكيف تركهم يهوذا دون أن يأذن له السيد المسيح ، بل دون أن يستفسر أحد عن سبب غيابه ، وذهب ليعقد صفقة تسلميه لرؤساء اليهود ؟

وعندما قال لهم المسيح إن الخائن هو من يغمس لقمته فى ذات الطبق الذى يأكل منه ، كيف لم يتنبه يهوذا فيمتنع عن التغميس من الطبق ؟

وحين قال له المسيح جواباً على سؤاله : " أنت قلت " ، بما يعنى أنه هو الخائن ، كيف سكت وسكتوا ، وكأنْ ليس فى الأمر شىء ؟

بل كيف تركوه يمضى ولم يضيقوا عليه الحصار كى يمنعوه من ارتكاب جريمته ؟

وهل مبلغ الثلاثين فضة بالمبلغ الذى يغرى يهوذا أو غير يهوذا باجتراح هذا الإثم الفظيع ؟

وحين عاد يهوذا (الله يخرب بيته جزاء ما صدّع دماغى من ضرب أخماس فى أسداس منذ ساعة وأكثر كى أفهم المسألة وأصل فيه إلى حل دون جدوى ! ) ، أكان فى حاجة لأن يقبّل المسيحَ كى يعرفه من أَتَوْا للقبض عليه ؟

أوكان عيسى عليه السلام مجهولاً إلى هذا الحد ؟

لقد رأينا الناس جميعاً والكهنة والفَرِّيسيِّين والصَّدُّوقيِّين والضباط والعرج والبرص والمجانين والممسوسين والأطفال الذين قاموا بمظاهرة فى الهيكل وكانوا يهتفون له (لا أظن أنكم قد نسيتموهم) ، وحتى الموتى يعرفونه جيداً بسبب معجزاته التى لم يشاهدوا مثلها من قبل وكان لها الفضل بعد الله فى إعادتهم إلى الحياة ،

فكيف تجهله الجماعة التى أتت للقبض عليه واحتاجت إلى أن يقبّله يهوذا حتى يعرفوه ؟

وكيف نصدق أن بطرس يجلس هكذا بكل جرأة بين العساكر الذين يحرسون جلسة المحاكمة فى قلب دار رئيس الكهنة ذاته ؟

ليس ذلك فقط ، بل كان يستدفئ معهم بالنار أيضاً ! (مرقس/ 14/ 54) ؟  أهى تكيّة ؟

وهل لنا أن نصدق ما قاله راوى الحكاية من أن " واحداً مِنْ رِفاقِ يَسوعَ  مد يدَهُ إلى سَيفِهِ واَستلَّهُ وضرَبَ خادِمَ رئيسِ الكَهنَةِ ، فقَطَعَ أُذُنَهُ . " ؟

بالله عليكم من أين حصل هذا الرجل على سيف ؟

ألعلّه اشتراه خردة من سوق الخميس فى المطرية ؟

أم تراه السيف الذى قال المسيح إنه جاء ليلقيه بدلاً من السلام ؟

لكن ها هو ذا المسيح يتنكر لما قاله ويقول للرجل : ما الذى تفعله يا مجنون ؟ أتريد أن تجلب علينا المصائب ؟ ارم السيف !

فلم قال إذن إنه جاء ليلقى سيفاً وناراً ؟ أهو كلام وطحينة ؟ :

" 52 فقالَ لَه يَسوعُ : " رُدَّ سيفَكَ إلى مكانِهِ. فمَنْ يأخُذْ بالسّيفِ ، بالسّيفِ يَهلِكُ . 53 أتظُنٌّ أنَّي لا أقدِرُ أنْ أطلُبَ إلى أبـي ، فيُرسِل لي في الحالِ أكثَرَ مِنْ اَثنَي عشَرَ جَيشاً مِنَ المَلائِكَةِ ؟ 54 ولكِنْ كيفَ تتِمٌّ الكُتبُ المقدَّسةُ التي تَقولُ إنَّ هذا ما يَجبُ أنْ يَحدُثَ ؟ "

وهل من المقنع أن يستل الرجل سيفه ويقطع أذن خادم رئيس الكهنة بحاله ومحتاله دون أن يطيِّر العساكرُ والجموعُ المتعطشة للدماء ، وفى أيديها العِصِىّ والسيوف ، رقبتَه فى الحال أو يقبضوا على الأقل عليه ويقدموه للمحاكمة ؟

بل لقد ورد فى إنجيل " لوقا " ما يُفْهَم منه أن التلاميذ جميعاً كان معهم سيوف ، إذ عرضوا على معلمهم أن يضربوا بالسيف (لوقا/ 22/ 49) !

إن لوقا يقول إن المسيح قد مد يده فأعاد الأذن المقطوعة إلى مكانها فأبرأها (لوقا/ 22/ 51) !!

عظيم ! لكن ألم يكن هو أولى بأن يخلص نفسه من المأزق الذى وجد نفسه فيه وكان من الواضح أنه يريد أن يجد ثغرة لكى ينفذ منه ويهرب من شرب تلك الكأس المرة ؟

سيقولون : لقد أرسله الله فى مهمة محددة ، فكيف يهملها ويمضى ؟

لكننا سمعناه يتألم ويشعر بالحزن حتى الموت كما قال ، بل ابتهل لربه أن يزيح عنه الكأس ، وهو ما يعنى أنه لم يكن يريد تأدية المهمة .

ثم هل سمح الله له بإبراء أذن الشرطى ؟

الواقع أن المسيح عملها دون انتظار إذنه سبحانه ، أفلم يكن الأَوْلَى به أن ينقذ نفسه من تلك المصيبة التى توشك أن تقع ؟

_ ثم هناك سؤال رئيس الكهنة وجواب المسيح عليه ، وهذه مشكلة أخرى :

" قالَ لَه رَئيسُ الكَهنَةِ : " أستَحلِفُكَ بالله الحيَّ أنْ تَقولَ لنا : هَل أنتَ المَسيحُ اَبنُ الله ؟ " 64 فأجابَ يَسوعُ : " أنتَ قُلتَ . وأنا أقولُ لكُم : سترَوْنَ بَعدَ اليومِ اَبنَ الإنسانِ جالِساً عَنْ يَمينِ الله القَديرِ وآتــياً على سَحابِ السَّماءِ ! " ،

فرئيس الكهنة يريد أن يعرف منه هل هو ابن الله ، لكنه لا يجيب على السؤال مكتفياً بقوله : أنت قلت ! وهى إجابة لا تقول شيئاً ،

ومع ذلك فعندما يتحدث عما سيحدث عند القيامة يسمى نفسه : " ابن الإنسان " ، فما دلالة ذلك ؟

إنه اعتراف صريح بأنه إنسان . ولا أظن أحداً يمكنه أن يدعى بأنه كان خائفاً ، وإلا لقلنا : فلماذا لم يدافع عن نفسه كى ينقذها من هذا الذى يخاف منه ؟

ثم إن قوله عن نفسه بأنه سيظل يوم القيامة " ابناً للإنسان " لا يعنى إلا أنه ليس ولم يكن فى يوم من الأيام إلا " ابناً للإنسان " ،

لأننا إذا قلنا كما يقول القوم إنه تجسد على الأرض كى يخالط البشر فى ثوبه البشرى ويحس بآلامهم البشرية ، فما الداعى إذن إلى بقائه حتى فى يوم القيام وأثناء جلوسه على يمين أبيه السماوى " ابناً للإنسان " ؟

بل ما الداعى إلى بقاء الأقانيم الثلاثة أصلاً بعد أن انتهى التجسد فلم تعد إلى حالتها الأولى من التوحد بعدما انتهت حكاية التأقنم التى أوجعوا بها دماغنا ولخبطوا عقلنا ولم يعد هناك آبٌ وابنٌ وروح قدس ؟

لماذا لم نَزَلْ نرى الابن جالساً على يمين أبيه ، بما يعنى أننا ما بَرِحْنا أمام إلهين ، والمفروض ألا يكون هناك الآن سوى الإله الواحد الذى يدّعى القوم أن هذه الأقانيم هى هو فى الحقيقة ، لكنها انقسمت على الأرض لغرض التجسد والتضحية والفداء فقط ؟

مصيبة أخرى من المصائب الثقيلة !

ولكى ننتهى من هذه القضية الشائكة فإننا نتساءل :

وماذا فيما وقع ليسوع على الصليب مما يستحق أن نتألم له أو نعجب به ؟

إنه ابن الله كما يقول من يؤمنون بهذه الحكاية ، فهل تشكّل مثل هذه الأمور شيئاً ذا بال أو غير ذى بال للآلهة وأولادهم ، وهم الذين اخترعوا الآلام والعذاب والصلب والقتل ولا يمثل هذا كله ولا أضعافه تريليونات المرات أية معضلة لهم على الإطلاق ؟

_ وهناك نقطة عارضة نفتح لها هنا قوسين تتعلق بشرب الخمر فى النصرانية الذى ينفيه زيكو العجيب ذو الدبر الرحيب (الرحيب مثل ذمته لا عقله! ) وتَشَنَّجَ فى إنكاره ، على حين نسمع المسيح يقول لحوارييه :

" لا أشرَبُ بَعدَ اليومِ مِنْ عَصيرِ الكَرمةِ هذا ، حتى يَجيءَ يومٌ فيهِ أشرَبُهُ مَعكُم جَديداً في مَلكوتِ أبـي "

، بما يعنى أولاً أنه كان يشرب " عصير الكرمة هذا " قبل تلك المرة ،

وثانياً أن التلاميذ شربوا تلك الليلة من " عصير الكرمة هذا " .

ثم ثالثاً يهاجمنا المجرمون الكذابون متهمين ديننا بأنه دين لذائذ حسية يَعِدُ معتنقيه بالأكل والشرب فى الجنة ، ومنه شرب الخمر ، وها هو ذا المسيح يعلن بلغة لا مواربة فيها أنه سوف يشرب " عصير الكرمة هذا " من الآن فصاعداً فى ملكوت أبيه السماوى !

فلماذا قلة الأدب إذن ؟

ودعونا من أحلام يوحنا وسماديره التى اعترته فى قرصة جوع حادة فأخذ يهذى بألوان الطعام المضحكة الغريبة فى " رؤياه " !

هذا ، ولن أعلق بشىء على قصة بطرس وأذان الديك : " كو.كو.كو.كو.كو فى الفجرية ، هيا بنا على باب الله يا صنايعية ! " ، بل أسوقها كما هى :

" وكانَ بُطرُسُ قاعِداً في ساحَةِ الدّارِ ، فدنَتْ إلَيهِ جاريَةٌ وقالَت : " أنتَ أيضاً كُنتَ معَ يَسوعَ الجليلّي ! " 70 فأنكَرَ أمامَ جميعِ الحاضرينَ ، قالَ : " لا أفهَمُ ما تَقولينَ " . 71

وخرَجَ إلى مَدخَلِ السّاحةِ ، فَرأتهُ جاريةٌ أخرى . فقالَت لِمَن كانوا هُناكَ : " هذا الرَّجُلُ كانَ معَ يَسوعَ النّاصريَّ ! " 72 فأنكَرَ بُطرُسُ ثانيةً وحلَفَ ، قالَ : " لا أعرِفُ هذا الرَّجُلَ ! "

73 وبَعدَ قَليلٍ جاءَ الحاضِرونَ وقالوا لِبُطرُسَ : " لا شَكَّ أنَّكَ أنتَ أيضاً واحدٌ مِنهُم ، فلَهْجتُكَ تَدُلُّ علَيكَ ! " 74 فأخذَ يَلعَنُ ويحلِفُ : " أنا لا أعرِفُ هذا الرَّجُلَ " . فصاحَ الدّيكُ في الحالِ ،

75 فتذكَّرَ بُطرُسُ قَولَ يَسوعَ : " قَبلَ أنْ يَصيحَ الدّيكُ تُنكِرُني ثلاثَ مرّاتٍ " . فخرَجَ وبكى بُكاءً مُراً " .

وهنا أدرك شهر زاد الصباح ، فسكتت عن الكلام الفضّاح ، لكنها لم تستطع مع ذلك أن تكف نفسها عن السؤال التالى (هى التى سألت ولست أنا) ، شأن كل امرأة أمام إغراء " الكلمتين اللتين على السلم " :

يا ترى كيف تركوا بطرس يمضى لحال سبيله هكذا دون أن يتحققوا مما قالته عنه المرأة ؟

ولن أتكلم عن كذبه وحَلِفه الباطل وخَيْسه فى الوعد الذى قطعه على نفسه قبل قليل للسيد المسيح وأكد فيه أنه لن ينكره ولن يسلمه لأعدائه أبداً مهما تكن الظروف ، وهروبه وأخذ بقية التلاميذ ذيلهم فى أسنانهم وقولهم : يا فكيك !

بل إن أحد الشبان الذين كانوا يتبعونه قد فَرّ عارياً بلبوصاً (إى والله بلبوصاً !) كما ولدته أمه بعدما ترك للمهاجمين إزاره الذى لم يكن على جسمه سواه (مرقس/ 14/ 51- 52) ،

فمثل هذه الأمور لا تساوى شيئاً جَنْب البلايا المتلتلة الأخرى التى لم نعرف لها جواباً !

_ الفصل السابع والعشرون :

يسوع عند بـيلاطس :

" ولمّا طلَعَ الصٌّبحُ ، تَشاورَ جميعُ رُؤساءِ الكَهنَةِ وشُيوخُ الشَّعبِ على يَسوعَ ليَقتُلوهُ . 2 ثُمَّ قَيَّدوهُ وأخَذوهُ وأسلَموهُ إلى الحاكِمِ بـيلاطُسَ .

موت يهوذا :

3 فلمّا رأى يَهوذا الَّذي أسلَمَ يَسوعَ أنَّهُم حكَموا علَيهِ ، ندِمَ ورَدَّ الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ إلى رُؤساءِ الكَهنَةِ والشٌّيوخِ ، 4 وقالَ لهُم : " خَطِئتُ حينَ أسلَمتُ دماً بريئاً " . فقالوا لَه : " ما علَينا ؟ دَبَّرْ أنتَ أمرَكَ " . 5 فرَمى يَهوذا الفِضَّةَ في الهَيكلِ واَنْصرفَ ، ثُمَّ ذهَبَ وشَنقَ نفسَهُ .

6 فأخَذَ رُؤساءُ الكَهنَةِ الفِضَّةَ وقالوا : " هذِهِ ثمنُ دمِ ، فلا يَحِلُّ لنا أنْ نضَعَها في صُندوقِ الهَيكَلِ " . 7 فاَتَّـفَقوا أنْ يَشتَروا بِها حَقلَ الخَزّافِ ليَجعَلوهُ مَقبرَةً لِلغُرَباءِ . 8 ولِهذا يُسَمّيهِ الناسُ حقلَ الدَّمِ إلى هذا اليومِ .

9 فتَمَّ ما قالَهُ النَّبـيٌّ إرميا : " وأخذوا الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ ، وهيَ ما اَتَّفقَ بَعضُ بَني إِسرائيلَ على أنْ يكونَ ثمنُهُ ، 10ودَفَعوها ثَمناً لِحَقلِ الخزّافِ . هكذا أمرَني الرَّبٌّ " .

بـيلاطس يسأل يسوع :

11 ووقَفَ يَسوعُ أمامَ الحاكِمِ فسألَهُ الحاكِمُ : " أأنتَ مَلِكُ اليَهودِ ؟ " فأجابَهُ يَسوعُ : " أنتَ قُلتَ ". 12 وكانَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والشٌّيوخِ يتَّهِمونَهُ ، فلا يُجيبُ بِشيءٍ . 13

فقالَ له بـيلاطُسُ : " أما تسمَعُ ما يَشهَدونَ بِه علَيكَ ؟ " 14فما أجابَهُ يَسوعُ عَنْ شيءٍ ، حتَّى تَعجَّبَ الحاكِمُ كثيراً .

الحكم على يسوع بالموت :

15 وكانَ مِنْ عادَةِ الحاكِمِ في كُلٌ عيدٍ أن يُطلِقَ واحداً مِن السٌّجَناءِ يَختارُهُ الشّعبُ . 16 وكانَ عِندَهُم في ذلِكَ الحينِ سَجينٌ شهيرٌ اَسمُهُ يشوعُ باراباسُ . 17 فلمّا تَجَمْهرَ النّاسُ سألَهُم بـيلاطُسُ : " مَنْ تُريدونَ أنْ أُطلِقَ لكُم : يشوعُ باراباسُ أمْ يَسوعُ الَّذي يُقالُ لَه المَسيحُ ؟ " 18 وكان بـيلاطُسُ يَعرِفُ أنَّهُم مِنْ حَسَدِهِم أسلموا يَسوعَ .

19 وبَينَما بـيلاطُسُ على كُرسِـيَّ القَضاءِ ، أرسَلَتْ إلَيهِ اَمرأتُهُ تَقولُ : " إيّاكَ وهذا الرَّجُلَ الصّالِـحَ ، لأنَّي تألَّمتُ اللَّيلَةَ في الحُلمِ كثيراً مِنْ أجلِهِ " . 20 لكنَّ رُؤساءَ الكَهنَةِ والشٌّيوخَ حَرَّضوا الجُموعَ على أنْ يَطلُبوا باراباسَ ويَقتُلوا يَسوعَ . 21

فلمّا سألَهُمُ الحاكمُ : " أيٌّهُما تُريدونَ أنْ أُطلِقَ لكُم ؟ " أجابوا : " باراباسُ ! " 22 فقالَ لهُم بـيلاطُسُ : " وماذا أفعَلُ بـيَسوعَ الَّذي يُقالُ لَه المَسيحُ ؟ " فأجابوا كُلٌّهُم : " إصْلِبْهُ ! " 23 قالَ لهُم : " وَأيَّ شَرٍّ فَعلَ ؟ " فاَرتفَعَ صياحُهُم : " إصْلِبْهُ ! "

24 فلمّا رأى بـيلاطُسُ أنه ما اَستفادَ شيئاً ، بلِ اَشتَدَّ الاَضطِرابُ ، أخذَ ماءً وغسَلَ يَديهِ أمامَ الجُموعِ وقالَ : " أنا بَريءٌ مِنْ دَمِ هذا الــــرَّجُل ! دَبَّروا أنتُم أمرَهُ " .

25 فأجابَ الشّعبُ كُلٌّهُ : " دمُهُ علَينا وعلى أولادِنا ! " 26 فأطلَقَ لهُم باراباسَ ، أمّا يَسوعُ فجلَدَهُ وأسلَمَهُ لـــيُصْلَبَ .

الجنود يستهزئون بـيسوع :

27 فأخذَ جُنودُ الحاكِمِ يَسوعَ إلى قَصرِ الحاكِمِ وجَمعوا الكَتيبةَ كُلَّها ، 28 فنزَعوا عَنهُ ثيابَهُ وألبَسوهُ ثَوباً قِرمِزياً ، 29 وضَفَروا إكليلاً مِنْ شَوكٍ ووضَعوهُ على رأسِهِ ، وجَعَلوا في يَمينِهِ قصَبَةً ، ثُمَّ رَكَعوا أمامَهُ واَستَهزأوا بِه فقالوا : " السّلامُ علَيكَ يا مَلِكَ اليَهودِ ! "

30 وأمسكوا القصَبَةَ وأخَذوا يَضرِبونَهُ بِها على رأسِهِ وهُم يَبصُقونَ علَيهِ . 31 وبَعدَما اَستَهزَأوا بِه نَــزَعوا عَنهُ الثَّوبَ القِرمِزيَّ ، وألبَسوهُ ثيابَهُ وساقوهُ ليُصلَبَ يسوع على الصليب .

32 وبَينَما هُمْ خارِجونَ مِنَ المدينةِ صادَفوا رَجُلاً مِنْ قَيرينَ اَسمُهُ سِمْعانُ ، فسَخَّروهُ ليَحمِلَ صَليبَ يَسوعَ . 33 ولمّا وصَلوا إلى المكانِ الَّذي يُقالُ لَه الجُلجُثَةُ ، أي " مَوضِعُ الجُمجُمَةِ " 34 أعطَوْهُ خَمراً مَمزوجَةً بِالمُرَّ ، فلمّا ذاقَها رفَضَ أنْ يَشرَبَها . 35 فصَلبوهُ واَقتَرعوا على ثيابِهِ واَقتَسموها . 36 وجَلَسوا هُناكَ يَحرُسونَه . 37 ووضَعوا فَوقَ رأسِهِ لافِتَةً مكتوباً فيها سَببُ الحُكمِ علَيهِ : " هذا يَسوعُ ، مَلِكُ اليَهودِ " .

38 وصَلَبوا مَعهُ لِصَّينِ ، واحداً عَنْ يَمينِهِ وواحداً عَنْ شِمالِهِ . 39 وكانَ المارةُ يَهُزّونَ رُؤوسَهُم ويَشتِمونَهُ ويَقولونَ : 40 " يا هادِمَ الهَيكَلِ وبانِـيَهُ في ثلاثَةِ أيّامِ ، إنْ كُنتَ اَبنَ الله ، فخلَّصْ نفسَكَ واَنزِلْ عَنِ الصَّليبِ " . 41

وكانَ رُؤساءُ الكَهنَةِ ومُـعلَّمو الشّريعَةِ والشٌّيوخُ يَستهزِئونَ بِه ، فيَقولونَ : 42 " خَلَّصَ غيرَهُ ، ولا يَقدِرُ أنْ يُخلَّصَ نفسَهُ ! هوَ مَلِكُ إِسرائيلَ ، فلْيَنزِلِ الآنَ عَنِ الصَّليبِ لِنؤمِنَ بِه ! 43 توَكَّلَ على الله وقالَ : أنا اَبنُ الله ، فليُنقِذْهُ الله الآنَ إنْ كانَ راضياً عنهُ " .

44 وعيَّرَهُ اللَّصانِ المَصلوبانِ مَعهُ أيضاً ، فقالا مِثلَ هذا الكلامِ .

موت يسوع :

45 وعِندَ الظٌّهرِ خيَّمَ على الأرضِ كُلَّها ظلامٌ حتَّى السّاعةِ الثّالِثةِ . 46 ونحوَ الساعةِ الثالثةِ صرَخَ يَسوعُ بِصوتٍ عَظيمِ : " إيلي ، إيلي ، لِما شَبقتاني ؟ " أي " إلهي ، إلهي ، لماذا تَركتَني ؟ "

47 فسَمِعَ بَعضُ الحاضرينَ هُناكَ ، فقالوا : " ها هوَ يُنادي إيليّا ! " 48 وأسرَعَ واحدٌ مِنهُم إلى إسفِنْجَةٍ ، فبَلَّــلَها بالخَلٌ ووضَعَها على طرَفِ قَصبَةٍ ورَفَعها إلَيهِ لِـيَشرَبَ . 49 فقالَ لَه الآخرونَ : " اَنتَظِرْ لِنرى هَلْ يَجيءُ إيليّا ليُخَلَّصَهُ ! "

50 وصرَخَ يَسوعُ مرّةً ثانيةً صَرْخَةً قَوِيَّةً وأسلَمَ الرّوحَ .

51 فاَنشَقَّ حِجابُ الهَيكلِ شَطرَينِ مِنْ أعلى إلى أسفَلَ . وتَزلْزَلتِ الأرضُ وتَشقَّقتِ الصٌّخورُ . 52 واَنفتَحَتِ القُبورُ ، فقامَتْ أجسادُ كثير مِنَ القِدَّيسينَ الرّاقِدينَ . 53 وبَعدَ قيامَةِ يَسوعَ ، خَرَجوا مِنَ القُبورِ ودَخلوا إلى المدينةِ المقدَّسَةِ وظَهَروا لِكثير مِنَ النّاسِ .

54 فلمّا رأى القائِدُ وجُنودُهُ الَّذينَ يَحرُسونَ يَسوعَ الزَّلزالَ وكُلَ ما حدَثَ ، فَزِعوا وقالوا : " بالحَقيقةِ كانَ هذا الرَّجُلُ اَبنَ الله ! " 55

وكانَ هُناكَ كثيرٌ مِنَ النَّساءِ يَنظُرنَ عَنْ بُعدٍ ، وهُنَّ اللَّواتي تَبِعنَ يَسوعَ مِنَ الجَليلِ ليَخدُمْنَه ، 56 فيهِنّ مَريمُ المَجدليَّةُ ، ومَريمُ أمٌّ يَعقوبَ ويوسفَ ، وأُمٌّ اَبنَي زَبدي .

دفن يسوع :

57 وجاءَ عِندَ المساءِ رجُلٌ غَنِـيٌّ مِنَ الرّامةِ اَسمُهُ يوسُفُ ، وكانَ مِنْ تلاميذِ يَسوعَ . 58 فدَخَلَ على بـيلاطُسَ وطلَبَ جَسدَ يَسوعَ . فأمَرَ بـيلاطُسُ أنْ يُسلَّموهُ إلَيهِ . 59

فأخَذَ يوسُفُ جَسدَ يَسوعَ ولفَّهُ في كفَنٍ نظيفٍ ، 60 ووضَعَهُ في قبرٍ جديدٍ كانَ حَفَرَهُ لِنفسِهِ في الصَّخرِ ، ثُمَّ دَحرجَ حجرًا كبـيراً على بابِ القبرِ ومَضى . 61 وكانَت مَريَمُ المَجْدليَّةُ ، ومَريَمُ الأُخرى ، جالِستَينِ تُجاهَ القَبرِ .

حراسة القبر :

62 وفي الغدِ ، أيْ بَعدَ التَّهيئَةِ لِلسَّبتِ ، ذهَبَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والفَرّيسيّونَ إلى بـيلاطُس 63 وقالوا لَه : " تَذكَّرنا ، يا سيَّدُ ، أنَّ ذلِكَ الدَّجالَ قالَ وهوَ حيٌّ : سأقومُ بَعدَ ثلاثةِ أيّـامِ . 64 فأصْدِرْ أمرَكَ بِحِراسَةِ القَبرِ إلى اليومِ الثّالِثِ ، لِـئلاَّ يَجيءَ تلاميذُهُ ويَسرِقوهُ ويقولوا للشَّعبِ : قامَ مِنْ بَينِ الأمواتِ ، فتكونَ هذِهِ الخِدعَةُ شراً مِنَ الأولى " .

65 فقالَ لهُم بـيلاطُسُ : " عِندَكُم حرَسٌ ، فاَذهَبوا واَحتاطوا كما تَرَونَ " . 66 فذَهبوا واَحتاطوا على القَبرِ ، فختَموا الحجَرَ وأقاموا علَيهِ حَرَساً " .

التعليق :

_ والآن أليس عجيباً أن يتراجع يهوذا عما أتاه من خيانة بمجرد أن حكموا على المسيح ؟

وهو الذى كان أمامه الوقت الطويل قبل ذلك كى يفيق من نفاقه وكيده فلم يفعل ، ومع هذا فبمجرد أن حكموا على المسيح كما تزعم القصة انقلب على نفسه ثمانين درجة وذهب فانتحر رغم أن الحكم لم يكن قد نفذ بعد ،

وكان ممكناً جداً أن يتغير لسبب أو لآخر ، بل رغم أنه كان يستطيع أن يذهب للحاكم ويعترف له بما فعل ويشهد لصالح المسيح ما دام ضميره قد استيقظ وأخذ يأكله مثلما تأكل زيكو دبره بالضبط ، فيتعرض من ثم لغضب الله لأنه قد أحبط الخطة الإلهية لغفران عموم الخطايا البشرية ؟

يعنى يا يهوذا يا ابن الحلال : واقعتك مهببة مهببة مهما فعلت !

ألم يكن عندى حق عندما قلت : " الله يخرب بيتك " لقاء ما بَرْجَلْتَ عقولنا وعقول البشرية كلها وأسلتَ من أحبارنا واستهلكتَ من أوراقنا وأوقاتنا ما كان يمكننا ، على الأقل نحن سكان منطقة الشرق الأوسط المتخلفة هذه ، أن ننفقه فيا هو أفيد ؟

ثم لا تَنْسَوُا السيد متّى ، الذى يظن نفسه من الذكاء وإيانا من الغباء بحيث يستطيع أن يزعم أن ما حدث قد تنبأ به الأنبياء (هذه المرة : إرميا)، فقال كعادته عبارته المشهورة التى حفظناها عن ظهر قلب أو عن قلب ظهر : لكى يتم ما قاله النبى ، أو شيئاً مشابهاً لهذا !

لكن متَّى لم يكن للأسف ذكياً بما فيه " الكفاية " (ولعل هذا هو السبب فى أنه ليس من أعضاء حركة " كفاية " الحالية !) ، لأنه لم يتصور أن هناك ناساً آخرين سوف يكتبون هم أيضاً سيرة المسيح ويعكّون مثله فيقولون شيئاً آخر غير ما قال !

ألم يكن أجدر به أن يتفق معهم مقدماً على ما ينبغى قوله حتى لا يأتى فى آخر الزمان واحد مثلى " قاعد لهم على القعيدة " فيفضح تخليطهم واضطرابهم ويكشف للناس جميعاً أن ما قاله القرآن عن هذه الحكايات المسماة بــ" الأناجيل " من أنها كلام ملفق مزور محرف هو اتهام صحيح ؟

كيف ؟

لنأخذ فقط هذا الذى قاله النبى المذكور ونبين أنه ، بغض النظر عن صحته أو لا ، لا علاقة بينه وبين ما وقع للسيد المسيح وأن حكاية يهوذا كلها ليست سوى " شويّة خرابيط لخابيط " ! ذلك أن الحكاية تتخذ شكلاً آخر فى " أعمال الرسل " ، إذ نقرأ فيه :

" 18 فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا . 19 وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ حَتَّى دُعِيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ « حَقْلَ دَمَا » (أَيْ : حَقْلَ دَمٍ) . 20 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ : لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ " (أعمال الرسل/ 1/ 18- 19) ،

أى أن العهد القديم يتناقض مع نفسه من كتَابٍ إلى آخر .

ولنلاحظ أن كاتب " أعمال الرسل " لم يقصّر هو أيضاً فى الاستشهاد بما جاء فى " العهد القديم " ، لكنه آثر " المزامير " على " إرميا " ، ولم لا ، وإرميا نبى ، وداود نبى (وإن كان نبياً زانياً وقاتلاً حقوداً عندهم ، لكنه على كل حال نبى) ، وكل من له نبى يصلى عليه ويستند إليه ؟

وواضح أن الحكاية مضطربة متناقضة بين المؤلفَيْن ، فلنتركهما فى غَيّهما سادِرَيْن ، ولنمض نحن إلى موضوع آخر ، فاللخبطات كثيرة ، والتناقضات لا تنتهى .

ثم إذا قلنا لهم ذلك شتموا نبى الرحمة وأقلّوا أدبهم ! ماشٍ !

_ وبالمناسبة فالنص الخاص بالثلاثين فضة موجود فى الفصل الحادى عشر من سفر " زكريا " ، وهو خاص بأجرة رعى الغنم التى استحقها الله من عمله لدى شعبه العنيد الصلب الرقبة ، لكن متّى وأمثاله يلوون هذه النصوص الغامضة التى لا معنى لها ويزعمون أنها تتعلق بالسيد المسيح .

وهذا طبيعى ، فما دام لا وجود لمنهج ولا منطق فمن الممكن أن يقول الإنسان أى شىء عن أى شىء !

إن ما قاله متّى فى تفسير تسمية الحقل المذكور بــ" حقل الدم " هو من جنس قولهم فى تفسير اسم " الفيوم " بأن يوسف عليه السلام قد بناها فى " ألف يوم " ، أو تفسير اسم " هملت " بأن أمه " أهملت " فى تربيته !!

وفوق هذا فإننا لا نستطيع أن نمضى دون أن نعلن استغرابنا لما حدث ليهوذا : لماذا بالله يصوَّر الرجل فى كتابات القوم على أنه شرير ؟

إن دوره فى واقع الأمر مكمّل لدور المسيح : فهذا قد أتى ليموت على الصليب من أجل كذا وكذا مما يزعمونه ، وذاك قد أتى ليساعد هذا على تأدية المهمة المنوطة به ،

وإلا فكيف بالله عليكم كان يمكن أن يتم الفداء والتكفير عن خطيئة البشرية لو لم يبع يهوذا المسيح لليهود ولو لم يقتل اليهود المسيح ؟

أعطونى عقلكم ، فقد تعبت من التفكير !

لكنْ للأسف نسى الكاتب المحترم أن يقول لنا كيف شنق يهوذا نفسه ؟

هل أتى بسلم وركّب فى السقف علاقة حديد وربط فيها حبلاً متيناً حتى يضمن أنه لن ينقطع إذا ما علق رقبته فيها وتدلى الحبل به ، ثم أتى بكرسى ووقف عليه ووضع عنقه فى الخية ، ثم شد الربقة جيداً حول عنقه ، ثم " هُبَّا ! " ضرب الكرسى بقدمه من تحته فأطاره بعيداً فأخذ يُفَلْفِص دون جدوى تحت مطارق الألم بسبب الاختناق وانكسار فقرات العنق حتى انقطعت أنفاسه تماماً وتدلى لسانه وجحظت عيناه !

يا حفيظ !

أم إنه ، على طريقة الأفلام المصرية ، ما إن ضرب الكرسى من تحته حتى شد بثقله السقف إلى أسفل فانهار وتدفقت منه أوراق البنكنوت بالآلاف ، فعوضه الله بذلك عن الثلاثين فضة التى لا تساوى فى هذه الأيام النحسات شيئاً حيث تضاعف سعر كل شىء ، وبعد أن كنا نشترى ونحن صغار عشر حبّات كراملة بتعريفة (نصف قرش صاغ) أصبحنا الآن نشترى الحبة الواحدة بخمسة قروش صاغ ، وأحيانا بعشرة ؟

بينى وبينكم : السيناريو الثانى أفضل فى نظرى لأنه أرحم وأقرب للعقلية الشرق أوسطية وأوفق للخطة الإلهية التى ترى فى يهوذا عاملاً محفِّزاً لتنفيذ المشيئة المقدسة ! فما رأيكم أنتم ؟

هل انتهينا هكذا ؟ أبداً ، فما زالت الأرض مملوءة بالألغام القاتلة :

مثلاً كيف يا ترى لم نر أحداً يدافع عن المسيح بين هاتيك الجموع ، وكأن بينها وبينه ثأراً بائتاً ، فلا بد من أكل لحمه على عظمه وشرب دمه !

أين الجماهير التى كانت تصحبه من مكان إلى مكان حتى داخل الهيكل ويهتفون باسمه ويسجدون له ويتحدَّوْن الكهنة والصدوقيين والفريسيين من أجله ؟

أين الصبيان الذين دخلوا على الخط هم أيضاً وجلجلت أصواتهم بين جدران المعبد تمجيداً له ؟

لقد بلغ عدد هذه الجموع يوم السمك والخبز سبعة آلاف ، وكان ذلك فى بدايات الدعوة ، فكيف ذابوا بهذه البساطة كما يذوب فص الملح فى الماء فلم نعد نسمع لهم حِسّاً أو عنهم خبراً ؟

أين تلك الجماهير يا ترى الذين قال المؤلف المضطرب الفكر والرواية إن رؤساء اليهود خَشُوا أن يؤذوا عيسى فى العيد كيلا يثيروها ضدهم لتعاطفها معه ؟

وبطبيعة الحال لا يمكن القول بأنهم قد خافوا من السلطات ، فقد أخبرنا السيد متّى أن الحاكم كان متعاطفاً مع المسيح ، وكذلك زوجته التى رأت حلماً فى المنام عنه كدّرها فتدخلت عنده تتشفع له ، بل إنه كان من عادته أن يطلق لهم فى كل عيد سجيناً يختارونه بأنفسهم ، كما أن المسيح لم يكن يتحدى الدولة ،

فضلاً عن أن رؤساء اليهود أنفسهم قد عملوا حساب تلك الجماهير ولم يشاؤوا مَسّ عيسى بأذى مراعاة لمشاعرهم وموقفهم منه ، فلماذا الخوف إذن ؟

إن العامة عندنا فى القرية ، رغم جهلهم وانعدام الموهبة القصصية لديهم ، دائماً ما يقولون : " إن كذبتَ فاكذبْ كذبا متساوياً " . يعنون أنه لابد من مراعاة أصول الفن والصنعة حتى فى الكذب ! بيد أن متّى ، كما هو واضح، يفتقر للحس الروائى !

_ كذلك عجباً أن يلوذ المسيح بالصمت ولا يجيب على الأسئلة التى كان يوجهها له بيلاطس ، وقد كان من المحتمل أن يطلق سراحه لو أنه اهتم بالدفاع عن نفسه وفضح الأكاذيب التى شنع بها اليهود عليه ، فلماذا لم يفعل بالله عليه ؟

ألم نره يناجى ربه فى ألم وحزن وانسحاق أن يصرف عنه تلك الكأس ؟

فلماذا لم ينتهز هذه الفرصة السانحة ويجيب على أسئلة الحاكم بما يجلّى وجه الحق ، ويترك الباقى على الله : فإن اقتضت مشيئته أن يُصْلَب ويُقْتَل لم يخسر شيئاً ، وإن غَيَّرَ سبحانه ما كان أراده من قبل ، فبها ونعمت !

أولم يكن ينبغى أن يهتبل هذه السانحة الأخيرة فيوضّح للناس حكاية الخطيئة الأولى وكيف نزل من عليائه كى يعيد الأمور لنصابها ، على الأقل حتى يعطى الناس فرصة لمعرفة الحقيقة فلا تكون لهم حجة عند ربهم يوم القيامة ، بدلاً من هذا الغموض الذى يلف المسألة كلها فلا ندرى رأسنا من رجلينا ؟

أيمكن أن يكون هناك حكم دون حيثيات وتوضيحات ؟

ثم إن بيلاطس ، لما حاول أن يثنى اليهود عن قتل المسيح وفشل ، غسل يده وتبرأ من المشاركة فى ذلك العمل المجرم وقال لهم بالحرف الواحد :

" أنا بَريءٌ مِنْ دَمِ هذا الــــرَّجُل ! دَبَّروا أنتُم أمرَهُ " !

لكننا بعد بضع كلمات نفاجأ بالسيد متّى يقول عن ذلك الحاكم بالحرف أيضاً :

" فأطلَقَ لهُم باراباسَ ، أمّا يَسوعُ فجلَدَهُ وأسلَمَهُ لـــيُصْلَبَ " !

فلا ندرى أى الروايتين نصدق ؟

_ ثم نمضى فنقرأ :

" 27 فأخذَ جُنودُ الحاكِمِ يَسوعَ إلى قَصرِ الحاكِمِ وجَمعوا الكَتيبةَ كُلَّها ، 28 فنزَعوا عَنهُ ثيابَهُ وألبَسوهُ ثَوباً قِرمِزياً ، 29 وضَفَروا إكليلاً مِنْ شَوكٍ ووضَعوهُ على رأسِهِ ، وجَعَلوا في يَمينِهِ قصَبَةً ، ثُمَّ رَكَعوا أمامَهُ واَستَهزأوا بِه فقالوا : " السّلامُ علَيكَ يا مَلِكَ اليَهودِ ! " 30 وأمسكوا القصَبَةَ وأخَذوا يَضرِبونَهُ بِها على رأسِهِ وهُم يَبصُقونَ علَيهِ . 31 وبَعدَما اَستَهزَأوا بِه نَــزَعوا عَنهُ الثَّوبَ القِرمِزيَّ ، وألبَسوهُ ثيابَهُ وساقوهُ ليُصلَبَ يسوع على الصليب " .

ولا أظن عاقلاً يصدق أن شيئاً من ذلك يمكن أن يحدث للإله أو لابن الإله !

هذه أسطورة كأساطير الهنود والإغريق والمصريين القدماء ، وهذا الإله لا يمكن أن يكون هو الله رب العالمين ، بل هو إله وثنى ، تعالى الله عن أن يكون له ولد أو أن يُضْرَب ويهان ويُشْتَم ويُسْتَهْزَأ به ، وهو عاجز لا يملك لنفسه شيئاً !

والمضحك أنه بعدما انتهى كل شىء وتم الصلب والقتل يتذكر الله فقط عندئذ ولده فإذا بالكون يظلم وتثور الزلازل وتنتثر القبور ويقوم الموتى بأكفانهم وينشق حجاب الهيكل… إلى آخر ما اخترعته خيالات الرواة وأوهامهم مما سنأتى له فيما بعد !

بالله أين كان هذا كله قبل وقوع المصيبة ؟

وهل بعد خراب بصرة يمكن أن يصنع الواحد منا شيئاً ؟

ثم لماذا يقع هذا كله ويغضب الله ، وهو سبحانه إنما أرسل ابنه الوحيد (يا كبدى عليه !) ليُصْلَب ويُقْتَل ؟

أتراه لم يتحمل قلبه ما حدث لفلذة كبده ؟

فأى إله ذلك يا ربى ؟

لقد حَيَّرَنا معه أشد حيرة ولم نعد نعرف ماذا يريد بالضبط ! الرحمة يا صاحب الرحمة !

_ ثم لماذا يكلفون سمعان حمل الصليب عن المسيح ، وهم إنما حكموا عليه بالصلب ليعذبوه ، فهل يتفق مع هذا الغرض وتلك النية أن يريحوه ويكلفوا رجلاً غريباً ليس له فى الثور ولا فى الطحين حمل الصليب ؟

وفى الترجمات الأخرى أن سمعان هذا كان من القيروان ، والمعروف أن القيروان لم تبن إلا بعد ذلك التاريخ بنحو ألف عام على يد عقبة بن نافع !

ثم ننظر فنجد أن الجميع يسخرون من المسيح ويسمعونه قارص القول ويتحدَّوْنه أن ينقذ نفسه أو على الأقل أن يدعو ربه فينقذه ، لكننا ننصت فنجده صامتاً لا يتكلم !

فلماذا يا ترى ، وقد كان قادراً فى أدنى تقدير أن يدعو الله أو أن يأخذ أبوه المبادرة من تلقاء نفسه ويصنع آية ، لا أقول لإنقاذه ، بل لتعريفهم مركزهم وإلزامهم حدودهم وإلجام أفواههم عن التهكم وقلة الأدب وإنبائهم بأن هذا الرجل المصلوب " هو ابنى الوحيد . أرسلته إليكم يا أوباش للتكفير عن إجرامكم وسفالتكم وكتبت فى لوحى المحفوظ أنه سيُصْلَب ويُقْتَل من أجل خاطركم . عليكم اللعنة ! " ، وبهذا يخرسهم فلا يفتحون فمهم !

أمّا أن يسكت طوال مدة المحاكمة والصلب والضرب والطعن والشتم والتجديف ، ثم إذا ما انتهى كل شىء ولم يعد هناك جدوى من التدخل رأيناه يسوّد الدنيا ويثير الزلازل ويمزق الأستار ويبعث الموتى من قبورهم ، ولا أدرى لماذا ، فهو تصرف لا معنى له !

كما لا أدرى أيضاً ماذا حصل لأولئك الموتى بعد ذلك ؟

أأبقاهم أحياء مقدِّراً لهم بذلك استئناف حياة جديدة أم استردّهم سريعاً وأعادهم للقبور التى جاؤوا منها قبل أن يذوقوا لذة الدنيا فيهربوا ولا يَرْضَوْا أن يعودوا مرة ثانية إلى ظلمة القبر وخنقته وديدانه وتحلل الأجساد فيه إلى رمم ؟

ثم اللصان الظريفان اللذان لم يكونا يلقيان بالاً إلى بلواهما التى يقاسيانها فوق الصليب ، والمسامير المدقوقة فى أيديهما ، وركبهما المكسورة ، وحلقيهما المتشققين من العطش ، ولا إلى المصيبة الأخرى التى تنتظرهما ، وهى مصيبة الإعدام ، وكانا يسخران منه مع الساخرين !!

غريبة ! فى أى شىء نحن يا ترى : فى … أم فى شَمّ وَرْد ؟ أذكر الآن ، وأنا أضحك من القرف ، مسرحية " السلطان الحائر " لتوفيق الحكيم ، وفيها نجد نخّاساً عليه حكم بالإعدام سينفذ فيه بعد قليل فى تلك الليلة ، ومع ذلك كان يبادل جلاده النكات ويضحك معه وكأنه مقبل على البناء بعروس شابة جميلة لا على تطيير رقبته بالسيف !

_ وهناك فضيحة الفضائح ، ألا وهى صراخ مصلوبنا واستغاثته بأبيه وسؤاله إياه : لماذا تركتنى ؟!

الله أكبر ! تَرَكَك ؟ وماذا كنت تنتظر منه أن يفعل ، وهو إنما اختارك اختياراً للصلب والقتل ؟

ثم عندنا أيضاً الــ" كم " معجزة التى وقعت عند طلوع روحه : انشقاق أرض ، على قيام أموات ، على تمزق ستار هيكل ، على انفلاق صخور !

ولا تسأل كيف لم يسجل التاريخ شيئاً من ذلك ، فهذه أمور بسيطة ينبغى ألا تعكر صفو مزاجنا ونحن نقرأ مثل هذه القصص المسلية !

ولكن الإنسان لا يستطيع أن يحبس نفسه عن الاستفسار عن وجه الحكمة فى هذه المعجزات الغاضبة :

هل الله سبحانه وتعالى قد تراجع وندم بعدما أحس بلذع الفقد ؟

لكن هل يتراجع الإله ويتألم ويشعر بالفقد مثلما نفعل نحن البشر الفانين ؟

يا عيب الشؤم !

إذن فلماذا هذا الغضب العنيف التى تزلزلت له الأرض وتناثرت الصخور واستيقظ الموتى وانشق حجاب المعبد ؟

أم تراها تهويشاً فاضياًَ لا يقدم ولا يؤخر لا هدف من ورائه سوى حفظ ماء الوجه :

"51 فاَنشَقَّ حِجابُ الهَيكلِ شَطرَينِ مِنْ أعلى إلى أسفَلَ . وتَزلْزَلتِ الأرضُ وتَشقَّقتِ الصٌّخورُ . 52 واَنفتَحَتِ القُبورُ ،. فقامَتْ أجسادُ كثير مِنَ القِدَّيسينَ الرّاقِدينَ . 53 وبَعدَ قيامَةِ يَسوعَ ، خَرَجوا مِنَ القُبورِ ودَخلوا إلى المدينةِ المقدَّسَةِ وظَهَروا لِكثير مِنَ النّاسِ " .

والطريف أن كل ما كان من رد فعل بين الحاضرين لهذه الكوارث هو ما قاله فقط الضابط والجنود المكلفون بحراسة المسيح :

" فلمّا رأى القائِدُ وجُنودُهُ الَّذينَ يَحرُسونَ يَسوعَ الزَّلزالَ وكُلَ ما حدَثَ ، فَزِعوا وقالوا : " بالحَقيقةِ كانَ هذا الرَّجُلُ اَبنَ الله !  " .

وهذا كل ما هنالك ، وكأن ابن الله حاجة " ببلاش كده " كالليمون !

والأنكى أنه لم يكن هناك " رجل " واحد يهتم بابن الله رغم كل ذلك . كل من كان هناك كنّ من النساء :

" 55 وكانَ هُناكَ كثيرٌ مِنَ النَّساءِ يَنظُرنَ عَنْ بُعدٍ ، وهُنَّ اللَّواتي تَبِعنَ يَسوعَ مِنَ الجَليلِ ليَخدُمْنَه ، 56 فيهِنّ مَريمُ المَجدليَّةُ ، ومَريمُ أمٌّ يَعقوبَ ويوسفَ ، وأُمٌّ اَبنَي زَبدي " .

ولكن لم لا ، والعصر الآن هو عصر الفيمينزم ؟ ألم تسمعوا بالمرأة المخبولة التى تعلن تمردها على الحمل والولادة وتريد من زوجها أن يحمل مثلها ويلد ، وإن كانت قد نسيت أن تخبرنا كيف يحمل ولا فى أى عضو من جسده يمكن أن يتم الحمل .

إنها لمشكلة حقاً ، إلا أن الأمر بالنسبة للقُمّص المشلوح محسوم ، فدبره يصلح لأشياء كثيرة ، بل هو فى الواقع يصلح لكل شىء !

_ الفصل الثامن والعشرون :

قيامة يسوع :

" ولمّا مَضى السَّبتُ وطلَعَ فَجرُ الأحَدِ ، جاءَتْ مَريمُ المَجْدَليَّةُ ومَريمُ الأُخرى لِزيارَةِ القَبرِ .

2 وفجأةً وقَعَ زِلزالٌ عظيمٌ ، حينَ نَــزَلَ مَلاكُ الرَّبَّ مِنَ السَّماءِ ودَحرَجَ الحَجَرَ عَنْ بابِ القَبرِ وجلَسَ علَيهِ . 3 وكانَ مَنظرُهُ كالبَرقِ وثَوبُهُ أبـيَضَ كالثَّلجِ . 4 فاَرتَعبَ الحَرَسُ لمّا رأوهُ وصاروا مِثلَ الأمواتِ

5 فقالَ المَلاكُ للمَرأتَينِ : " لا تَخافا . أنا أعرِفُ أنَّكُما تَطلُبانِ يَسوعَ المَصلوبَ . 6 ما هوَ هُنا ، لأنَّهُ قامَ كما قالَ . تَقدَّما واَنظُرا المكانَ الَّذي كانَ مَوضوعاً فيهِ . 7 واَذهَبا في الحالِ إلى تلاميذِهِ وقولا لهُم : قامَ مِنْ بَينِ الأمواتِ ، وها هوَ يَسبُقُكُم إلى الجَليلِ ، وهُناكَ ترَوْنَهُ . ها أنا قُلتُ لكُما " .

8 فتَركَتِ المَرأتانِ القَبرَ مُسرِعَتَينِ وهُما في خَوفٍ وفَرَحِ عَظيمينِ ، وذَهَبتا تحمِلانِ الخَبرَ إلى التَّلاميذِ . 9 فلاقاهُما يَسوعُ وقالَ : " السَّلامُ علَيكُما " . فتَقَدَّمَتا وأمسكَتا بِقَدَميهِ وسَجَدتا لَه . 10

فقالَ لهُما يَسوعُ : " لا تَخافا ! إذهَبا وقولا لإخوَتي أنْ يَمْضوا إلى الجَليلِ ، فهُناكَ يَرَوْنَني .

أقوال الحرس :

11 وبَينَما هُما ذاهبتانِ رَجَع بَعضُ الحَرَسِ إلى المدينةِ وأخبَروا رُؤساءَ الكَهَنَةِ بكُلٌ ما حدَثَ . 12 فاَجتَمعَ رُؤساءُ الكَهنَةِ والشٌّيوخُ ، وبَعدَما تَشاوَرُوا رَشَوا الجُنودَ بمالٍ كثيرٍ ، 13 وقالوا لهُم : " أشيعوا بَينَ النّاسِ أنَّ تلاميذَ يَسوعَ جاؤُوا ليلاً وسَرَقوهُ ونَحنُ نائِمونَ . 14 وإذا سَمِعَ الحاكِمُ هذا الخبَرَ ، فنَحنُ نُرضيهِ ونَرُدٌّ الأذى عنكُم " . 15

فأخَذَ الحَرَسُ المالَ وعمِلوا كما قالوا لهُم . فاَنتشَرَتْ هذِهِ الرَّوايةُ بَينَ اليَهودِ إلى اليوم .

يسوع يظهر لتلاميذه :

16 أمّا التَّلاميذُ الأحدَ عشَرَ ، فذَهبوا إلى الجَليلِ ، إلى الجبَلِ ، مِثلما أمرَهُم يَسوعُ . 17 فلمّا رأوْهُ سَجَدوا لَه ، ولكِنَّ بَعضَهُم شكّوا .

18 فدَنا مِنهُم يَسوعُ وقالَ لهُم : " نِلتُ كُلَ سُلطانٍ في السَّماءِ والأرضِ . 19 فاَذهبوا وتَلْمِذوا جميعَ الأُمَمِ ، وعَمَّدوهُم باَسمِ الآبِ والابنِ والرٌّوحِ القُدُسِ ، 20 وعلَّموهُم أن يَعمَلوا بِكُلٌ ما أوصَيْتُكُم بِه ، وها أنا مَعكُم طَوالَ الأيّامِ ، إلى اَنقِضاءِ الدَّهرِ "  .

التعليق :

_ هذا هو الموضع الوحيد الذى وردت فيه الإشارة إلى الثالوث ، وكما هو واضح لم يحدث ذلك إلا بعد موت عيسى وقيامه من الأموات حسب رواية مؤلف الإنجيل .

وعجيب أن يسكت عيسى عليه السلام طوال حياته فلا يذكر الثالوث بكلمة ، ثم إذا ما مات وقام ولم يكن هناك أحد آخر من البشر سوى تلامذته جاءت أول إشارة منه إلى ذلك الموضوع ، مع أننا قد رأينا معاً كيف مرت أوقات وظروف كانت تتطلب هذا التصريح تطلباً حادّاً ومُلِحّاً فلم يفعل .

وعلى أية حال فالتعميد هنا ليس بالنار كما قال يحيى حسبما قرأنا معا من قبل ، بل ينفذه القوم بالماء : إما بالتغطيس الكامل أو بالاكتفاء برش نقاط من الماء على الجسد .

والآن ليس لى تعليق على أى شىء آخر فى هذا الفصل ، فنحن قد بيَّنّا لامعقولية أحداث الصلب كلها هى والعقيدة التى  وراءها ، وإن كنا نحترم حرية كل إنسان وكل جماعة فى اعتناق ما يَرَوْنه ،

بيد أننا أردنا أن نبين لمن يشتمون نبينا أن بيوتهم من زجاجٍ تامّ الهشاشة يتحطم من مجرد مرور النسيم على مقربة منه .

وقد قلنا إنهم أحرار فى أن يستمروا فى الشتم ، فنحن لا نملك أفواه الآخرين ، لكننا نملك أن نرد بالتحليل المنطقى ، كما أننا لا نحب العنف بل نحب العلم والعقل ونحتكم إليهما ولا نرضى بهما بديلاً .

وقد درستُ وما زلتُ أنتهز كل فرصة لدراسة الدين الذى أدين به من جديد على ضوء المنطق الإنسانى والعلم الصحيح والمقارنة بينه وبين الأديان الأخرى ، فأجدنى بعد كل مراجعة أزداد إيماناً واطمئناناً .

ومع ذلك لا أذكر أنى كتبت يوماً بهدف دعوة الآخرين إلى الإسلام رغم إيمانى بأنه لابد أن تقوم طائفة بهذه المهمة .

كل ما فى الأمر أننى غير مهيأ لهذا العمل وأننى إذا أردت أن أقوم به فلربما لم أحسنه ، بل أحسن الدفاع عن دينى وعرض محاسنه ووجوه العبقرية فيه .

وما كنت أود الدخول فى هذا الذى دخلنا رغم أنوفنا فيه ، بيد أنك لا تستطيع أن تقف مشلولاً وأنت ترى الآخرين يعتدون على دينك وعليك أنت نفسك وعلى أهلك وأمتك ويرمونكم بكل نقيصة وينالون من أعراضكم ويسبون قرآنك ورسولك الكريم الذى تؤمن به والذى هو ، بكل معنى ومن أية زاوية نظرت إليه ، سيد الأنبياء والمرسلين .

فكان لا بد أن نرد حتى لا تكون فتنة فيتصور الناس أن المسلمين ليس عندهم القدرة على الرد لأن دينهم ضعيف لا يصمد للنقد .

لكننا لم ولن نرد على سباب محمد صلى الله غليه وسلم بالتطاول على أخيه عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، بل حصرت ردى فى ردع الشتامين المجرمين فحسب ، دون توسيع نطاق الكلام إلى أحد آخر ممن هم على نفس دينهم .

_ وفى النهاية يحسن أن نوجز ما قلناه فى هذا التحليل : فالمسيح ، كما تصوره لنا الأناجيل ، ليس هو ذلك الإنسان الوديع المتواضع المسالم ، بل هو إنسان عصبى هجّام يشتم مخالفيه ويفترض فيهم منذ البداية النية السيئة وليس لديه أدنى أمل فيهم ولا فى مصيرهم .

بل إن جفاءه وخشونته لتطول أمه عليها السلام أيضاً !

كما رأينا معا أيضاً كيف قال إنه لم يأت بالسلام بل بالسيف وتمزيق الروابط بين أبناء الأسرة الواحدة .

كذلك ليس فى الإنجيل ما يدل على أنه اهتم بنشر بنوته لله ، بل أقصى ما يمكن أن نفكر فيه هو أنه قد أشار إليها فى بعض الأحيان القليلة أثناء حديثه مع حوارييه ، وانتهى الأمر عند هذا الحد ، مع ملاحظة أنه كثيراً ما سمى نفسه : " ابن الإنسان " ، وسماه الآخرون : " ابن داود " أو " ابن يوسف " أو " ابن يوسف ومريم " ، ووصفوه بأنه " نبى " أو " سيد " أو " معلم " ،

وفى ذات الوقت كثيراً ما أشار فى إلى الآخرين فى كلامه معهم عن الله بكلمة " أبوكم السماوى " .

وقد لاحظنا كذلك أن عقيدة الصلب والفداء مملوءة بالثقوب والتناقضات ومجافاة المنطق وطبيعة الألوهية والعبودية البشرية ، وأنها لا تستطيع أن تفسر لنا تفسيراً سليماً أى شىء فى حياة السيد المسيح ، بل تزيد الأمور تعقيداً وتشابكاً .

كما أنه ، عليه السلام ، حسبما جاء فى هذه السير الإنجيلية ، قد دعا وألح فى الدعوة إلى أن ينبذ الناس الدنيا ويتبعوه ، وإلا هلكوا ، وهو ما يعنى أن ديانته لا تصلح لبناء حياة سليمة تكفل إشباع حاجات البشر المختلفة التى لا يمكنهم أن يديروا ظهورهم لها ، وإلا فسدت أمورهم كلها فساداً شنيعاً .

وبالمثل رأينا أن دعوته تنحصر فى بعض المبادئ المغرقة فى المثالية ، ومن ثم يستحيل على الناس أن يبنوا حياتهم على أساسها رغم ما فى الكلمات التى تركها لنا من جمال وطيبة قلب ونية ، فضلاً عن حديثه المتكرر عن ملكوت السماوات ، الذى لاحظت أنه أحياناً ما يكون المقصود به التفضيل الإلهى السابق لبنى إسرائيل على العالمين ووَشْك تحول النبوة عنهم إلى أمة العرب ، وأحياناً ما يعنى الجنة السماوية .

كما أن خطابه كان موجهاً لبنى إسرائيل فحسب لدرجة التزمت الشديد أحياناً مثلما رأينا فى حالة المرأة الكنعانية التى أتته تستنجد به ليشفى ابنتها من صَرْعها .

وبمقارنة ما جاء به المسيح (وفقاً لهذه الأناجيل) بما دعا إليه النبى محمد عليه الصلاة والسلام يتبين لنا مدى السعة الهائلة للمساحة التى تغطيها دعوة أبى القاسم ، تلك الدعوة التى أتى بها إلى الدنيا جمعاء وشملت كل مجالات الحياة ،

مما أشبهت معه الديانتان " هايبر ماركت " ضخماً هائلاً يحتوى على كل ما يحتاجه الإنسان ، ودكانة صغيرة تقوم ببعض متطلبات الحى لا أكثر .

******************

موضوعات ذات صلة :

_ ردود د/ ابراهيم عوض المفحمة على زكريا بطرس

_ قراءة فى إنجيل متى (1)_ الى القمص زكريا بطرس

_ قراءة فى إنجيل متى (2) _ الى القمص زكريا بطرس

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: